"أيّ جراءة!" تكلّم تشو يانغ بوجه كالح. استيقظت شجرة الزهرة الفينيقية وتأجّجت هالتها. تحوّلت الأغصان في ومضة إلى مئة سيف ثمين كأنّما يملك المئات من أذرع الشياطين والملوك، وراحت تطعن باتّجاه شو ينغ. تشابكت السيوف الثمينة صعوداً وهبوطاً، وتبدّلت سرعاتها برشاقة مبهرة. كان شو ينغ قد عاين فنون السيف الخاصّة بالملك العملاق. استطاع ذلك الملك التحكّم في أربعة سيوف دفعة واحدة، فاحتضن سيفين بكلتا يديه ودبّر سيفين طائرين بعقله. أرغمته تلك الفنون مراراً على التراجع، بل وخترقت عظم كتفه وكادت تودي بحياته. غير أنّ فنون سيف الملك العملاق بدت هباءً منثوراً إذا ما قيسَت بسيف تشو لقاتل الشياطين السماويّ الخاص بتشو يانغ. أطلق تشو يانغ سيفه لقاتل الشياطين السماويّ، فتقاطعت أكثر من مئة سيف ثمين في الهواء وأدّت مختلف فنون السيوف. كأنّ المئات من الملوك البارعة في فنون السيوف الطائرة كانت تهاجم شو ينغ في آنٍ واحد بفنون مختلفة. لو أنّ شخصاً يجهل فنون السيف تعرّض لهجوم كهذا لفقد أطرافه ورأسه في اللقاء الأوّل، ولأصبح جسده غربالاً مثقوباً. اتّخذ شو ينغ غصن صفصاف سيفاً، فشقّ طريقه عبر الهجمات متقدّماً لا متراجعاً. اندفع وسط عاصفة السيوف مواجهاً تشكيلتها وجهاً لوجه. رنين! ضرب السيف الأوّل وصدّه. تفجّرت هالة السيف في تلك اللّحظة من طرف الغصن فقطعت الجزء الواقع خلف مقبض السيف. خطا شو ينغ خطوة إلى الأمام متفادياً هجوماً من الخلف. رمى بسيف آخر بحركة عكسية سريعة. جرفت طاقة السيف الغصن معها، فأسقطت سيفاً آخر على الأرض. هاجمته أكثر من عشرين سيفاً ثميناً من جهات مختلفة، فأوقعته سريعاً في مأزق خطير. مهما بلغت براعة مبارزته فلن يملك ثلاثة رؤوس وستّ أذرع لصدّ كلّ تلك الهجمات دفعة واحدة. طار غصن الصفصاف فجأة من يده. رسم أقواسًا رشيقة في الهواء بسرعة السهم، فقطع الأغصان المتخبطة. فن السيف الطائر! دُهش تشو ينغ. أسقط شو ينغ في لحظات معدودات أكثر من ثلاثين سيفاً هاجمته. سقط المزيد منها مع كلّ خطوة خطاها شو ينغ. تقلّب في الهواء كسموط شبوط يعبر بوابة التنين، منزلقاً عبر السيوف. رقص غصن الصفصاف حوله، فقطع أيّ غصن سيف اقترب لمسافة تزيد قليلاً عن باع واحد من شو ينغ. فقدت السيوف السيطرة بلا دعم الأغصان وهوت مباشرة نحو الأرض. دوت أصوات قرعها بلا انقطاع. حطّ شو ينغ وقد تناثرت السيوف خلفه على الأرض مقطوعة النصل نظيفة عن أغصانها مباشرة وراء المقبض. ابتسم تشو ينغ بسخرية باردة. تجذّرت الأغصان الملتفة بمقابض السيوف الساقطة في الأرض ونمت بسرعة. راحت تلوّح بالسيوف برشاقة مذهلة وهاجمت شو ينغ من الخلف مجدّداً. صاح: "يا شو ينغ، لا علم لك بمدى قوّة سيفنا لقاتل الشياطين السماويّ!ناهيك عن ملك شياطين مثلك، فحتى ملوك الشياطين المكرّسة التي تقتات على العطورات والقرابين ستخرّ صريعة أمامه!" حطّ شو ينغ على بعد أتباع قليلة من تشو ينغ. أشار أمامه فتسارع غصن الصفصاف منطلقاً نحو خصمه بصوت صفير! زأر تشو ينغ: "جسد الفاجرا غير القابل للتدمير!" تضخم بشكل جنونيّ حتى تجاوز ارتفاعه اثني عشر تشي، وراح يشعّ بنور ذهبيّ. غلظت أطرافه وغطّت كفّيه طبقة رقيقة من الطاقة الذهبية حين تصدّى لغصن الصفصاف. ما إن لامس غصن الصفصاف كفّ تشو ينغ حتى تفجّرت منه هالة السيف. اخترقت هالة السيف بصوت حادّ الطبقة الذهبية التي غطّت كفّه. تفجّرت قوّة هائلة من نقطة التلامس. تموّج النور وراحت ترتطم الأمواج حيث التقى غصن الصفصاف بكفّه. في الوقت ذاته، تسلل شو ينغ عبر طبقات الحصار المحيطة بالسيوف الثمينة، وأمسك بالطرف الآخر من غصن الصفصاف وطعن به إلى الأمام. زأر تشو ينغ محركاً قدرته الغامضة. دوى صوت صدع حين حطّم غصن الصفصاف عظمة الإصبع الوسطى في كفّه وخرج من الظّهر. أفلت الغصن من قبضة شو ينغ مجدّداً وطار مستقيماً نحو ما بين حاجبي تشو ينغ. تراجع تشو ينغ على عجلة موجّهاً لكمة بيده الأخرى فحطّم غصن الصفصاف. أمسك شو ينغ بسيف ثمين ساقط ولوّح به بإصبعه. صفّر السيف في الهواء بينما تفجّرت منه هالة سيف عنيفة شقّت طريقها نحو تشو ينغ. أدرك تشو ينغ حينئذٍ فقط أنّ أكثر من عشرة سيوف ثمينة كانت تحوم خلف شو ينغ. رقصت حوله فصدّت جميع السيوف الثمينة المهاجمة له. لم تكن هذه السيوف الثمينة أداة سحرية. استطاع شو ينغ التحكّم بها تماماً كما فعل تشو ينغ. أمسك تشو ينغ بالسيف المندفع بيأس. سرى ألم حارق في كفّه إذ قُطعت أصابعه الخمسة جميعها وتطايرت. فعّل مخزن عبهره السريّ فأنبت أصابعه المقطوعة من جديد. سدّد شو ينغ في تلك اللّحظة لكمة باتّجاهه. تجسّدت خلفه الصورة الرمزية السماوية لملك الفيلة وتفجّرت بالقوة السماوية. أصابت اللّكمة رأس تشو ينغ وأطارت به إلى الخلف. "أيها الكلب الفاسد! أتظنّ أنّ هذا اليوم لن يأتي أبدا بعد استغلالك لأهالي مقاطعة لينلينغ؟" اندفع شو ينغ للأمام كفيل سماوي. انفجرت الأرض تحت قدميه مع كلّ خطوة. انطلقت خلفه السيوف الثمينة كخطوط من النور بقوة التنانين والفيلة. صرخ تشو ينغ المذعور الغاضب باستعجال: "ماذا تنتظرون؟ ساعدوني!" شرع يدافع بيديه بينما اقتربت السيوف الثمينة. وما إن صدّ ثلاثة سيوف حتى استدار شو ينغ وركل تشو ينغ في وجهه. ثد! ثد! ثد! اخترق تشو ينغ الغابة مترنحاً ومتدحرجاً على الأرض. انطلقت خيوط من نور السيف عبر الغابات بينما تفجّرت هالة السيف في كلّ اتّجاه لتُسقط الأشجار الباسقة واحدة تلو الأخرى. هبّ مسؤولو مكتب مقاطعة لينلينغ وصاحوا: "أيها المجرم! توقّف عن طغيانك!" وقبل أن تخبو أصواتهم، ومض نور أخضر. اخترق غصن صفصاف رأس مسؤول. شقّ خيوط النور الخضراء طريقها في الهواء بسرعة عمياء كأفعى روحية، متحولة إلى ضباب مخادع. أطلق المسؤولون الاثنا عشر الباقون فنون طرد الأرواح باسترخاص. لطمت الكروم الخضراء المحيطة الهواء لصدّ النور الأخضر. انطلق النور الأخضر مخترقاً الهواء ومحدثاً صوت صفير غريب. انفجرت الكروم الخضراء أينما مرّ. هوى رأس مسؤول بغتة. كان النور الأخضر قد اخترق صدغه الأيسر وخرج من الأيمن. جُنّت الكروم حوله فوراً فراحت تتخبط كأفاعٍ مسعورة. وما إن توقّف دماغه عن العمل حتى هوت الكروم برخاوة على الأرض. سمع مسؤول يرتدي رداء أزرق حركةً إلى يساره. التفت لينظر لكنّه شعر بغتة بألم في ظهره. اخترق غصن صفصاف قلبه وخرج من صدره. تفجّرت هالة السيف داخل غصن الصفصاف ممزقة قلب المسؤول ذا الرداء الأزرق. انهار على الأرض مقيئاً الدماء. ومض خط النور الأخضر في الغابة كبشير شؤم. خبا صوت الصفير الحادّ تدريجياً مع تباطئه ثم عاد ليحوم خلف شو ينغ. تشابكت كروم عملاقة خلفه عبر الغابة، نمت بجنون وتخبطت. وما هي إلّا لحظات حتى فقدت قواها وهوت إلى الأرض. ترقد جثث ثلاثة عشر مسؤولاً تحت الكروم. كان تشو ينغ المغطى بالدماء ماثلاً أمام شو ينغ. لطمه شو ينغ بقبضته فقذفه نحو الجرف المقابل. نُحت على الجرف حرفان: وو وانغ. لم يعلم أحد من تركهما هناك. لم يحملا أيّ زور. فوش، فوش، فوش، فوش! انطلقت أربعة سيوف ثمينة واخترقت أطراف تشو ينغ مسمّرة إياه على الجرف. زأر بغضب وصارع بكلّ قواه ليتفكّك. "أيها الحاكم تشو، لقد مضى وقت حسدت فيه حقاً المسؤولين الحكوميين أمثالك." هدأ نزق هالة شو ينغ تدريجياً. نظر إلى تشو ينغ المثبت على الجرف وقال بهدوء: "ترتدي الحرير الفاخر وتركب الخيول الأصيلة. تحتلّ مناصب رفيعة وتدعو نفسك أباً للشعب. أينما حللت خرّ الناس سجداً ومجّلين، خائفين منك كالملوك. وبكلمة واحدة أو وثيقة رسمية، يمكنك أن تجعل الشعب يتنازل عن أمواله ونسائه وأولاده! تعيش عيشةً أفضل من الملوك أنفسهم." توقف تشو ينغ عن المقاومة وانفجر ضاحكاً. "أيها شو ينغ، أترغب بأن تصبح مسؤولاً؟ لمَ لم تقل ذلك مبكراً؟ أنا سليل عشيرة تشو. يمكنني ترتيب منصب رسميّ لك بيسر." تراقصت عيناه. التفتت شجرة الزهرة الفينيقية بصمت والتقطت بأغصانها السيوف الساقطة. غير أنّ خيطاً من نور السيف قطع الشجرة الشيطانية من جذورها. كَلَح وجه تشو ينغ. لم يجؤر على الإتيان بأيّ حركة أخرى. مستذكراً أيّامه في قرية جيانغجياتيان، قال شو ينغ: "تجلس الملوك فوق مقادسها خلف موائد القرابين متلقية عبادة الشعب وتقدماته. لا تأتينّ للطعام سوى مرتين في الشهر، في الأول والخامس عشر. وفي المقابل، تستجبن للصلوات وتدبرن أمر الطقس. بيد أنّكم أيّها المسؤولون تتقاضون رواتباً من البلاط الإمبراطوروي وتعيشون في رفاهية تفوق بكثير رفاهية الملوك. أينما حللتم لا ترون سوى ناس راكعين أمامكم! حين كنت صبيّاً، مررتم أنتم المسؤولين مطّردين على جانبي الطريق بينما كنت واقفاً أغرق في الوحل. خيولكم وحدها هي التي رشّت الأوساخ عليّ. ورغم ذلك حسدتكم. حلمت بأن أصير واحداً منكم." مفعّلاً تقنية طرد الأرواح في السرّ، ابتسم تشو ينغ. "لم يفت الأوان بعد. لا توجد عداوة حقيقية بين عشيرتي وبينك. أنت فذّ الموهبة فحسب، لذا أردنا إجبارك على الانضمام إلينا. وبما أنّه مجرد سوء فهم، فلا داعي لأن نتناهش. بوسع عشيرتي ترتيب منصب رسميّ لك." تابع شو ينغ كأنّه لم يسمع حرفاً: "خلال أيّامي كصائد أفاعٍ بجانب أبي الروحي وجدي، لم أنعم بليلة نوم هانئة واحدة. كنت أستيقظ مفزوعاً دائماً على أصواتكم أيها السادة المسؤولين وأنتم تعتقلون الناس، وعلى صرخات الزوجات، ونحيب الأطفال، والعجائز اللواتي يقفزن فوق الجدران هرباً. خلال النهار، كنت أرتقبكم أيّها المسؤولون وأنتم تمتطون خيولكم نحو القرية بكلّ عجرفة بينما تنهبون كاللصوص. ظننت حينئذٍ أنّ بلوغ مكانة مرموقة كمكانتكم لأمرٌ رائع." ابتسم تشو ينغ مجدّداً. "تستطيع فعل ذلك. فما دمت تعلن ولاءك، فلن تبخسك عشيرتي حقّك." "لكن في اليوم التالي، رأيت نساءً يقفزن في البئر، ورجالاً مشنوقين أمام منازلهم. عندها ظننت أنّ صيرورة المرء مسؤولاً قد لا تكون بالأمر الجيد." تنّهد تشو ينغ. "أنا أيضاً غالباً ما أتوجع لمشقة الناس. فالمسؤولون الفاسدون يديرون البلاط، والنتن متوغل في كلّ الطبقات. وما دمت ترغب في إصلاح العالم، فهذا أدعى لأن تصبح مسؤولاً يا شو ينغ. وحالما تظفر بالسلطة الحقيقية، ستتمكن من كنس القديم وإرساء الجديد وخدمة الشعب. ألن تحقق طموحاتك عندئذ؟" قال شو ينغ متهالكاً: "لاحقاً، سمّمت أحيّة جدي أثناء عمله. فقطع حياته. تحمّل أبي مسؤولية رعايتي. لم يكن أبي البيولوجي، لكنّه أحسن رعايتي خير رعاية. عمل بكدّ لسنوات، وجمع بعض المال، واشترَى قطعتي أرض. وأوصاني ألا أصبح صائد أفاعٍ لأنني سألقى حتفي بهذه الطريقة عاجلاً أم آجلاً. وطلب مني أن أغدو مزارعاً عوضاً عن ذلك. غير أنّ المسؤولين قدموا في اليوم التالي لشراء الأرض لجباية ضريبة الحبوب الخضراء." اختلج فمه. وبعد هنيهة صمت، تابع: "عجز عن دفع الضريبة، فصودرت أرضه وبِيعت للزعيم جيانغ." قطّب تشو ينغ جبينه قليلاً. "دفع الضرائب قانون إمبراطوريّ. لا علاقة له بمسؤولي مقاطعة لينلينغ." "بكى أبي الروحي طويلاً جداً. وقال إنّ المال المُستخدم لشراء الأرض جُمع بثمن حياة جدي. وقال إنّه كان جديراً به ادّخاره لزواجي المستقبليّ عوضاً عن ذلك. وقال إنّه خذلني أنا وجدي، وإنّه سيعمل على استرداده. ولأجل ذلك، توغل في الجبال لصيد أفاعٍ غريبة. لم يَعُد لأيام. وجدته لاحقاً. لقد قضى مسموماً. حتى الشياطين تجنّبت أكل جثّته. حملته إلى البيت بنفسي ودفنته بجانب جدي." "مثل هذا الماضي المأساوي لهو أدعى بك لأن تنضمّ لعشيرتي وتغدو مسؤولاً. وحينئذٍ، يمكنك منع الآخرين من مقاساة المصير ذاته." "أخطأت يا سيّد تشو. لم أقصص عليك كلّ هذا لأحظى بتعاطفك أو لأستجدي منصباً رسمياً." رفع شو ينغ رأسه والتقى بنظرات تشو ينغ. قال برفق: "أخبرني قرويّ يوماً أنّ من يموتون دون إدراك السبب يتحولون إلى أشباح شريرة. وأخبرني صديقي العزيز يوانقي إنّ شرح الأمور لجثة أمر عقيم." طار غصن صفصاف ببطء من خلفه. "لذا، قبل أن أرديك قتيلاً، عزمت على شرح كلّ شيء بوضوح." استدار شو ينغ. انطلق غصن الصفصاف واخترق ما بين حاجبَي تشو ينغ. من لا باطل عنده يملك إخلاصاً مطلقاً. وخلوّ المرء من التكلف يعني أنّه صدق قلبه. فعل شو ينغ ما يمليه عليه قلبه لا غير. قال إنّه يريد لتشو ينغ أن يموت بسلام، وعنى ما قال. مع ذلك، اتسعت عيناه تشو ينغ بينما أطلق زئيراً غاضباً هزّ السماوات والأرض. لم ينعم بالسلام حتى في مماته. التفت شو ينغ إليه وهزّ رأسه. "على الأرجح أن القرويين كذبوا عليّ. شرحت أمري بكلّ هذا الوضوح، ومع ذلك مات وما زالت عيناه مفتوحتين. من الأفضل مستقبلاً شرح الأمور بعد قتل الناس. هذا أضمن وأسلم." طار الجرس العظيم من مؤخرة رأس شو ينغ. "أيها اليا ينغ، أتدري لمَ تحسنت بهذه السرعة البالغة حتى أمكنك قتل هذا العدد من مطردي الشياطين في طرفة عين؟" بدا الحير على شو ينغ. قال الجرس العظيم بجدية: "لأنك ممارس تش. أنت في الذروة المطلقة لمرحلة تجميع التشفعلّ. لقد عاينت بوابة الغيب في داخلك وأنت على وشك الاختراق وفتح الطريق نحو النهر السماويّ. لن تُعدّ ممارساً حقاً للتش إلا حين تبلغ تلك المرحلة وتتقن القدرات السماوية. وحالما تخطو تلك الخطوة، ستختلف اختلافاً تامّاً عن عامة الناس."
يوم الصعود الفصل 23
اقرأ يوم الصعود الفصل 23 باللغة العربية على مانجا تايم.