لم يستغرق رحيلهم وقتاً طويلاً. لم يكن هناك نقاش، ولا حاجة لوزن الأمور مطولاً. الكهف الذي بدا طوال ساعات مخبأً مقبولاً، حمل الآن معنى مختلفاً. جثة الدب كانت لا تزال هناك، بادية بنصفها على المنحدَر، ومثبتة ضد الجذع المكسور — أضخم من أن تُجاهل، وأحدث من ألا تعني خطراً. تحرّك فيليبي أولاً. ألقى نظرة أخيرة على جوف الكهف، كمن يُسجّل لحظة لن تعود، وخطا إلى الخارج بحذر، مستشعراً من جديد لمس المطر لجلدِهِ.
الوخز كان قائماً. لكنه ظل محتملاً. أتى مايك خلفه، متيقظاً سلفاً للمحيط، كأنه يتوقع شيئاً أن ينبثق في أية لحظة. لم يأتِ شيء. وهذا لم يبعث الطمأنينة.
هبطا بحذر على المنحدر، متجنبين المرور على مقربة شديدة من جثة الحيوان. رغم ذلك، لم يستطع فيليبي منع نفسه من إطالة النظر. كان الاصطدام نظيفاً. مباشراً. وأقوى من أن يتظاهر بأنه لم يكن هو. وأضخم أيضاً من أن يتظاهر بأنه يفهمه. كانت يده لا تزال تثقلها آثار ما فعل في الليلة السابقة — ذراعه بأسرها تتجاوب ببطء، كمن يتعافى من جهد تجاوز الحد. قبض يده بخفة، فتجاوب الهواء حوله — بدقة، لكنه تجاوب.
علق مايك دون أن ينظر مباشرة: "ستستخدم ذلك مجدداً".
أجاب فيليبي بصوت خفيض: "سأضطر إلى ذلك".
لم يقل البقية: إن المرة الأخيرة كادت تكلف كل شيء، وإنه لا يزال يجهل كيف يقيس مكان القاع فيها. لم يسأل مايك. لكنه أبقى عينيه عليه — بالطريقة نفسها دوماً، بلا جلبة، معتمداً على فيليبي وراعياً له في آن واحد.
كان التضاريس وراء الكهف أشد وعورة مما بدت عليه من الأعلى. امتد الهبوط أمتاراً عديدة قبل أن يستقر، منفتحاً على مساحة ذات أشجار متباعدة وتربة أصلب، لا تزال معلمة بآثار المطر. لم يسرا في خط مستقيم. تجنب فيليبي ذلك عمداً الآن — متى ما استطاع، اختار دروباً ذات غطاء، وتغييرات في الاتجاه، وارتفاعات طفيفة تمنح رؤية جزئية لما حوله. أكمله مايك. دون حاجة للكلام. متى توقف أحدهما، كان الآخر متيقظاً سلفاً.
متى تقدم أحدهما، غطاه الآخر. لقد غدوا، دون ترتيب مسبق، آلة من جزأين — ولم يكن الأمر تدريباً أو حظاً. بل هو الصمت عينه الذي ألِفاه بينهما، سوى أن حياتهما باتت على المحك هذه المرة.
عادت الساعات لتثاقل خطاها. مرت ساعات. تشكت الجسد، لكن بوتيرة أقل من ذي قبل — فمفعول القوارير بدا صامداً، محافظاً على الحد الأدنى لاستمرار المسير. خفّ المطر في طريقهما، حتى صار مجرد تقاطر متقطع من الأوراق والأغصان العالية. أما الهواء، فظل متقلباً. خانقاً تارة. وبارداً بما يكفي لتجميد الأصابع تارة أخرى.
فرك مايك ذراعه وقال: "هذا المكان لا يتبع أي منطق".
أجاب فيليبي: "ربما يتبع".
وقفة قصيرة.
"فقط ليس منطقنا".
في منتصف الظهيرة — أو ما يقرب منها — ظهرت أولى العلامات الواضحة. ليس لمسوخ. بل لبشر. علامات على الأرض. خطوات متكررة. مواضع أُعْمِلَت فيها التربة، كأن أحداً توقف هناك أكثر من مرة. قرفص فيليبي. مرّر أصابعه فوق التربة. ما زالت صلبة. ما زالت حديثة.
قال: "لقد مروا من هنا".
التفت مايك حوله، أشد تيقظاً.
"وليس قبل وقت طويل".
بدأ الدرب يتبلور. لم يكن أثراً مثالياً، لكنه حمل نمطاً. انحرافات متسقة. خيارات تتكرر. كأن أحدهم كان يتجنب نقاطاً معينة عمداً.
علق مايك: "إنهم يفكرون".
أومأ فيليبي: "وهو على قيد الحياة".
وهناك راحة خامدَة في الأمر لم ينطق بها أيهما بصوت عالٍ. فلعل من خلّف تلك الآثار ناسٌ يعرفونهم — ناسٌ جاؤوا للبحث عنهم. تقدما ساعات أخرى. أشد تركيزاً الآن. يقتفيان العلامات. يفسران. يتعلمان.
تغير المحيط مجدداً. نباتات أقل كثافة. مساحة أوسع. أرض أكثر استواءً في بعض المقاطع. وقبل كل شيء: الصمت. توقف فيليبي. تجمّد جسده قبل أن يدرك عقله السبب.
قال بخفض: "لا يوجد شيء".
توقف مايك بدوره. جالت عيناه ببطء.
"لا شيء البتة".
بلا صوت. بلا حركة. بلا حضور. لا حشرة. ولا ريح حقيقية. سوى فراغ غريب، كأن تلك المنطقة مُنِعت — لا هُمِلت. مُنِعت. من قِبل شيء يعلم ما يفعل. رفع فيليبي بصري. وحينها رآه. في الأفق. الضباب.
لم يكن أشبه بالمطر. ولا بالنباتات. كان شيئاً آخر. بدا أثقل مما ينبغي. أكثر حضوراً — كأن حيزاً يشغله بنشاط، كأن يتنفس ببطء على حافة الأشجار ولا يتجاوزها لأنه لا يريد. مكث فيليبي ثوانٍ صامتاً. يراقب. يستشعر. ثمة ما لم يكن سليماً هناك. لكنه استحال تجاهله ببساطة كذلك — فقد انطوى على جذب غريب، فضول لم يستطع تسميته فراح يدفعه إلى قاع عقله. خلف عينيه، لثزء من ثانية، تحرك ذات الأثر بلا اسم، أقوى أمام الضباب منه أمام أي شيء سواه حتى اللحظة — ثم تلاشى قبل أن يبوح بما نوى قوله.
ارتعش فيليبي، وألقى باللوم على البرد.
قال مايك: "من هناك".
لم يرد فيليبي فوراً. ظلت عيناه مسمرتين على الضباب.
"ربما".
وقفة قصيرة.
"ولكن ليس الآن".
صرف بصره عنه. عائداً إلى الأرض. إلى الآثار. إلى الدرب الذي لا يزالان يتبعانه.
وختم قائلاً: "لسنا هنا من أجل هذا".
أومأ مايك. دون إصرار. لكن كذلك دون أن يحول عينيه عن الضباب طالما استطاع.
تابعا المسير. أشد تيقظاً من أي وقت مضى. فإذ كان الخطر ينبع سابقاً من كل شيء، فإنه ينبع الآن مما ليس هناك. وللمرة الأولى منذ مغادرتهما، أيقن فيليبي تماماً. إنهما يقتربان.