الفصل 472 قسم لا ينتهي (1)
رغم أنه المشهد الذي يجدر بي أن أصيح فيه وأولول وأحاول الفرار إلى أبعد نقطة ممكنة، كنت... هادئاً بشكل غريب. حتى حين راحت تلك العينان الكونيّتان اللتان يعجز عقلي عن إدراك حجمهما حتى اللحظة تتفرّسان في أعماق روحي، لم أعرِف... الحقد. أو الغضب. أو أيّ شعور يذكر في الواقع. حتى الصوت كان مشوباً بالتعب أكثر من أيّ شعور آخر، عميقاً ومترنّحاً. ما أمكنني تبيّن شيء سوى جزء صغير من الوجه — ولم أدرِ إن كان ذلك سراباً، أم أنني خُطِفت جسدياً، أم أنه حلم وأنا أنخرط في الشخير بسعادة في المخيم...
لكن الأمر لم يكن مهمّاً. كان حقيقياً، هذا ما استطعت تأكيده. كنت أتحدث حقاً مع الكائن ذاته الذي سعيت خلفه لأطلب قلبه بلطف شديد.... أجل.
"تحياتي أيها الشيخ."
تفاجأت بأن تلك كانت كلماتي الأولى وأنا أقف وأنحني.
"لا أهتم كثيراً بتجمل البشر. حركاتك الصغيرة سيّان بالنسبة إلي. أجب عن سؤالي أيها الإنسان. هل أنت من جلبت الموت إلى عالمي؟"
"أه، لا؟ لا أعتقد ذلك على الأقل،"
رددت. لم أكن أعتقد حقاً أنني فعلت. أيمكن أن يكون ذلك من صنيع لونغ تاو؟ ظننت فحسب أن الأمور تسير هكذا.
"أليس هؤلاء القوم الذين حبسونا هنا بغية استنزاف تشي الحياة الخاص بنا؟"
"لقد حاولوا مراراً. لكنهم لم يكونوا هم. همم. لعلّ... الأوان قد آن فحسب."
"..."
"لا توجد سوى علّة واحدة تدفع أحداً للقدوم إلى هذا الشمال القصي حيث لم يكن هناك يوماً أيّ شيء ذي قيمة — أن يسعى إليّ. أخبرني أيها الإنسان. لماذا تسعى خلف شيء عجوز محتضر؟"
لأجل قلبك؟ كي أتمكن من انتزاعه ومضغه وتحقيق اختراقي المثالي؟ أجل. أفضّل قطع لساني على النطق بتلك الكلمات. ومع ذلك... هكذا يبدو السبب الذي ساقني إلى هنا تماماً. تصاعد الذنب كوحش قديم وأنا أرمق الوجه المتهالك نظراً بالمثل. كانت القشرة الصغيرة التابعة لشوانوو ملاذي الأخير، وما كان لي رغبة حقيقية في استخدامها.
"أتيت هنا أنانياً."
"معظم البشر يفعلون. أتصور أنك أتيت التماساً لقلبي، شأنك شأن قلة قبلك."
"..."
واو. إذن لست المجنون الوحيد؟ يمثل هذا راحة من نوع ما في الواقع.
"كان هناك آخرون؟"
"أنت الثامن، للدقة."
"... بما أنك ما زلت هنا، فيتعين عليّ الشعور بالحظ لخوض موت سريع."
"لا. لقد عرضت قلبي عليهم جميعاً — إن استحقوه."...
دعني أخمن. أفيول بأمر شديد الاستحالة لدرجة يتحدى فيها المنطق؟
"أستبعد تماماً أن أملك ربع ما تمتعوا به من موهبة،"
قلت.
"أقصى ما أرجوه هو أن يغفر الشيخ غروري ويكتفي بتركني حياً."
"الموهبة؟ ولمَ قد أبه لأمر تافه كهذا؟ أيها البشر... طالما كنتم على حالكم منذ فجر الزمان. لا. إنه أمر تملك حتى أقّل الخليقة بينكم القدرة على إنجازه."
"أه؟"
انتعش أملي قليلاً، لكن ليس طويلاً. أياً كان، إن كان هناك سبعة أخفقوا قبلي، فالأمر عسير إن لم يكن مستحيلاً قطعا.
"كيف لي أن أستحق قلبك أيها الشيخ؟"
"دعني أرى قلبك."
"..."
هاه؟ أتقصد... تريدني أن أشق صدري وأريك قلبي؟ أجل، حسناً، ليس الأمر هكذا بالطبع. لكنني مرتبك.
"أه... كيف؟"
"سيدخل جزء صغير من وعيي في وعيك؛ فلا تقاوم، ولا تحاول إخفاء شيء، ولا تحاول تغيير شيء. أقسم بالداو أنني لن أفشي لأحد بما أشهد عليه، مهما كان."...
واو. حسناً، أدرك تماماً لسبب إخفاق السبعة الآخرين. حتى إن وجد بينهم قلة تقبلوا الأمر ابتداءً (وهو مستبعد)، فمن يدرك بحق الجحيم معايير السلحفاة العجوز؟ ربما أراد قديساً لم يقتل قط، ممن يتبرعون بكل عملة يجنونها للأعمال الخيريّة، ويطعمون الفقراء، ويؤوون المشردين، ويكسون العراة، ويحلقون ذقون الملتحين — حسناً، ربما ليس بهذا التطرف، لكنه يظل كذلك. كان أكبر مخاوفي سابقاً أن يكتسي أحدهم حقيقة أنني لست من هذا العالم.
وأكاد أجزم أن لونغ تاو قد أدرك ذلك، مع أنه لم يدرك البتة مدى غرابة عالم موطني. أكبر مخاوفي الجديدة هي أن يكتشف أحدهم مدى تميز أولئك الأطفال فيأخذهم لغسل أدمغتهم وتحويلهم إلى جنود ما. هل أثق بتلك السلحفاة العشوائية؟ ربما أكثر من الشخص العادي، لكي أكون صادراً. كان النظام مُلِحّاً بعض الشيء في ضرورة اتباع المسار الرابع، ولم يفعل ذلك قط من قبل. أرجو فقط ألا يقود علمه بالأطفال إلى أي عواقب.
"حسناً إذن،"
أومأت.
"أه؟ أتسمح لي بذلك؟"
"ماذا؟ هل أنا الأول؟"
"الثاني."
"أه. حسناً، الثاني ليس سيئاً أيضاً."
أغمضت عيني وجلست متربعاً.
"همم. ليكن. لنبدأ."
** كان الإنسان الماثل أمامه عادياً كأي إنسان آخر — بل لعلّه أشد عادية من أي إنسان آخر صادفه طوال حياته. معظم من وفدوا قبله نالوا مكانة رفيعة، ووُصِفوا بالمختارين، وخُلِقوا من الداو، وقدروا على ليّ الجبال بأصابعهم. أما هذا المرء، فكان عادياً. أغمض عينيه وأطلق خيطاً دقيقاً من وعيه؛ خشية أن يتسبب حتى هذا القدر في الأذى، إذ قلّما امتلك البشر قدرة على تحمل أوقية من السيادة.
مرره بين حاجبي الرجل المسترخيين نسبياً. ورغم إقرارها بقبول شخص آخر بذلك، فقد كان ذاك بعيداً كل البعد عن الاسترخاء والثقة. نقيضاً تامّاً لهذا المرء في الواقع. في النهاية، حاول باستهتار التقاط أثر السيادة... ومات. لم يرتكب هذا الإنسان العادي شيئاً كهذا — بل سمح له بالدخول حقاً، وظل عقله مفتوحاً على مصراعيه. لم تكن هناك أفخاخ، ولا محاولات لإخفاء أمور مخزية في أعماق الذاكرة، ولا مساعٍ لتغطية الشرور.
لم تكن الذكريات واقعية بحتة أبداً — فبالنسبة للبشر، وحسب خبرته، ارتبطت كل ذكريات بشعور، وشابه ذلك الشعور لوناً ملطخاً فوق لوحة مكتملة. وما بدا تفاعلاً عادياً غير مؤذٍ قد يكتسي بلون أحمر قاني من الذنب إن ربطه حامل الذكرى بذلك. ولهذا، غدت الذكريات كتشكيلة من الغيوم المتموجة — بعضها كبير، وممتلئ، ومرئي. وبعضها أصغر حجماً لكنه ظل كثيفاً؛ وبعضها الآخر، تمزق وتشرذم. بيد أن ذكريات هذا الرجل...
بدت في تنافر غريب. وما استغرق التعرف على السبب سوى لحظة — روح ثانوية تولت زمام الروح الأصلية إثر وفاتها. ورغم أنها لم تكن مألوفة، فقد رآها من قبل، حين يسعى الأقوياء حقاً للهروب من الموت، محطمين تناغم الداو في سبيل ذلك.... لكن لم يوجد أي تنافر. ولم تكن هناك أيّ علامة. لم يدن الداو الرجل لمثل هذا الفعل. نظر بعمق أكبر. وأعمق. وأعمق. ومع كل طبقة... نما قلبه تعباً وفي الوقت ذاته خفة.
أكان عادياً؟ ربما، نجل. بدا هذا المرء عادياً حقاً بكل سبل ممارسي فنون القتال. لكنه لم يصادف مثيلاً له قط، ليس في غياهب السنين التي مكثها في هذا العالم.