الفصل 454 أناشيد النجاة (1)
حدث كل شيء في لمح البصر. في لحظة كانت ترقص بين القردة المتساقطة، تطرد أخيراً شيئاً من ذلك الشعور المكتوم الذي تراكم في صدرها منذ انضمامها إلى ذينك المجنونين، وفي اللحظة التالية رأت ذلك العجوز يظهر ويقبض على خصرها. مع أن غريزتها دفعتها للرد فوراً وطعنه، إلا أنها كبحت نفسها؛ ف نظرة عينيه بدا وكأنها توقظ شيئاً في داخلها، لذا اكتفت بالاحتجاج بتعابير وجهها. شعرت بنفسها تُنقَل عبر الظلال، وتتدفق طاقة الكي محيطة بها لتحركها بطريقة لم تكن قد اختبرتها من قبل.
كانت هناك فنون حركة تحت السماء بقدر نجوم في ليلة صافية ولم تكن في العمر سوى حياة واحدة لاختبارها. ومع أنها كانت تعرف الكثير ودرست ما هو أكثر، إلا أن هذه الطريقة بالذات... استعصت عليها. لم تكن تجيد التعامل مع الظلام أو الظلال يوماً، مفضلة النور والجمرات المشتعلة لنار عارمة. ولهذا، كانت طريقتها في التنقل بين نقطتين مباشرة نسبياً، ولا تتطلب سوى القليل من تحكم معقد في طاقة الكي.
أما طريقة الرجل؟ فقد أذهلتها. ومع أن بإمكانها استيعاب أساسيات فن حركة منذ رؤيته مرة واحدة—مهما بلغ تعقيده—إلا أنها عجزت هذه المرة تماماً. لم يكن هناك وقت طويل للتفكير في هذا الإدراك؛ إذ أنزلها لو كي بجوار الصبي وأخرج شيئاً من خاتمه المكاني. كان يشبه قوقعة صرصور البحر، مع أن ليو شينيا لم تستطع استشعار أي تميز خاص في الغرض. ومع ذلك، دفعه بيده، وما هي إلا ومضة حتى شعرت ليو شينيا...
بالموت. شعرت به مرة أو مرتين من قبل—عندما أغضبت سيدها لأول مرة بشتم شخص كان يعزه بشدة. قبض الرجل على حنقها وأمسك بقوة حتى شعرت بطعم الموت. والآن أيضاً، شعرت به. لا... بل كان أسوأ بكثير، بكثير، بكثير اليوم. في لمح البصر، تحول عالمها بأسره إلى تدفق طاقي قوي بما يكفي لتدمير كل شيء—ومع تلاشي أنفاسها، أدركت أنه لو ضرب شيء كهذا الجبل نفسه، ل اخترق كل التشكيلات الواقية والمزارعين كأنهم أوراق ورق.
وحتى لو كانت تعلم أن هذا المكان سيصبح قبرها، فقد كانت غير راضية. أرادت التشبث بالحياة بيأس شديد لكنها عرفت أن الأمر بلا جدوى؛ فشيء كهذا لا يمكن تحديه. كان فعلاً يعود للداو نفسه، وستموت هي. ... ومع ذلك، لم تمت. بدا أن ذلك الشيء الصغير الذي أخرجه لو كي قد استوعب كامل طاقة الكائن العميق الهادر نحوه—ثم قذف بها إلى الخلف. هكذا ظنت، على الأقل. لأنه لم تكن هناك طريقة لأي إنسان—بغض النظر عن مرتبته—أن يتمكن من تتبع ذلك بعينيه.
كل ما عرفته هو أنه في لحظة ما، كانت تلك الومضة من الضوء تتجه نحوهما، وفي اللحظة التالية... اختفت. إلى جانب كل ما يمتد لأميال وأميال للأمام أمامهما. لم يكن هناك جدار كهف، ولا أشجار، ولا هضاب، أو تلال، أو جبال، أو أي شيء—كان الأمر مجرد امتداد لا نهائي من الغبار المسطح والمتطاير الذي ينتهي في ضباب.
كانت بالكاد قد بدأت تدرك الأمر عندما سمعت لو كي تمم بكلمتين جعلتا قلبها يهبط: "تباً".
وما إن سمعتهما حتى دخل عقليها في مرحلة عمل قصوى، وهيأت نفسها للصدمة، مستخدمة كل ذرة من طاقة الكي لتشعل نفسها وتثبت العالم من حولها. وحتى مع ذلك، عندما أصابتها، بدا الأمر وكأن وزن جبل بأكمله ضغط في روحها، ولم تكن هناك طريقة لتحمل ذلك. شعرت بقدميها تغادران الأرض وجسدها يُقذف إلى الخلف كصاعقة برق. اخترقت الجدران الرقيقة للكهف ووجدت نفسها تطير إلى العراء، وامتداد العالم من تحتها.
كانت الطاقة الهائلة استحالة لمقاومتها، لكنها بدأت شيئاً فشيئاً في تخفيف السرعة؛ وفي غضون عشر ثوانٍ أو نحو ذلك، توفقت محلقة وهي في حالة إهاق تام على ارتفاع مئة ياردة أو نحو ذلك فوق الصحراء. قُذفت إلى الخلف إلى تلك المسافة في غضون عشر ثوانٍ. رحلة استغرقت أيامهما لاجتيازها... في عشر ثوانٍ فقط. وربما كانت أقل من ذلك، إذ لم تكن متأكدة تماماً إن كانت عشراً أصلاً. وشعراً بالإرهاق يجتاحها، هبطت بسرعة، لاهثة بحثاً عن الأفق عندما فعلت.
استغرق الأمر أقل بقليل من ثلاثة أرباع مخزوناتها من طاقة الكي لتثبيت نفسها، وأخبرها فحص داخلي أن تلك كانت البداية فقط. كانت معظم أضلاعها مكسورة، وعظمة ترقوتها مشروخة، وذراعها اليسرى عديمة الفائدة تماماً حيث امتد الشرخ إلى كتفها، بينما دُمِّرت قدمها اليمنى تماماً، إما بكسر أصابعها الخمسة أو انتزاعها، مع التواء القدم نفسها إلى الخلف تماماً. سيتألم الأمر، أدركت ذلك حالما استوعب عقلها الواقع، لكنها لم تهتم.
كان من المفترض أن تموت—بأسباب عدة—لدرجة أن مجرد كونها على قيد الحياة كان ضربة حظ. التقطت بسرعة حبوب شفاء متعددة، ووضعتها في فمها قبل أن تجد مراهم شفاء وتطبقها على الجروح الخارجية. كانت طبيعة الإصابة غريبة بعض الشيء—فعلى الرغم من أن معظم جروحها كانت جسدية، إلا أن آثاراً ضئيلة من طاقة الكي الساحقة التي بدت كأنها أبطلت جزءاً من العالم ظلت فيها. كان استخدام طاقة الكي لإغلاق الجروح بسرعة أو جبر العظام أمراً مستبعداً—فلم تكن تمتلك سوى القليل من الخبرة في ذلك أساساً، وحتى أولئك الذين امتلكوا الخبرة كانو سينصحونها بالتريث في التعامل مع طاقة الكي غير الطبيعية فيها.
وعندما استقرت، انهارت على الرمال، غير مبالية بكونها حارقة. عاد عقلها لاهثاً إلى اللحظة التي ظنَت فيها أنها ستسقط ميتة، وإلى ذلك الرجل متعدد الحيل لدرجة أنها بدأت تتساءل عما إذا كان حقيقياً من الأساس. لم يكن أحد—ولا أحد—تعرفه لِيتمكن حتى من النجاة من ذلك الانفجار، ناهيك عن عكسه. ليس بوسائلهم الخاصة فحسب، بل بأي وسيلة كانت. لا أداة، لا سلاح، لا درع، لا فن — لم يكن هناك شيء تحت السماء تعرفه يمتلك القدرة على عكس ذلك.
كانت هناك وسائل لتخفيفه—تشكيلات، مصفوفات، وربما بضعة فنون—ولكن ليس إيقافه أو عكسه. ليس في ركنهم الصغير، على الأقل. قلقلت لحظة حيال مصيره لكنها هزت رأسها بسرعة؛ فإذا كانت لديه الوسائل لعكس ذلك، كانت لديه الوسائل لفعل أي شيء. كانت مسألة اختيار فقط، على ما ظنت. بالنظر حولها إلى الرمال التي لا تنتهي، لم تكن تعلم حتى مدى بُعدها عن أطراف الصحراء. ومع أنها امتلكت خيمة، إلا أنها كرهت التواجد في العراء—والآن وحدها أيضاً.
بغض النظر عن ذلك، اليوم... ستستريح. لن تتحرك، ولن تتكلم، ولن تزرع. بل ستجلس فحسب في صمت وتتفكر في هُوية ذلك الرجل. وفيما إذا كان طائفتها تعلم حقاً أي نوع من الجحيم جلبته تحت سقفها.