الفصل 77 على العالم (II)
حتّى بعد مسير يقارب الساعة لم يطرأ أيّ تغيير يذكر. لم أشعر بالانزعاج — صراحة سأتدبّر أمر الحصول على أحد هذه المخلوقات لنفسي لأنّ الجلوس عليها بدا كجلسة على أريكة مبطّنة مقارنة بمقاعد هذا العالم — ولم يتغيّر العالم البتّة إذ لم نكن قد غادرنا بعد الوادي الرئيسي المحيط بالطائفة. هنا وهناك تراءت مجمّعات صغيرة وأدركت سريعاً أنّها امتدادات للطائفة — بعضها مسؤول عن معالجة المواد السامّة ولهذا كانت تقوم بذلك هنا خارج أسوار الطائفة، وبعضها الآخر تمّت إرساله إلى هنا لفحص الزّوار والتعامل مع الأمور البسيطة التافهة التي لا ينبغي إزعاج شيوخ الطائفة بها، وبعضها أقيم لغرض وحيد وهو إيجاد مهامّ للتلاميذ ذوي الرتب المنخفضة.
وكما هو متوقّع لم يحاول أحد اعتراض طريقنا أو تتبعنا كما فعلوا مع لونغ تاو — حتّى لو لم يتمكّنوا من التعرّف عليّ أو على أيّ شخص آخر فمن المستبعد وجود ممارس داخل المنطقة بأسرعها لا يتعرّف على الشيخ تشين. هكذا انطلقنا عدواً بحرية دون أن يزعجنا العالم. بقدر ما تبدو هذه الفكرة رومانسيّة فقد أصبحت في الواقع... مملة. أعني نعم إنّها جميلة ولطيفة وملونة لكن أتعلم بما تتميز أيضاً؟
بالثبات. والجمود. والتكرار. خلال ساعتين لم يكن هناك عملياً أيّ شيء جديد يمكن رؤيته ممّا لم أره خلال دقائق خمس من مغادرة الطائفة. أعني كنت أعلم أنّ المسافات مخيفة للعقل نوعاً ما لكن بعد ساعتين على ظهر الخيل (وليس الأمر كأنّ هذه الخيول بطيئة تذكّر؛ أقدّر صراحة أننا سرنا بسرعة ثلاثين ميلاً في الساعة على الأقلّ) كنّا بالكاد نغادر أطراف الطائفة. تراجع الوادي وبعد منخفض صغير برزنا على أرض منبسطة طويلة طويلة طويلة امتدت في كل الاتجاهات.
ناحية الشرق البعيد تمكنت من رؤية الغاب يرتفع وراء ضفاف النهر لكن جهة الغرب كانت مجرد... ضباب. أعني كنت أعلم ما يستقرّ في نهايتها البعيدة — المنحدرات المقفرة حيث ذهب لونغ تاو — أما رؤيتها من هنا؟ نعم. يتبين أنّ هذا الكوكب كروي أيضاً. في نقطة ما غطّت لايت... في سبات عميق. وكنت حاسداً إلى حد ما على ضغطها رأسها في بطني دون همّ في العالم. لحسن الحظّ لوحت القرية التي كان مفترضاً أن نستريح فيها بالأفق عما قريب.
لم تكن كبيرة خصوصاً؛ ربما عشرون منزلاً أو نحو ذلك امتدت على طرفي النهر مع جسر يربطهما. كانت إحدى أضيق نقاط النهر لمسافات نحو عشرين قدماً أو ما شابه بين الطرفين لذا كان منطقياً إنشاؤها هنا. بدا أنّهم كانوا بانتظارنا إذ وُجدت لجنة ترحيب كاملة تحوم على الحواف بينما دخلنا متبخترين. وبينما قبل الشيخ تشين التحيات وترجلنا قاد مجموعة من الشبان الخيول بعيداً بينما تبعنا الجدول نحو أحد...
المباني الأفضل تشييداً من بين الحشد. شُيّد معظمها في الواقع من مزيج الطين والخشب مع القشّ والعشب والخوص المستخدم للأسقف. كنت وضعت في حساباتي فعل الشيء ذاته عندما بدأت بالتفكير في ترتيبات السكن على الجبل لكنّي عدلت عن ذلك نظراً لوجود تكنولوجيا لشيء أكثر تعقيداً. يبدو مع ذلك أنّ وجود التكنولوجيا وانتشارها على نطاق واسع كانا أمرين مختلفين تماماً. أُسكِنَّا داخل قاعة فسيحة وحوالي اثنتي عشرة حصيرة صلاة تحيط بطاولة مستطيلة مليئة بالمشروبات والفواكه مع خنزير مشوي كقطعة مركزية.
سلع لعابي توقعاً لكن الرائحة كانت... حسناً ضئيلة. وبالنظر إلى اللون فضلاً عن غياب أيّ لمعان خفّضت تلك التوقعات بالسرعة ذاتها التي ظهرت بها.
"إن كنتم بحاجة إلى أيّ شيء آخر فلا تترددوا في مناداتنا أيها السيد العظيم"
قال الشيخ العجوز الذي بدا وكأنّه رئيس القرية للشيخ تشين قبيل مغادرته.
"حسناً يا جميعه. انهبوا الطعام. لن نبقى هنا سوى ثلاثين دقيقة".
ولم أكن ممن يقفون مكتوفي الأيدي حين يُعرض الطعام فشرعت في جرف كل وجبة مختلفة تمكنت من رؤيتها متذوقاً إياها واحدة تلو الأخرى. كانت... لا بأس بها. ربما أسوأ قليلاً من الوجبات التي صنعها مطعم الطائفة. هااه. رحلتي بحثاً عن التوابل مستمرة. كنت قد سألت لونغ تاو إن كان وجد بعضاً منها أثناء رحلته في الخارج فأجاب مؤكداً أنّه تخلى عن كل شيء ليعود ويحذرني. لذا تراجعت. وبالحديث عن لونغ تاو فقد شارك بشكل مدهش كل ما وجده في قبو الشيخ تشانغ.
مع ذلك لم نقم بتصنيفه كاملاً بعد — كان هناك الكثير من الخردة هناك بصراحة. وحدها الحجارة شكلت جبلاً مع ما يزيد عن ثلاثين ألف حجر متوسط الدرجة. لم تكن حقيبتي المكانية الصغيرة قريبة حتى من كفاية لتخزين كل تلك الخردة لذا كان علينا توريط لايت ورشوتها ببضع عناصر للسماح لنا بتخزين البقية في خاتمها المكاني الذي كان لحسن الحظّ واسعاً بالقدر الكافي لكل شيء. كنت رجلاً ثرياً مرة أخرى رغم أنّه لأي مدة...
آه. ربما بضعة أشهر. داي شيو مع كل اختراق جديد تطلبت ضعف عدد الحجارة مقارنة بالمرحلة السابقة وكان لونغ تاو يستنشق الحجارة كالأكسجين. وبما أن الجميع على الجبل كانوا يستخدمون تعزيز حجر الروح فقد استطاعوا معالجة التشي من الحجارة بسرعة أكبر ممّا يعني أنهم كانوا يستهلكون الحجارة بالسرعة ذاتها. كانت المسألة برمتها مجرد مشكلة رياضية ضخمة لم أرد حتى محاولة حلّها لأنني إن فعلت شعرت أن قلبي سيونزف بغزارة شديدة.
قال الشيخ تشين: "بما أن معنا أطفالاً فسيتعين علينا أخذ استراحات متكررة. ممّا يعني أننا سنصل في غضون ثلاثة أيام تقريباً تزيد أو تنقص بضع ساعات".
صحيح كنت واعياً لذلك. لم أكن واعياً لذلك فحسب. يا للهول، كيف جعلت السيارات والطائرات والقطارات الأمور مريحة...
سأل الصغير هو هي بفضول بريء: "معلّمي ألا تمتلك طائفتنا تلك السفن الطائرة القوية؟"
وأردت مصافحة الصغير بيدي فوراً. صحيح! السفينة الطائرة! المليئة بالمصفوفات والتشكيلات وحفرة حجر روح ضخمة يمكنها حمل مئات الأشخاص آلاف الأميال في دقائق! أو شيئاً من هذا القبيل على الأقلّ.
أجاب الشيخ تشين بابتسامة: "لدينا واحدة في الواقع. رنين الشفرة نسمّيها".
"لمَ لم نستخدمها؟"
"لأنّ تشغيلها فقط يكلف مائة ألف حجر متوسط الدرجة. أكنت ستزودنا بها يا هو-إير؟"
"آه..."
احمرت وجنتا الصبيّ وهو يدفن نفسه في الطعام مجدداً بينما أطلق بقيتنا ضحكة مكتومة.
سأل كاو تشิว كمتابعة كنوع من الفضول أكثر: "ما هي رتبة السفينة الطائرة يا معلم؟"
اللعنة هؤلاء الأطفال كانوا يقرؤون أفكاري فعلاً ويطرحون كل الأسئلة التي رغبت بطرحها لكنني شعرت بالاختناق بسبب «مقامي المزعوم».
"هو هو فضولي أليس كذلك؟ إنها في الواقع قطعة أثرية قديمة من السماء المنخفضة!"
بدت كلماته وكأنها تصدم البعض وتثير فضول آخرين وتترك فراغاً خالياً تماماً في شخص واحد — أنا.
كنت مألوفاً إلى حد ما برتب فنون القتال لذا فإن سماع «سماء منخفضة»
لم يبد متطرفاً جداً بالنسبة لي لكن ربما كان الأمر مختلفاً بالنسبة للقطع الأثرية؟
"حقاً؟!"
"همم. إنها واحدة من ثلاث كنوز حقيقية لطائفتنا. السيف الروحي ورنين الشفرة والأخيرة التي لا يعرفها سوى سيد الطائفة نفسه. معلّمي منذ زمن طويل أفلت منه مرة بالخطأ أنها ربما تكون بذرة داو!"
"واو!"
"بذرة داو؟! أليست تلك مذهلة؟"...
صحيح. بحق الجحيم ما هي بذرة داو؟ لا بد أنها شيء جيد لأنه حتى لونغ تاو وهوا شهدا تحولات مفاجئة في تعابير وجهيهما رغم أنهما توجها نحو اتجاهين مختلفين قليلاً. بدا لونغ تاو مصدوماً ومتفاجئاً بصدق للحظة إذ كان الأمر يفوق توقعاته بكثير... ومع ذلك كان متفهماً بهدوء. أما تعابير هوا من ناحية أخرى فلم تستمر سوى ومضة؛ والسبب الوحيد الذي جعلني ألاحظها هو أنني كنت أنتبه عن كثب لهذين الاثنين لأقيس مدى أهمية هذه الأمور خارج نطاق هذه الزاوية من العالم.
لقد كانت نظرة... غضب. غضب بحت خام جامح.