داو الخالد العجيب
ترجمة الخالد المجنون
الفصل 102 – الفوائد.
جعلته الفكرة التي قفزت إلى رأسه لتوها يرتجف خوفاً.
وبعد فترة، أخذ يلمس كل بقعة من جسده بحذر، ولم يتنفس الصعداء إلا بعدما تأكد من عدم وجود أي قطع يشم إضافية على جسده.
تمتم لي هووانغ لنفسه: «كنت محقاً… لقد كان مجرد حلم. كل ذلك لم يكن سوى أوهام أحلام.»
سألته باي لينغ مياو وهي تشعل مصباح الزيت في الغرفة بنعاس: «ما الأمر؟»
رد لي هووانغ: «لا شيء، لم يحدث شيء. عودي إلى النوم.»
وعندما رأت أنه لا يرغب في الإجابة، أغلقت باي لينغ مياو عينيها. وفي الوقت نفسه، انسدل شعرها الأبيض بنعومة على كتفه، بينما أخذت كفها الصغيرة تمسح على صدره برفق لتهدئة روعه.
في هذه الأثناء، أمسك بيدها الموضوعة على صدره وحدق في سقف الغرفة قائلاً: «مياومياو…»
أجابته باي لينغ مياو بصوت خافت وهي بين النوم واليقظة: «همم؟»
سألها لي هووانغ: «هل ترغبين في معرفة ماضيّ؟ ولماذا تراودني هذه الهلاوس؟»
عند سماع ذلك، طار النوم من عيني باي لينغ مياو فوراً. اتسعت عيناها بدهشة وهي تحدق في الرجل المستلقي بجانبها؛ فمنذ عرفته، كانت هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها معها عن ماضيه.
ولأنها قضت معه وقتاً أطول من البقية، كانت تعلم يقيناً أنه يختلف عن الآخرين.
لم يكن الاختلاف في الثقافة أو الموطن أو أي شيء من هذا القبيل، بل كان اختلافاً يجعله غير قادر على الانسجام معهم ومع هذا المجتمع ككل… كان ثمة شيء فيه ينتمي إلى عالم آخر. ولم تكن هي الوحيدة التي تشعر بذلك، بل كان البقية يفكرون في الأمر نفسه، غير أن لا أحداً منهم يجرؤ على النطق به.
قال لي هووانغ: «في الحقيقة، أنا لست من هنا.»
ردت باي لينغ مياو: «أجل، أعلم أنك لست من مملكة سي تشي.»
هز لي هووانغ رأسه وقال: «أقصد أنني لست شخصاً من هذا العالم بأسره… أنا آتٍ من عالم آخر.»
وتحت الضوء الخافت لمصباح الزيت، أخذ لي هووانغ يحدث باي لينغ مياو ببطء عن ماضيه وعن مأزقه الحالي. وكلما افصح أكثر، شعر براحة أكبر، وكأن أحداً بات يشاركه حمل ثقل الجبال الجاثمة على قلبه.
ولم يتوقف عن الحديث إلا عندما بدأت أشعة الشمس تضيء الغرفة، ليخيم على المكان صمت تام.
سألها لي هووانغ: «هل هناك شيء ترغبين في سؤاله؟»
أجابت باي لينغ مياو: «نعم.»
سحبت يديها من حوله وأمسكت بيده، تلك اليد التي فقدت ثلاثة من أظافرها. أخذت أطراف أصابعها ترتجف وهي تلمس الندبات الجافة: «ما قصة اللوح الخيزراني الأحمر؟»
حاول لي هووانغ تغيير الموضوع وقطع الحديث وسحب يده من بين يديها قائلاً: «دعيني أخبركِ بشيء ممتع… أظافر الإنسان يمكن أن تنمو من جديد حتى بعد قلعها.»
لكنها تمسكت بيده بقوة أكبر. وفي الوقت نفسه، رأى عينَي باي لينغ مياو تزدادان أحمراراً وهي تحدق فيه بصرامة.
قالت باي لينغ مياو بحزم: «لا يهمني من أين أتيت، ولا يهمني ما يحدث داخل هلاوسك. كل ما أريد معرفته هو ما إذا كانت الإصابة التي في بطنك لها علاقة بذاك اللوح الخيزراني؟»
لم يجيبها لي هووانغ، بل ضمها إلى صدره ووضع رأسها بالقرب من قلبه برفق وأخذ يربت عليها ببطء.
وبعد برهة، توقفت باي لينغ مياو عن المقاومة وتوسلت إليه بصوت خافت: «الأخ الأكبر لي، ذلك الشيء شديد الخطورة… أرجوك، أرجوك تخلص منه وارمهِ بعيداً. إذا استمررت على هذا المنوال فسوف يقتلك في النهاية… وإذا انتهى بك المطاف ميتاً، فماذا سيحدث لي؟»
وعند رؤيتها هكذا، تنهد لي هووانغ. ورغم أنها كانت تبدو رقيقة وضئيلة، إلا أنها في الحقيقة كانت فتاة صلبة للغاية؛ ناعمة من الخارج، وقوية من الداخل.
قال لي هووانغ: «دعيني أفكر في الأمر.»
كان لي هووانغ يعلم أن سجلات الغموض تُعد سلاحاً ذو حدين، سلاحاً يمكنه أن يمزقه بسهولة إذا لم يحذر عند استخدامه.
لكنه في الوقت نفسه كان أداة القوة الوحيدة لديه. لم يكن أمامه خيار سوى الاعتماد عليه للنجاة في هذا العالم العجيب والمظلم. فلو ألقاه جانباً وصادف كياناً آخر مثل كيان القمر الثامن عشر، فماذا سيفعل حينها؟ بعد كل شيء، لا يمكنه الاعتماد على دان يانغزي طوال الوقت.
كان يرغب في الانضمام إلى طائفة مزارعين ليزداد قوة أيضاً، لكن تحقيق ذلك كان أمراً بالغ الصعوبة.
فلم يكن عليه القلق بشأن ما إذا كانوا سيقبلون انضمامه فحسب، بل كان عليه أيضاً الحذر من الآخرين الذين يعرفون أنه ضال. وحتى لو قبلوه، فلن تجرؤ نفسه على التدريب والتأمل باستخدام أي طريقة يملونها عليه.
معبد العاصفة، معبد الصلاح، ودير الرحمة…
منذ أن احتك بهذه الطوائف، ألقى بفكرة الانضمام إلى معظم الطوائف جانباً. فقد كانت كل طائفة منها أشد خباثة وشروراً من سابقتها.
ولذا، ودون وجود سلاح بديل، لن يتخلص أبداً من سجلات الغموض. فقد كانت وسيلته الهجومية الأقوى، على الرغم من الثمن الباهظ الذي يدفعه في كل مرة يستخدمها فيها.
وفي منتصف حديثهما، دوت حركة عند الباب؛ كان رفاقهم يستعدون لإعداد طعام الإفطار.
استوى لي هووانغ جالساً. وبينما كانت باي لينغ مياو على وشك مساعدته في ارتداء ملابسه، شعر بشيء مفاجئ وقال: «انتظري.»
ضغط بحذر على جرح بطنه، ولدهشته أدرك أنه لم يعد يؤلمه كما كان من قبل. فتح الضمادات ليجد أن جرحه قد التأم تقريباً بالكامل.
تعجب لي هووانغ وقال بذهول: «كيف تعافيت بهذه السرعة؟»
كان يتوقع أن يستغرق جسده نصف شهر على الأقل ليتعافى تماماً، لكن ثمة تغيير عجيب قد حدث داخل جسده.
فكر في الأمر طويلاً وبجهد مكثف، قبل أن تعود ذاكرته إلى اللحظة الأخيرة عندما ألقى الكيان "با هوي" نظرة خاطفة عليه في أوج ألمه.
تمتم لي هووانغ لنفسه: «أظن أن هذا شيء جيد… أليس كذلك؟»
شعر لي هووانغ بمزيجٍ من الفرح والقلق. فهو يعرف القليل جداً عن ذلك الكيان الذي استدعاه عندما وصل إلى ذروة ألمه النفسي والجسدي.
ولم يكن يعلم ما يعنيه هذا التغير.
هل يريد مني هذا الكيان أن أقطع أجزاءً من جسدي وأعذب نفسي أكثر؟
كان هذا هو التفسير الوحيد الذي استطاع الوصول إليه بعد تفكير طويل.
لكن بالمقارنة مع التعامل مع دان يانغزي، كان هذا يُعتبر حدثاً بسيطاً.
قال لي هووانغ لـ باي لينغ مياو: «بناءً على سرعة شفائي، سأكون قد تعافيت تماماً بحلول الغد. سنستريح اليوم وننطلق في طريقنا غداً.»
أرادت باي لينغ مياو أن تقول شيئاً، لكنها توقفت في النهاية وأومأت برأسها موافقة.
وعندما علم البقية بأنهم سيرحلون قريباً، بدأوا في حزم أمتعتهم ونقلها إلى العربة. وفي الوقت نفسه، أخذوا كل شيء وجدوه في الفناء تقريباً، بما في ذلك دجاجتان تضعان البيض.
وعندما حل وقت العشاء، نزع لي هووانغ ضماداته ليجد أن جرحه قد التأم بالكامل تقريباً.
ليس سيئاً… على الأقل هناك نوع من المكافأة بعد المرور بكل هذا العذاب.
كان لي هووانغ مسروراً بهذه القدرة الجديدة؛ فعلى الأقل لن يموت بسهولة بعد الآن.
وفي قاعة الطعام، جلس لي هووانغ وأكل بعض الأرز. كانت الطاولة مليئة بالخضروات التي جنيت من الحقول.
ورغم أن الوجبة كانت تتكون أساساً من الخضروات، إلا أنهم استخدموا دهن الخنزير لطهيها، لذا كان طعمها مقبولاً إلى حد ما.
التقط لي هووانغ قطعة جزرة وقضمها، ثم عقد حاجبيه بحيرة وقال: «من الذي طبخ اليوم؟ لماذا الطعام شديد الملوحة هكذا؟»
ورغم أنه لم يكن يتوقع الكثير من هذا الطعام، إلا أنه لم يكن ماشية تستسيغ الأكل بنفس الطعم الملحي المفرط كل يوم.
عند سماع سؤاله، وقف أحد المساعدين بوجه شاحب وقال: «الأخ الأكبر لي، أنا من طبخه.»
في هذه الأثناء، أخذت باي لينغ مياو قطعة الجزرة التي قضمها لي هووانغ وتذوقتها، ثم قالت: «الأخ الأكبر لي، إنه ليس مالحاً حقاً… طعمه متوازن ومبهر بشكل جيد.»
تساءل لي هووانغ: «حقاً؟»
التقط قطعة جزر أخرى وقضمها، ولكنه ما زال يشعر بأنها شديدة الملوحة بشكل لا يطاق.
قال لي هووانغ: «لا بأس إذن… واصلوا تناول طعامكم، يمكنني فقط أن آكلها مع المزيد من الأرز.»
نهاية الفصل.