الفصل 84 الحجاب الأبدي (6)
كان لونغ تاو يقتفي أثر الطفلين بكسل ويشعر ببعض... الملل. لقد تعامل بالفعل مع كل من هم في منتصف مرتبة تأسيس الأساس فما فوق، وفعل ذلك مخفياً أمره عن عيني الشيخ تشين الفضوليتين. لم يكن الأمر سهلاً، ولو كان في مرتبة تكثيف تشي لما استطاع فعلها. لكنه امتلك أدوات كثيرة يخفي بها أفعاله بفضل قصر السيف.
"المعلّم طيب للغاية!"
لم تتوقف الفتاة الصغرى عن التذمر منذ أن غادروا.
"لمَ دافع عنها بعد أن أهانته؟! هاه! كأن تلك العاهرة تعرف عنه شيئاً!"
"نعم. فقط لأنها خائفة، تلومنا لأننا لست خائفين؟"
تردد شي تشاو قليلاً في مبادلتها الحديث في البداية لكنه استسلم تدريجياً.
"كان عليك أن تريها كيف تجمدت حين تعرضت للهجوم! لو لم أكن هناك لماتت!"
"وبدل أن تشكرك، تذهب لتتتهم أعظم رجل حي بالعجز! أتمنى أن تظل في الطائفة حين أبلغ مرتبة تأسيس الأساس لألقنها درساً!"
"لقد كنت هادئاً يا أخي الأكبر تاو."
استدار شي تشاو وواجهه.
"ألا توافقنا الرأي؟"
"... لا، لا، أوافقكم تماماً."
هز كتفيه متهرباً.
"لو كنت مكاني لكنت قطعت رأسها بنفسي وقذفته نحو البلدة."
"بالضبط!"
زمجرة داي شيو بينما انكمش شي تشاو.
"هذا درس يا أخي الأصغر تشاو! طيبة معلّمنا... سيحاول الآخرون استغلالها، لكن يجب أن نكون هناك لحمايته!"
فكر لونغ تاو أنها كانت... سليطة اللسان جداً لطفلة في الثانية عشرة. لكنها لم تكن هكذا عادةً—إلا حين يتعلق الأمر بمعلّمهم الغريب.
أدرك لونغ تاو بوضوح لمَ اختار معلّمه «إنقاذ»
الشابة. كانت سمعة الرجل في الحضيض أصلاً، ولو شاع أن تلميذة أُعدمت بسبب ما قاله—وهو كلام يعدّه معظم أهل الطائفة حقائق—فلن تتبقى أي فرصة لاستعادة تلك السلعة. وعلاوة على ذلك، وبعد قضائه أشهر مع الرجل، فهم لونغ تاو أن معلّمه لم يكن... يكترث البتة للهمس. وحتى بعد اتهام المرأة المباشر، بدا الأقل اضطراباً بين الجميع. لقد اتسم التعامل مع الرجل دائماً بازدواجية عجيبة؛ فمن جهة، بدا مبتدئاً بالكامل كأنه دخل عالم الزراعة بالأمس فقط، ومن جهة أخرى، ظهرت أحياناً ومضات لعقل مستنير تجاوز كل هذه الأمور.
طريقة معاملته لكل الناس بسواسية تقريباً، وطريقة تخليه (فجأة) عن التباهي بمكانته، ولا مبالاته بالنظرة التي يراه بها مجرد تلامذة... تلك كلها كانت سمات عقل ناضج، ومع ذلك، بلا أدنى شك، كان لو تشي رجلاً ناقص البناء في نواحٍ عديدة.
"لعل لدى المعلّم سبباً؟"
اعترض شي تشاو بخفة.
"بالطبع لدى المعلّم سبب!"
قالت داي شيو.
"لكن هذه القلب الطيب... يجب أن نصبح حناته! أأنت متبنٍ هذا يا أخي الأصغر تشاو؟"
"ن-نعم، أختي الكبرى!"
فكر لونغ تاو بمدى غرابة طبيعة العلاقة التي استقرت بين الاثنين. لم يكن نداء الأصغر للأكبر بالأخ الأصغر أمراً غريباً—فقد كان ذلك مألوفاً، إذ لم تقتصر على كونها السباقة في التلمذة تحت يد معلّمهم فحسب، بل فاقتها قوةً بفارق واضح. تبارى الاثنان مراراً في الأسابيع الأخيرة، ولم ينجح شي تشاو في تحقيق الفوز ولو مرة واحدة. وعلى الرغم من منطقية الأمر، تفاجأ لونغ تاو قليلاً—إذ لم يكن شي تشاو ضعيفاً في مرتبته، على الأقل في هذه النقطة من العالم.
بل لعلّه كان أقوى حتى من تلك المرأة التي في منتصف مرتبة تأسيس الأساس. وفوق ذلك، كان مزارع سيوف قادراً على استدعاء سيف تشي، مع قدرة فطرية على بث آثار خفيفة لقانون الزمن في هجماته. كان المفترض أن يفوز، مرة أو مرتين على الأقل. لكن الفتاة... حسنًا، كان الأمر منطقياً في قرارة نفسه. لعلّها رُبييت لتكون وعاءً لبذرة الداو. ومع أن مواهبها الفطرية لم تكن خارقة، إلا أن الأجساد الواسعة لا نظير لها حين يتعلق الأمر بالصلابة.
"سأبقى في الخلف"
قال لونغ تاو حين بلغ الثلاثة المدخل.
"لن أتدخل إلا إذا بدا أنكم على وشك الموت."
"ما رأيك برهان يا أخي الأصغر؟"
اقترحت داي شيو.
"عشرون حجراً من الدرجة المتوسطة؟ كالمعتاد؟"
لم يكن الرهان الأول بين الاثنين—بحق الجحيم، فقد لونغ تاو تعداد مرات رهانهما.
"ما رأيك بمئة؟ إنها ظروف استثنائية بعدكل حال."
"هه هه، حسناً. من يقتل أكثر يفوز."
"لا تقتل نفسك يا أخي الأصغر."
"استحالة. سأكون مشغولاً للغاية بالفوز بالرهان."
لو سَمِعت تلك المرأة حديثهما الآن، كيف ستكون ردة فعلها؟ راودت لونغ تاو رغبة في إخبرها ورؤية ردة الفعل مباشرة، لكن الوقت لم يكن مناسباً لذلك. تتبع الأطفال إلى الداخل وفحص البلدة مجدداً. ما زالت الشوارع تعج بالناس، لكنهم جثث فقط—فقد نقل المرضى والمحتضرين إلى الداخل. ومن بين الألفين الأصليين تقريباً اللذين سكنوا البلدة، مات ربعهم تقريباً. توقف اثنان عند المنظر المروع، لكنهما أجبرا نفسيهما على التحمل.
لقد كانا بذرَتَين جيدتين. بالنسبة إلى لونغ تاو، كانت موهبة المرء أمراً ثانوياً دائماً—فهنالك نحو مليون شيء تحت السماوات قادرة على إعادة صياغة مصير الإنسان. خذ شي تشاو مثلاً—فقد ظل نكرة عملياً طوال حياته إلى أن صادفه الإشراق ذات يوم وصار متمتعاً بمستقبل لم يحلم به من قبل. أعاد لونغ تاو صياغة عشرات المصائر في حياته السابقة، فحول صبية وفتيات الفلاحين العاديين إلى أباطرة يملكون الدنيا.
والاثنان أمامه انطبقا تماماً على المعيار؛ فقد امتلكا خصائص فطرية تجعل تحول مواهبهما أيسر قليلاً، والأهم من ذلك بكثير، امتلكا قلب المقاتل المجنون. ما كان لطفل بشري أن يدخل بلدة جثث، ويكتفي بالعبوس أمام المنظر، ثم يمضي متجاوزاً إياه نحو معركة كان ينبغي له ألا يستطيع خوضها حسب كل المعايير. طفلان، أحدهما في المرحلة السابعة والآخر في السادسة من مرتبة تكثيف تشي... حسنًا، لم يكن الأمر يهم.
الأساطير لا تُصنع بفعل الأمور المعتادة—فمن قدر لهم أن يصبحوا أباطرة لم يتقاعسوا قط في وسط التفاهة المتوقعة. كانا هما من يحطم الجدران والتوقعات لكل شيء. لقد كان مثلهما ذات يوم، والآن صار عليه أن يشهد الاثنين وهما يتحرران من المصير العادي. وفي قلب ذلك كله، النجمة التي دار الجميع في فلكها—معلّمهم الغريب المتراخي بصورة مريبة.