نظام الزراعة: نسخة الشيوخ الفصل 81 — الحجاب الأبدي (3)

اقرأ نظام الزراعة: نسخة الشيوخ الفصل 81 — الحجاب الأبدي (3) باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل 81 الحجاب الأبدي (3)

انتفضت كاو تشيو حين لاحظت وابل سيوف متهاوياً يلوح فجأة أمامها. لم يعد الرجل الراكع أمام البوابات بل أمامها مباشرة. قبل أن تحاول الفرار أو الدفاع عن نفسها تكسر وابل السيوف حين ومض طيف عابر بقربها وتسللت رائحة صندل إلى منخريها للحظة. في اللحظة التالية رات الرجل البدين يفقد توازنه ويترنح جانبياً مع وميض نصل يشق جنبه. طارت ذراع وتنثر الدم مع صرخة ألم. حاول الرجل البدين التراجع لكن الطيف اندفع أكثر ولوح بالسيف مرة أخرى مهشماً ركبتي الرجل ليجعله عاجزاً تماماً عن الحركة.

ركع الصبي الذي حسبته عبئاً بجوار كتلة اللحم الدامية المانّة وشدّه من شعره ساحباً إياه فوق التراب نحوها.

— أيتها الأخت الكبرى — نادى منبهاً إياها لتستفيق — أعرف من يكون هذا.

— أليس رئيس البلديات؟

— لا — هز رأسه — إنه خادم عائلتي.

عرفته من صوته. لكن شيئاً آخر لا ينطبق عليه. لم يكن الخادم مقاتلاً وكان عجوزاً طويلاً نحيلاً.

— إذن من يكون؟

— قطبت حاجبيها وانحنت.

غير أن شيئاً غريباً حدث للتو. الرجل الذي كان يئن ويبكي ويتوسل الرحمة طفق يطلق ضحكات مجنونة وغريبة.

— من أنت؟

— استلت سيفها وضغطت بنصله على حنجرة الرجل.

— هي هي هي، يبدو أننا اصطدنا سمكة كبيرة — بدأ الجسد في...

الانسلاخ. انكمشت وتراجعت مع انبعاث أبخرة تتطاير من اللحم المتلاشي. في غضون لحظات لم يبق سوى الرداء... ولا شيء غيره. تسارعت أنفاسها ورمت ببصرها نحو البلدة الممتلئة رعباً الآن.

— علينا إعلام السيد بهذا فوراً!

— جذبها صوت الصبي فاستدارا معاً وغادرا ملتحفين بالرعب.

* * *

مشى لونغ تاو ببرود عبر الوهم المتفرق. كان تشكيلاً عالي الجودة بشكل مدهش لدرجة تفوق طائفة السيف الروحي. بالنسبة إليه لم يكن شيئاً بطبيعة الحال لكنه قد يعد كنزاً أثرياً في هذه الزاوية من العالم. أخذ العالم منعطفاً سريعاً حين عبر الغشاء وإن يكن في جانب واحد فقط. لم تكن الشوارع فارغة. خرج بين مجموعة مبانٍ نحو الشارع الرئيسي الذي يشق البلدة بأسرها. اصطف على جانبي الطريق ناس ممددون بلا حراك على الرغم من أن معظمهم لم يكونوا أمواتاً حقاً.

لم يفاجأ. كانت هذه طبيعة جميع أفران الأرواح. استخلاص أصفى جوهر للبشر يستغرق وقتاً والأهم هو ألا يعي الناس ذلك. وإلا فسد الجوهر وأصبح عديم الفائدة. ما إن رأى المادة الرمادية حتى أدرك أن شخصاً ما راودته الفكرة العبقريّة باختراع فرن أرواح. باستثناء أنه... غير مكتمل. في العادة تكمن في قلب كل فرن أرواح بذرة داو وتحديداً بذرة داو الروح. وما هذا سوى تقريب أو بالأحرى صُنع الفرن محاولةً لخلق بذرة داو الروح.

استحال ذلك بالطبع فجودة الأرواح هنا لا تكفي البتة. لكن إن نجح من يقف وراء هذا في تنقية البلدة بأكملها لكان قد حقق بعض التقدم.

— بذرة داو..

بذرة داو..

— تمتم لنفسه وبعينيه بريق غامض.

لا يمكن أن تكون الشائعة عن الكنز الثالث لطائفة السيف الروحي عبارة عن بذرة داو صدفة بحتة بينما يحاول أحدهل صنع واحدة على عتبة دارهم.

— آه!

— انقشع الضباب وانبعث في عقله وجه الفتاة المنتظرة إياه خلف الحجاب مباشرة.

بنيتها الجسدية. تعذر عليه تمييزها تماماً رغم أنها بدت مألوفة بعض الشيء دوماً. لا بد أنها أحد أشكال دانتيان الواسع. وُجدت ثمانية عشر شكلاً على ما يذكر لكن ستة منها فقط تصلح حاضنة لبذر داو الروح. أعرض عن الأشكال الممددة على الأرض وتوجه نحو حيث شعر بتجمع طاقة الأرواح بأكملها. الجناح المركزي. كان كل شيء تخاحناً في النهاية وما زال يفتقر للصورة الكاملة حقاً.

ورغم أنه «أُمِر»

بالاكتفاء بالنظر إلى الأطراف كانت الإغراءات أضخم من أن تقاوم. بعد دقيقة أو نحو ذلك تجاوز عدداً مرعباً من التشكيلات المفعلة بالاستشعار والمخصصة للمتسللين. بدا الجناح نفسه مجرداً من النور ومحاطاً بالظلام تماماً. خلت الطوابق الأول والثاني من أي أحد واقتصر الأمر على أثاث مبعثر لم يطله الغبار منذ فترة. ضمت الطوابق الثالث والرابع قدوراً مغليّة مغطاة بتشكيلات رونية غريبة أقدم حتى من عصره.

كانت معظم المعارف حول بذر داو وخصوصاً صناعتها تاريخاً عتيقاً حين كان صبياً فما بالنا بالآن. ضم الطابق الخامس عشرات الشخصيات الملثمة الواقفة حالياً قبالة النافذة نحو الخارج وتفقد على الأرجح الضجة التي يحدثها ذلك الفتى. أما الطابق السادس... فكان صغيراً نسبياً ويضم غرفة واحدة فقط فوقها حصيرة صلاة وشخص ملثم ومقنع يعلوها وكرة تطفو في مركز الغرفة تماماً. تلاشت خيوط من الطاقة المخضرة نحوها لدرجة بد وكأن تمزقاً في الفراغ يجذب المادة نحوه.

توقف لونغ تاو وتفقد الشخص. أدرك أنها امرأة واستناداً إلى عمر عظامها فهي تناهز... أربعة آلاف عام على الأقل. مما يعني أن هذه إما روحها أو تجسد جسدها. أخرج قناعاً من حقيبته وارتداه مطبقاً إخفاء لكل أثر لزراعته قبل أن يظهر للعيان. انفتحت عيناه المرأة بسرعة وبدت كمن يهم بالحركة للحظة قبل أن تتوقف مدركة أن لونغ تاو يقف هناك فحسب.

— بماذا أناديك أيها الجليل؟

— جاء صوتها كورالاً غريباً لأصوات ونبرات ممزوجة وكأنها تصدر من واقع آخر تماماً.

— هذا جنين غير مستقر البتة — قال لونغ تاو مسمراً عينيه على كرة — وثاقك...

يحتضر.

— عينان بصيرتان — قهقهت المرأة — أذلك الفتى بالخارج من صنيعك؟

— ماذا تفعل شبح عجوز مثلك متورطة مع كومة من البشر والأطفال الضعفاء؟

— التقى لونغ تاو طوال حياته الطويلة بلا حصر من البشر ممن يمشون على حبل الشر الثابت المرفق.

لكن الأسوأ دوماً هم من يستغلون الأضعف منهم ويسحقونهم ممن لا طاقة لهم بالمقاومة.

— تروس العالم تتحرك دوماً أيها الجليل.

ولمسايرة العصور علينا التأقلم. لقد فرّ فتاك.

— ...

آن أوان مغادرتك هذا المكان — قال لونغ تاو.

— وإن لم أفعل؟

— أظن أنكِ بعمرك العتيق هذا تحملين رفاهية فقدان تجسد أو اثنين.

— ...

هي هي حسناً جداً — قهقهت المرأة بشكل غريب بعد صمت لحظة. مدت يدها داخل رداءها وأخرجت رقماً صغيراً وألقته نحو لونغ تاو. تحولت إلى مقذوف متقد لكان ليفسد حتى رأس الشيخ تشين لكن لونغ تاو التقطها بيسر شديد. ليس لكونه الأقوى بل لأنه ألقي بتقنية قديمة انقرضت منذ أمد بعيد في العالم.

— تدعوني شبحاً عجوزاً ومع ذلك لا يعرف هذا الفن سوى من أعتبرهم أباطرة قدامى.

سنحترم طلبك — أضافت وبدا جسدها في التلاشي — لك استخدام أطفالي الباقين مسانً لأطفالك. وحين تجد نفسك بحاجة لمساعدة أو صديق... تعال وراء حصن الحراسة القديم.

— أجدك؟

من تكونين تحديداً؟

— نحن الحجاب الأبدي — قالت — المالكون الأصليون للبذرة التي سرقتها طائفتك بوقاحة.

اعلم ما كان لنا سيعود لنا... مهما كلف الأمر.