الفصل الثامن والثمانون الستار الأبدي (٢)
ألفه حقا، ذلك العبق. استطاع هوا تمييزه من أي مكان. ومع ذلك ظل ثابتا هادئا جاهلا حقيقة ما يدور داخل تلك البلدة. أراد منع لو تشي من إرسال الشابة إلى الداخل لكنه لم يتدخل. أدرك أنها لن تدخل. ذلك الفتى العجوز الغريب هو من سيخترق المكان بينما تبقى هي في الخارج. ورغم إدراكه ذلك شعر بدافع يجبره على الاندفاع نحوها للتأكد. كادت الشابة تموت مسبقا بسبب ذلك العبق وتلك الغواية.
إن سحبت إلى الداخل مجددا فلن يملك أحد سبيلا لإنقاذها. ما توقع قدومهم من وراء الجبال بهذه السرعة على أي حال. لكن إن شجعتهم الحال الآن على كسر اليمين الصامد لعشرة آلاف عام تقريبا... توترت عضلاته لاواعية وهو يحدق فيما يسمونه ضبابا سميكا. لا عجب في ألا يدركه أحد هنا. فحتى الشيخ تشين وبكل ما يملكه من قوة في هذا الجزء من العالم ظل مجرد جنين رمزي في طريق الخلود. وحدها العناصر التي لمست قوانين الدو قادرة على تمييز تكتلات المادة الرمادية تلك الناتج المرعب لفرن الروح.
كل الجحيم يقود إلى ذلك الشر اللعين... لو عاد به الزمن لتغيير أمر واحد لاختار ألا ينضم إلى الحرس أبدا وألا يتعلم ما تعلمه وألا يضطر للعيش مع معرفة عجز تام عن فعل شيء. لكنه يمينه الآن. حتى وإن... غير غايته الأصلية. ألقى نظرة جانبية نحو الرجل المتجهم متوسط العمر. أمور لا تحصى بدت غير متماسكة مع الرجل المسمى لو تشي. أدرك هوا تميزه منذ اليوم الذي نجح فيه بجر داي شيو وبصحبته إلى خارج فرن الروح.
طبعا ما بقيا هناك طوعا. فهذا ما يفعله الفرن. يحلق الرغبة والتمكن من الإرادة حتى لا يتبقى شيء. لكن وخلاف لكل من وطئت قدمه ذلك التعفن لم يبدو الشيخ لو خاضعا لقوانينه. ولم يجد شوانغ هوا شيئا يمكّنه من استخلاص إجابة مقبولة عن السبب. لم يكن عاديا بل أسوأ من ذلك بكثير. كانت سمعته بالغة البشاعة. أضعف شيوخ الطائفة بفارق شاسع وأرجحهم جهلا أيضا. ومع هذا تكررت صدمته بذلك الرجل الغريب مرارا.
صدمة تخلف صمتا مخيما بدا حقيقيا أحيانا. تزويد داي شيو بطريقة استزراع مصممة بإتقان حتى الحجاب لم يمتلكها؟ تربية تلميذ مثل لونغ تاو أثار فزع هوا بطرق لم يفعلها أساتذته قط؟ وحتى إنتاج فن حياكة القلب. بل لعل الأخير كان الأكثر تحديا للسماء. لقد سمح له بفعل ما عجز عنه أي شيء آخر في العالم. تبديد قيود البشرية ولو للحظة واحدة. ورغم كل ذلك ورغم تشابك كل الخيوط لتروي حكاية علم الشيخ لو بأمر البذرة...
تأكد هوا طوال رحلته من جهل الرجل التام. لم يكن جاسوسا ولا وحشا قديم يعبئ وقته بل مجرد مزارع عادي وجد وسيلة لصنع أو جلب أشياء استثنائية. والآن ها هم هنا... في مهد خطيئة نساها معظمهم. أدرك عجزهم عن البقاء طويلا في ركن الراحة. لا بد أنهم أدركوا وجهته بحلول الآن وانتشر الخبر عما يوجد في طائفة سيف الروح. كل ما أمله أن يتمكن الرجل الغريب الواقف بجانبه من جلب معجزة أخرى.
سير زي زاو مستعجلا بخطوات خلف المرأة التي رآها سابقا. لقد شهد خسارتها لمعركة قبل عشرة أشهر تقريبا أمام فتاة تكترث لنصف عمرها. بدا الأمر قاسيًا بقلة وصف. لكن بما أن الفتاة المذكورة كانت تلميذة النواة الأكثر موهبة فلم يعد الأمر غريبا لأحد. مع ذلك تعاطف زي زاو مع الواقفة أمامه. العار والشعور بالذنب والحرج. كلها التهمته مثل الدود حتى التقى بأساتذته.
حذرت بجمود: "عندما نصل لا تقل شيئا. إن أعطيتك إشارة فاهرب فحسب".
"حاضر أيتها الأخت الكبرى".
لم يكن خائفا بل العكس. كان قلقا فحسب. قلقا من مكروه أصاب عائلته. وصلا أخيرا إلى مدخل البلدة. حتى من هذه الزاوية بدت الشوارع خالية يلفها ضباب غريب. تركت البوابات مواربة كأنها تدعو للداخل بينما غاب الحراس عن مواضعهم المعتادة. توقفت كاو تشيو وأعاد هبوب نسب خفيف شعرها وردائها. شعور طفيف بدوران التشي اجتاح زي زاو قبيل انفجار صوتها كالرعد.
"أيتها المدن لبلدة ضوء الشمس أنا كاو تشيو من طائفة سيف الروح!"
انتفض زي زاو لشدة الصوت ناظرا إليها بذهول.
"أرسلت هنا للتحقيق في اختفاء تلميذ شوهد آخر مرة يدخل البلدة. أطالب العمدة بمقابلتي في الخارج فورا لتقديم تفسير. وإن لم يفعل فسأضطر للجوء إلى العنف!"
يا له من عجب. أُعجب زي زاو تماما. مدو وحاسم وواثق. تردد صداها بعيداً وبقوة، لكن حتى بعد نحو ثلاثين ثانية، لم يأتِ أي رد. وبينما رأى أصابعها ترتجف وتمتد نحو السيف المربوط بخصرها، ترددت خطوات وصرير البوابات لتنفتح أكثر. وبرز من بينها شكل قصير وممتلئ يرتدي رداءً زمردياً فاخراً. كان الرجل مستدير الوجه وله شارب طويل مفتول وبدا وكأن أنفاسه منقطعة تماماً وهو يخطو ليظهر للعيان.
"... هل أنت عمدة البلدة؟"
"نَعَ... نعم، نعم أيها المزارع المبجَّل! اسمي مو لينغ وأنا عمدة بلدة ضوء الشمس!"
"ما الذي أتاخ بك إلى هذا الحد؟"
"آه، معذرة أيها المبجل! كنت في القاعة حين سمعنا صوتك السماوي، فأسرعت فوراً، ولكنني، واأسفاه، لست سوى بشريٍّ فانٍ!"
"أين الجميع؟"
سألت بينما ظلت أصابعها ملتفة حول مقبض السيف مستعدة لسحبه في أي لحظة.
"ماذا تقصدين أيتها المبجلة؟"
"أقصد ذلك تماماً. أين أهل البلدة أجمعون؟ ولماذا شوارعكم خالية؟"
"همم، لست... لست متأكداً تماماً مما تعنيه. الجميع... هنا! الشوارع ليست خالية. من فضلك، تفضلي بالدخول! لقد كلفت أحدهم بالفعل بترتيب وليمة ترحيب! أؤكد لكِ أن أي اختفاء لتلميذ من طائفة سيف الروح سيُؤخذ على محمل الجد تماماً مثلي أنا. إن كامل القوة البشرية لبلدتنا الصغيرة تحت تصرفكِ".
توقفت كاو تشيو، وحتى زي زاو قطب جبينه وهو يرمق الرجل الممتلئ بحذر. نبرة الصوت، والكلمات، وطريقة حديثه... كل ذلك بدا مألوفاً بعض الشيء.
قالت المرأة: "يبدو أنك تأخذني حمقاء".
"حسنٌ جداً. ربما بعد أن أهدم جزءاً من منزلك، ستمنحني شرف قول الحقيقة!"
"آه، أيتها المبجلة، أرجوكِ ارحميني!"
ركع الرجل على الأرض بسرعة وهو يصيح.
"أنا أتحدث بأقصى درجات الإخلاص ومن أعماق قلبي! حقاً لا أعرف شيئاً عن اختفاء أي تلميذ! ما كنت لأجرؤ على الكذب على المبجلة!"
تفاقم تقطيب جبين زي زاو أكثر. راقب أصابع كاو تشيو وهي ترتخي قليلاً وتخفف قبضتها عن المقبض. وهناك أدرك عقله تلك النبرة، وقبل أن يتمكن من إطلاق أي تحذير، مد يده نحو سيفه وسحبه في ومضة ألوان خاطفة.