بلا انتقال ولا استيقاظ تدريجي. في ثانية، كان جيمس يموت على أرضية متجر عتيق مغبر، وفي الثانية التالية، صار في مكان آخر تماماً. كان يطفو في العدم المطلق. ليس ظلاماً، فالظلام يوحي بغياب النور، وبدا أن هذا المكان يوجد خارج هذه المفاهيم الفيزيائية. لم يكن أسود ولا أبيض ولا أي لون. لم يكن فحسب. وفي هذه اللحظة لم يكن هو الآخر. عندما حاول النظر إلى نفسه أسفل، أدرك أنه لم يعد يملك جسداً ليفحصه، ولا حتى رأساً أو عينيْن ينظر بهما.
لم يكن سوى خيط من وعي متلاشٍ وإدراك بلا أي شكل أو جوهر. مجرد شظية إدراك معلقة في فراغ شاسع لا ينتهي. كان المفترض أن يسيطر عليه الذعر فوراً. كان المفترض أن يصرخ، ويتخبط، ويستميت ليهرب. مرعوباً. لكنه عوضاً عن ذلك، شعر بالانفصال التام، كأنه يشاهد الأحداث تتكشف ل شخص آخر. كان من الصعب وصف الإحساس لعقل اعتاد دائماً التجسد، لكن جيمس أدرك تدريجياً أن أجزاء منه تتفكك. مثل أحجية صور مقطوعة سقطت، وتناثرت كل قطعها.
حاول جمع نفسه لكنه لم يكن يدري كيف. كيف تقبض على أجزاء روحك وأنت بلا يدين؟ كيف تستدعي أفكاراً وذكريات ومشاعر متناثرة وأنت بلا صوت؟ لم يشعر بشيء، لا قلق ولا خوف. أهذا هو السلام؟ الأمر ليس سيئاً لهذه الدرجة. مر الوقت. أو ربما لم يمر. في مكان بلا نور يميز النهار عن الليل، وبلا نبض قلب يحصى الثواني، أصبح الوقت بلا معنى. ربما مكث جيمس هناك دقائق أو ألفية. لم تكن لديه وسيلة ولا رغبة في معرفة ذلك.
ما عرفه حقاً هو أنه كان يتفكك. تباعدت أجزاء نفسه أكثر، وحمل كل جزء منها قسماً اساسياً من هويته. عائمة مرت ذكرى عيد ميلاده السابع، كاملة وسليمة لكنها لم تعد تخصه. صوت ضحكة أبيه، ومذاق رقائق الشوكولاتة من صنع أمه، وشعر العشب المقصوص حديثاً بين أصابع قدميه، كل ذلك تحرر وانحل في العدم اللانهائي. كان المفترض أن يصيبه الرعب. وأن يحارب ضده، ويصارع بقوة أكبر ليحافظ على نفسه.
لكن التشتت جلب معه نوعاً غريباً من السلام. لم يكن يفقد الجانب الجيد فحسب، بل كانت الجانب السيئة تذبل أيضاً. موت أبيه، وتركه للجامعة، والسنوات البائسة الأخيرة. لقد مرت سنوات منذ أن حظي بذكرى طيبة واحدة. طوال العقد الأخير، كان موجوداً فحسب. كانت الحواف الحادة لهويته تتماسح، تاركة شيئاً أكثر نعومة وانتشاراً. لم يكن الأمر سيئاً. لعل هذا ما يفترض أن يبدو عليه الموت. ولعل المرآة لم تقتله قدر ما أحررته من عبء كون جيمس كارد، المتسرب من الجامعة، وسام توصيل البيتزا، ومصدر خيبة لأبويه ولنفسه.
لعل هذا العدم كان مفضلاً على الحياة التي كان يتحملها طوال العقد الماضي. كاد يختفي تماماً. لم يتبق سوى بضع شظيات متناثرة تطفو في الفراغ الشاسع. عندئذ شعر بشيء يلمسه. كان الإحساس صدمة شديدة لدرجة التخدير اللانهائي لدرجة تطلبت منه لحظات ليعيها. شيئاً صغيراً ودافئاً تعلق باكبر قطعة متبقية من ذاته، والتف حوله مثل... عناق. كانت هذه الطريقة الوحيدة التي استطاع وصفه بها، مع أنه بلا ذراعين.
كانت خرزة مضيئة، بحجم رأس إبرة تقريباً، لكن نورها كان يخفت بثبات ومع ذلك كانت حية يقيناً. استطاع الشعور بها تنبض بإيقاعها الخاص، المختلف عن نبض القلب ومع ذلك المألوف بشكل ما. بينما كان يراقب، بدأت خيوط رقيقة وشفافة تشبه خيوط العنكبوت تمتد من الخرزة. كانت مصنوعة من نور وتتحرك بهدف واضح. واحداً تلو الآخر، مدت نحو أجزائه المتناثرة، متبعة دروباً لم يستطع رؤيتها أو فهمها.
وجد الخيط الأول أقرب شظية، ضحكة أبيه. مذاق طبقه المفضل. سحبها برفق. استقرت الذكرى في مكانها بصوت نقرة مسموع تقريباً، وفجأة استطاع جيمس تذكر لا النضج فحسب بل اليوم الذي جربه فيه لأول مرة، رغم عدم امتلاكه لتلك الذكرى الواعية أبداً. تلتها خيوط أخرى، استعاد كل منها قطعة أخرى منه. وجدت بعضها مشاعر، رضا عصريات الأحد الكسولة، واللسعة الحادة لأول خذلان عاطفي. وجمعت أخرى ذكريات حسية، وأفكاراً مجردة، وأحلاماً غير منتهية التكوين.
جُمع كل ذلك ببطء وحذر معاً. لكن الخرزة لم تكن تستعيد ما ضاع فحسب. بينما سحبت الخيوط جوهره المتناثر، أدرك جيمس أن الخيوط كانت تملأ أيضاً الفراغات حيث ذابت أجزاء منه إلى ما بعد حد الاسترجاع، بشيء آخر. لم تكن الخرزة تستبدل ذكرياته أو مشاعره، بل كانت تملأ الفراغات بنوع من الطاقة الروحية لتبقي كل شيء متماسكاً. استطاع الشعور بنفسه يتحول إلى شيء ما مجدداً. كان تأثير الخرزة خفياً لكنه لا يخطئ، وهو ينسج نفسه خلال وعيه المستعاد.
مع عودة المزيد منه، وجد جيمس أنه يستطيع التفكير والملاحظة بوضوح أكبر. واصلت الخرزة عملها بصبر لا نهائي، مرسلة ببطء خيوطاً جديدة لالتقاط آخر شظايا روحه المتفرقة. وبينما كانت تعمل، بدأ يستشعر شيئاً كدفء يشع من ارتباطهما. لكنه لم يكن دفئاً جسدياً، فلم يعد يملك جسداً يختبر به أموراً كهذه. بل كان شيئاً أعمق وأساسياً بكثير. بحلول الوقت الذي أنهت فيه الخرزة عملها، شعر جيمس بطريقة ما أنه أكثر واقعية، وأكثر حياة من أي وقت مضى.
كان يطفو هناك في الفراغ السرمدي، ملفوفاً في ذلك الدفء اللطيف، ومتصلاً بالخرزة الغامضة التي أنقذته من التلاشي بينما ازدحمت الأسئلة عقده المستعاد. ما هذا المكان؟ ما هذه الخرزة؟ لمَ ساعدته؟ لكنه اكتفى في الوقت الحالي بأن يوجد فحسب. للمرة الأولى منذ تحطم المرآة، شعر جيمس كارد باكتماله. ولم يعد وحيداً.