الفصل 473 قسم غير منتهي (٢)
بخلاف سائر البشر التي التقاها طوال عمره، لم تكن أزهى ذكريات الرجل تحفل بإنجازات عظيمة، لم يكن فيها انتصار في بطولة، أو صرع لوحش كاسر، أو عبور لمرتبة بعد مخاض عسير. بل لم تكن أزهى الذكريات ذاتها متعلقة بنجاحات، بل كانت أشبه بلجاجة الألم. لم يكن الرجل، أو جزء منه على الأقل، من هذا العالم؛ فقد كان في عالمه بشرياً عادياً، محُمّلاً بحياة عادية، يهنأ بعيش عادٍ. والذكرى الوحيدة التي بدت كنجم حارق يخسف ما سواها كانت ليوم ممطر رماديّ، ولجمع من البشر متحلقين فوق حفرة في الثرى، حيث كان يتوارى تابوت غريب لكنه مألوف.
كانت الذكرى صامتة — لا لأن الحدث نفسه كان كذلك، على ما يظن، بل لأن الرجل حجب كل صوت، كل شيء، ولم يعد يتبين سوى التابوت وهو يَهوي في الأرض. لقد كانت ساطعة حتى أعمته، ومشحونة بمشاعر متأججة عجز عن فك شفراتها. كانت هذه ذكرى التاج المكسور، الممزق، المتهشم الذي بدا أنه يحكم روح الرجل ذاتها. وحمل نظير الرجل في هذا العالم ذكريات ألم شبيهة — ورغم فساد الرجل، ورغم تعجرفه، ورغم صخبه، فقد كان يعتريه الخزي تحت كل ذلك.
كان مرعوباً. وكان في أقصى درجات الغضب من إخفاقاته، ومن عجزه. ورغم أن الرجلين كانا منفصلين، فقد أدرك كنه السبب في تلبّس الرجل للجسد بهذه السلاسة: ففي جوهرهما، كان ما يحدد هويتهما إخفاقاتهما، سواء أكانت حقيقية أم متخيلة. أخفق ابن هذا العالم في أن يكون مزارعاً حقيقياً، وأخفق في إنجاز أي شيء يُذكر في حياته، واستسلم لا محالة لعجزه. أما ابن العالم الآخر فظن نفسه مذنبًا لأنه استمر في الحياة حين هوت حب حياته؛
فاستسلم للظلام، وللحياد، وللحياة البائسة الموحشة. وحين واصل تصفح الذكريات السحيقة، بدأت تلوح ذكريات أحدث؛ كان فيها محاطاً بحشد من أطفال البشر، وكانوا يدفئونه كجمر التنور. ضحك الأطفال، وصاحوا، وبدوا وكأنهم يعبدون الرجل كما لو كان ملكاً. غير أنه لم يكن هناك خوف. ولا قوة. ولا إكراه مفروض. كان حنو الرجل، حين لم يره الأطفال سوى في الظلام، أكثر من كافٍ.... لا. لم يكن مجرد صنيع حنو واحد.
كان كامتلاك سماء لا تسقط قط، سماء لا تؤذيهم يوماً، ولا حتى مرة واحدة. لم يكن قديساً، وبينه وبين القديسة بون شاسع. لكنه لم يكن بين البشر قديسون، فحتى أولئك الذين عاشوا ملايين وعشرات ملايين السنين عجزوا عن خلع درع البشرية. ومع أن ذلك الدرع بالذات هو ما سمح لهم بالارتقاء وبأن يصبحوا العرق المهيمن، إلا أنه كان يعني ببساطة استحالة سلوك مسارات معينة من المسار.
وفوق هذا كله، عُدَّ جديراً بنظر من هو أعظم منه شأناً بكثير — فقد تعرف إلى «المراة»
الغريبة منذ الذكرى الأولى التي أبصرها فيها الرجل. حين استعملها على مضض، واحتفظ بها أبداً في راحته كلما داهمه خطر. لقد عرف دوماً أنها قطعة قُشارة، بقايا ملك قديم قد يكون حياً أو ميتاً في هذه اللحظة. الحارس الأبدي، الدائم بدوام قسمه.
وتلك في حد ذاتها كانت تكفي عقداً ليهب الرجل قلبه — فكل أبناء الأبدية مكلفون بتوفير ما يحتاجه المختارون، والرجل الذي ماثله كان أكثر من «مجرد»
مختار. فضلاً عن ذلك، وفوق القسم الذي أداه يوم مولده... لم يخرج الرجل تلك القطعة. لقد علم الحقيقة الماهوية لتلك القُشارة منذ أمد ليس بالبعيد، وكان بإمكانه إخراجها بكل بساطة أمامه دون أن يضطر لتحمل أي من هذا. لكنه لم يفعل. لِمَ؟ لم يكن يدري. ورغم قدرته على قراءة قلوب الرجال وعقولهم، فقد كان قلب هذا الرجل... محجوباً. غشاه طلاء غريب، ورغم أن الرجل فتح له قلبه بالكامل، فقد أبى ذلك الطلاء أن يبرح.
مما يعني أنه لم يكن من صنعه — بل كان الأرجح أنه صنيع أياً كان ما يرشده. سيَدّعي الجاهلون أنه المسار — ففي النهاية، كان الرجل يصنع الأدوات والفنون من العدم ظاهرياً، وكأنه يملك مقصورة لا تنفد خزائنها من الكنوز، وهو أمر لا يقدر عليه أحد. والجواب الوحيد لدى كثيرين هو المسار. بيد أن... الرجل لم يكن خاضعاً للمسار. بل لعلّه كان نقيضه. ضرورة لرتق شظاياه المتكسرة. تراجع إلى الوراء، واستعاد الرجل وعيه، وبدا مرتبكاً بعض الشيء.
"أأنت... أمستهلٌّ؟"
سأل. وفِي نبرته وإيماءاته براءة تناقضية كادت تنتزع ضحكة منه، وهو أمر لم يفعله منذ سنين لا تُحصى.
"لقد بدأت استجوابي وأنهيته"
قال.
"آه. أعذرة على كل تلك... الأمور غير المستساغة".
"مثل ماذا؟"
"لا تدفعني لأقولها..."
"أنت... عينة غريبة. وإن كنت تعلم ذلك بنفسك سلفاً. وكما قلت، فلن أُفشي سر أصلك لأحد — وإن كنت مكانك، لما أقلقتني هذه الحואث. لقد وُجد آخرون غيرك ممن لا يختلفون عنك؛ ربما ليسوا من العالم ذاته الذي أتيت منه، لكنهم قطعاً ليسوا من هذا العالم. الرحالة، هكذا نسميهم. ورغم أنني لا أعرف عوالم سوى تلك التي ناطنها، فهناك حكايات قديمة من أسلافي تفيد بأن الكون كان يعج بالحياة يوماً ما. وبأن بإمكانك أن تتجاوز سماء الليل وتحدّق في الفراغ المظلم، وتشير إلى أي اتجاه، لتجد ملايين العوالم، وبعضها مأهول بالسكنى. وحين تخبو حياة هنا، فإنها تعود إلى المسار — لكن ذلك يحدث لأن المسار يقيدها، ويربطها. وتتأتى دورة الحياة من خلاله، وبدونه... سيحدث للعين ذاتها ما حدث لتلك العوالم الأخرى. وستغدو بلا قيود لتجوب الظلام الأبدي، أبد الآبدين. وظن سلفي أن أولئك هم من أين يأتي الرحالة — فبين حين وآخر، تهيم روح ضالة وتقترب بما يكفي من المسار فيُقبض عليها وتُجلَب، لتتجسد في العالم لغاية أسمى. وسواء أكان ذلك صحيحاً أم لا، فمن المستبعد أن نعرف يقيناً. ولكن... يبدو أن غايتك أعظم ممّا تصورت."
"أتعلم... أتعلم ما غايتي؟"
بدا الرجل قلقاً، أشبه بطفل طلب طلباً وبات يوقن أنه نائله.
"لا، ليس على وجه القطعة. فغاية المرء عصية كمبدأ أصله، أيها البشري الصغير. فما غايتي أنا؟ أهي أن أُكبّل في أرض العدم هذه، محبساً لما ينسلخ؟ لقد رأيت ذلك — عبر الزهرة. حقيقة هذا العالم. إنه مقبرة لأشياء، لمفاهيم، لحقائق مجهولة بأسّرها؛ الأبعاد تتمزق وتتدافع وتتصادم وتلتوي، وكل الأشياء تنحل. ليست بالفوضى، لا — بل بشيء أنقى حتى من ذلك. بشيء أساسي لدرجة تبدو معها المسار عاجزة عن السيطرة عليه. أيها الصغير، لقد أتيت هنا مبتغياً قلبي وحدي"
قال، فيما بدأت روحه المنهكة المتعبة تفور بالحياة مجدداً.
"وأتيت بلا تكلف، مترجياً المستحيل. سأعنيك بقلبي لتدرك مرادك — لكن، عليك بالمقابل أن تفعل شيئاً لي."
"ما هو؟"
"بموتي، سينهار... هذا الحيز. ووفقاً لمشيئة الصانع، فما إن يدرك قلب الحيز هذا الاضطراب، حتى يقطع الجسر بين هذا العالم وعالمك — ولن تبيح لك سبيلاً للعودة. سيهيم على وجهه في اللانهائي، منضمّاً إلى العمالقة الدائمين خلف حدودنا. ولكن، دونه، ستتحلل أجزاء الواقع الفاسدة التي لا يمكن السيطرة عليها؛ ولن يكون ثمة مكان لإيوائها، أو حبسها. في غضون عشر سنوات — أتوسل إليك — جد سبيلاً لبناء سجن آخر. وبقلبي ستحظى بمعرفة كيف تعيد إحياء هذا المكان ذاته. لن يكون الأمر يسيرًا، ولست أحسدك عليه، لكن لا مناص من فعله. وإن أخفقت... فلا سبيل لمعرفة ما سيؤول إليه مصير عوالمنا. أغمض عينيك الآن، يا بني. وتلقّ قلبي، وأعد نسج هيكلك البشري. آمل أن تنجز ما يبتغيه المسار منك. وإن لم تفعل... أخشى أن تكون هذه نهاية كل شيء حقاً."