تعالت أصوات الصراخ والبكاء في البعيد بينما حاول يانغ الاستدارة والعودة إلى النوم متجاهلاً هذه الضجة المزعجة التي بدت دائرة من حوله. ماذا كان يفعل لي سان؟ مع بروز الفكرة قفز عقله إلى اليقظة مدركاً أنه ولي سان قد افترقا لأكثر من عام حيث كان لي سان في طائفة السيف الأزرق وكان يانغ نفسه في طائفة السحابة البيضاء. من بحق الجحيم كان يحدث كل هذا الصخب إذن؟ جلس يانغ معسولاً بالسعال بينما شعرو بألم عميق يجتاح جسده كله.
شعر بأحدهم يربت على ظهره بقوة بينما أخرج ما بداخل فمه وأنفه من ماء. تذكر الأخ الأكبر تشينغ آن وهو يفعل به ذلك في غرفة اليرقة البشرية عندما أفرغ جوفه. تساءل أيّ من إخوته الكبار كان يعتني به هذه المرة. تبّاً. كان هذا الغثيان فظيعاً. لا بد أنه أذاى رأسه سوءاً ليصاب بارتجاج حتى وهو ممارس. ما إن استرخى بما يكفي ليستطيع التنفّس بيسر حتى التفت حوله مدركاً أنه مدعوم على أرض طينية مبللة من قِبل فتاة يافعة طويلة عوضاً عن أحد إخوته الكبار.
بدت مرتديةً سترة قطنية خضراء فاتحة مع زوج من السراويل البيج الفضفاضة المصنوعة يدوياً بخشونة وقد جمعت شعرها إلى الخلف في ذيل حصان بسيط لكن ما خطف انتباه عقله الكسول حالياً كان عينيها. كانتا بلون أزرق كهربائي غير طبيعي ورغم أنهما بدا وكأنهما تفقدان تلك النسبة الساطعة ممّا جعل يانغ يتساءل عمّا إذا كان يهلوس. أين كان إخوته الكبار؟ الأشباح التي كانت تهاجمهم؟ التفت نحو الضجيج الذي بدا محيطاً به مدركاً أن مجموعة من الأطفال وبعض اليافعين وقفوا في دائرة فضفاضة تحيط به.
وحين تحرك بصره إلى أعلى أدرك أنه في العراء تحت سماء صافية وبدا بجانب نهر على ما ظن بينما تحرك بصره جانبياً. كانت السماء تلمع ساطعاً فوق رأسه لدرجة اضطرته لتضييق عينيه كي ينظر إلى أعلى. استطاع إحساس حرارة أشعة الشمس على وجهه فضلاً عن الهواء البارد. أين كان؟ لم يعد في الغرفة تحت الأرضية. أنَّ بألم. بدا رأسه وكأنّه على وشك الانشطار نصفين. كان هناك ألم حارق في صدره وشعر بوهج لّاهب في حلقه.
انصرف عن تفحص محيطه وحالته حين شعر بالفتاة تهز كتفه.
"ناهار. أأنت بخير؟ أأصبت بأذى؟"
حاول يانغ القول إنه بخير لكنه لم يستطع سوى التلفظ بمجموعة من الكلمات المبهمة المتمتمة. هز رأسه وحاول استخدام يديه للجلوس باستقامة لكن بدا هناك فارق زمني بين نواياه وحركة جسده. اتسعت عيناه حين تذكر تجربة سابقة وأدرك ما كان خطأً. لم يعد في عالمه الخاص. أو بالأحرى كانت روحه هي التي لم تعد في موطنها. تفحص داخله فوراً ليرى بحر وعيه ورأى أنه لم تَبقَ أية طاقة مظلمة طليقة عائمة.
كان بحر وعيه ممتلئاً بأكثر من مئة شرنقة معلقة على شبكات ذهبية شبيهة بنوع من الثمار البريئة التي تنبت من كرمة. ومضى أبعد ليجد أن روحه كانت الآن حرة مجدداً وبدت تؤدي تفسيرها الفني المعتاد لمزاجه وأفكاره. بدا أن هذا على الأقل يخفف شيئاً من ذعره. وأخيراً رمق برعم العالم الثاني نظرة ليدرك أن سطحه بدا وقد صار عاكساً يكاد يشبه مرآة. عاد عقله إلى المراحل الأولى للبرعم حين دخل عالم صانع البطاقات أولاً.
عوضاً عن برعم كانت هناك خيوط فضية عاكسة ممزوجة بين الشبكات التي جذبت انتباهه مبدئياً. والآن امتلك هذا البرعم لمعاناً مشابهاً وبدا وكأنه قد دَبّت فيه الحياة أكثر من ذي قبل. رأى يانغ ينبض ولاحظ أن الشبكة المتصلة به كانت تنبض بينما رأى الطاقة تمتد منه أبعد على طول الشبكة وعلى الأرجح نحو الخرزة. أطلق تنهيدة بينما استرخى عقله وانحسر الذعر تماماً. كان بأمان الآن. بدت الخرزة وكأنها دفعته إلى عالم آخر.
أراد يانغ الغضب لكنه عرف أنه كان في خطر ومصاباً. والأهم أسوأ من ذلك أن الخرزة نفسها كانت واهنة بشدة. احتاج كلاهما وقتاً بعيداً عن واقعهما لاستعادة قواه. وكان تعافي الخرزة أمراً جوهرياً إن أراد النجاة في حياته الحقيقية. همّ بالنظر نحو البرعم قاصداً معرفة ما إذا كان — فقد تركيزه وانتُزع بقوة من بحر وعيه نتيجة تعرضه لهز عنيف. بدا وكأنه كان يتجاهل الفتاة التي كانت تحاول جاهدة سحب يانغ بينما تهزه طوال الوقت ليدفعها للاستجابة.
أراد بشدة أن يسأل عمّا إذا كانت تظن حقاً أن هزّه كآلة إيقاع سيعيده إلى رشده؟ قاوم اليد وحاول طمأنتها بأنه بخير لكنه لم يستطع سوى إصدار أصوات غير متماسكة. ومدركاً أنه لم يكن يزيد الأمر إلا سوءاً أراد اصطدام رأسه بالحائط ولعن القدر والخرزة وحياته قبل أن يعدل عن ذلك. من الأفضل ألا يفعل. كان يلتقي بالفعل بالكثير من الجدران وجهاً لوجه مؤخراً. الممارسون أقوياء جسدياً لكن إن استمرت الأمور على هذا النحو فسيفقد حرفياً بعض المسامير وربما حتى أسنانه.
ولم يساعده الأمر في كون فكرة كل إخوته الكبار في حمايته تتضمن رميه ككرة تنس متى ما خافوا على سلامته. وبهذا المعدل لن يكون العدو هو من يطيح به بل أحدهم. رمق الفتاة بنظرة حادة وأرخى جسده مغمضاً عينيه متظاهراً بفقدان الوعي. وفوراً سمع نحيب الأطفال حوله وقاوم رغبة في الضغط بيديه على أذنيه. كانت الأيام القليلة الماضية أقل عذاباً من كل هذا الصراخ. شعر بالفتاة تلتقطه على طريقة العرائس ممّا جعل عينيه تنفتحان فجأة.
حاول المقاومة لكن جسده رفض التعاون ممّا جعله يست