الفصل 455 أناشيد النجاة (٢)
ما الذي حدث للتو. تلك كانت أولى أفكار لونغ تاو حين شعر بارتجاف العالم قليلاً وبتدفق عاصفة طاقة في أقصى جنوبه الشرقي. استدار فورا نحو وجهة الاتجاه لكن أياً ما كان ذلك الشيء فلم يصله. على الرغم من ذلك كان شيئاً أطلق طاقة خاماً هائلة لدرجة قاربت مستوى الإمبراطور. لو أنه كان هناك ليواجهه مباشرة لما مات إلا بلا أي فرصة لإنقاذ نفسه. شيء يمكن الإحساس به ربما على بعد آلاف مؤلفة من الأميال وبصورة خافتة جداً كان...
مزعجاً. كان هناك سيناريو واحد لا يعد فيه مشكلة —معلمه. إن كان ذلك الرجل هو السبب في الأمر بطريقة ما فالأمر غالباً على ما يرام. وإن لم يكن؟ ... ربما يكون العالم أشد تعقيداً بعض الشيء ليتم حله مما ظن.
* * *
«ماذا؟»
تمتمت حين شعرت بشيء يهتز تحتها. حين حدقت بناظريها نحو العالم انخلع فكها في اللحظة التالية مباشرة—بدءاً من مركز الغابة المضيئة وشمالاً كان هناك... حسناً لم يكن هناك شيء. حيث وُجدت بعض التلال وغابة هائلة تفصل الغابة عن البحيرة الزرقاء صار هناك... لا شيء الآن. درب نظيف ومستقيم يمتد لنحو أربعة أميال عرضاً كما لو أن أحداً ضغط بظهر السيف الأكبر في الكون على العالم. هبت واقفة وتخلى قلبها عن نبضة؛
كان الأمر مستحيلاً. حتى لو وُجد ممارسون قادرون على فعل كهذا فلن يتمكنوا قط من دخول العالم—وحتى لو استطاعوا فلن يقدر على فعل هذا سوى الأباطرة ومن هم أعلى رتبة. ولم يكن هناك أي أباطرة حاضرين داخل العالم وذلك أمر مؤكد تماماً. لا... حتى هم لم يكونوا ليقدروا على فعله بهذه السرعة. لقد حدث حرفياً في طرفة عين. في لحظة كان العالم طبيعياً—وفي اللحظة التالية كان هناك جزء هائل منه مفقوداً.
إما أن أحداً في العالم يملك أداة يشتهيها حتى الأباطرة وإما أن ظاهرة أخرى لا يمكن سبرها قد حدثت. صحيح! لا يمكن سبرها! بسطت عقلها فورا لتتواصل مع أولئك الأذناب.
* * *
ما إن شعرت بعقلها يوخز بالاتصال حتى تنهدت وقطبت حاجبيها. كانت تعرف لماذا تتواصل معها العجوز الشمطاء لكن لم تكن تمتلك لها أي إجابات. كانت غالباً مذهولة أكثر بكثير منها إذ التقت فعلاً بعدد غير قليل من الأباطرة في مجرى حياتها. وعلى الرغم من وجود شخصيات ملكية وشامخة قادرة على محوها بفكرة فقد كانت على يقين تام من أن أياً منهم لم يكن ليقدر على فعل ما حدث للتو في العالم.
ليس بهذه السرعة على أي حال. لا بد أنه كان أداة ذات رتبة إمبراطورية على الأقل ومخزن فيها روح إمبراطورية متبقية وتسببت الروح نفسها في الانفجار الداخلي. ... على الأقل تلك كانت أفضل نظرياتها. لم تكن وحدها في محاولة الاتصال به بل وأبعد من ذلك بكثير—قريباً جداً صارت هناك العشرات ثم المئات من الاتصالات لكنه تجاهلها كلها. عوضاً عن الكذب أو الاعتراف بجهله سيتظاهر فحسب بأنه لا يستطيع التحدث معهم.
* * *
توقفت وان لان في خطواتها—ومثلها داي شيو—في اللحظة التي غمرت فيها ومضة الضوء بصريهما. شهدا العالم الذي كانا يقتربان منه من الجبال وهو... يختفي ببساطة. مساحة هائلة من الأرض امتدت أبعد بكثير مما يمكنهما رؤيته تبخرت ببساطة من الوجود. الأشجار والأنهار والتلال وحتى بضعة جبال—لقد تلاشت كلها في ومضة الضوء تلك. قبل أن يتمكنا من التحدث لتأكيد شكوكهما شعرا به—هبة ريح سرعان ما تحولت إلى عاصفة كان عليهما الدفاع ضدها باستخدام الطاقة.
كانا على بعد ألفين إلى ثلاثة آلاف ميل على الأقل من مركز الظاهرة المزعوم ومع ذلك كادت تكاد تقتلعهما من قدميهما وترسلهما طائرين. بعض الأشجار الأضعف على جانب الجبل اقتلعت من جذورها وقذفت إلى حيث لا يعلم أحد.
«... ألم تكن تلك... خاصة بالمعلم؟»
تلعثمت داي شيو بسؤال طرحته وان لان على نفسها أيضاً.
«على الأرجح»
أومأت برأسها.
«ذكرتني ذلك الوقت حين استخدمها لينقذنا حين غادرنا مسقط رأسّي».
«همم. أتظن... أتظن أنه بخير؟ أينبغي أن نذهب لنفحصه؟»
كانت وان لان لتكذب لو قالت إنها لم تفكر في الأمر أيضاً. لكن...
«أيّاً كان ما أصابه ما عكسه المعلم فلم ينج. أتساءل فقط عما يمكن أن يجعل المعلم يستخدم المرآة».
«... أتمنى أن يكون بخير».
«سيكون كذلك. لنذهب. هناك احتمال كبير بأن ينحدر الكثير من الناس نحو هنا الآن للتحقيق في الأمر. لا يمكننا التباطؤ وتفويت الفرصة عند البحيرة».
«همم».
* * *
«المعلم...؟»
تمتمت لايت بينما تحركت رايس نحوها ناظرة إليها بتساؤل. أكانت تفتقده فحسب؟
«أنا أفتقده أيضاً يا لايت. لكن قريباً—»
«—لا ليس ذلك»
قاطعته.
«شعرت للتو بطاقة المعلم تجتاح الطرف الآخر من العالم».
«هـ-هاه؟»
«أأنت... المعلم بخير؟»
سألت شينغ فينغ.
«همم»
أومأت لايت.
«لقد تركت جزءاً مني عليه. إنه حي».
«فوه».
«ما الذي حدث؟»
سألت رايس.
«لا أعرف»
قالت لايت.
«لا شك أننا سنسمع عن الأمر قريباً بما فيه الكفاية. لنذهب. لقد كدنا نخرج من هذا المكان».
على الرغم من أن رايس أرادت الاستفسار أكثر فقد قالت نبرة الفتاة إنها لن تجيب. وهكذا تبعتها فحسب متساءلة بصمت عما إذا كان المعلم يعلم أن لايت قد تركت جزءاً منها عليه...
* * *
هوه؟ استيقظ عقله المتعب من نصف الغفوة وتلصصت عينه السليمة الواحدة متجاوزة ظلام الحجر وإلى رحلة العالم الواسعة. هناك وراء التلال المتموجة والجبال وذلك القبر المزعوم لاحظ تلك البقعة الكبيرة من لا شيء. بقعة كبيرة بشكل مستحيل من لا شيء. وحالما مد رقبته للتحقيق شعراً بشيء يتلوى فوق قدمه؛ منزعجاً خفض الرقبة إلى الأسفل بالسرعة نفسها التي استطاعها والتي لم تكن سريعة جداً ليجد فحسب...
شيئاً غريباً. لم يكن هناك شيء على حد علمها. فقط كلمات محفورة في التراب. كلمات بلغة قديمة جداً لدرجة جعلته على يقين من عدم وجود شخص آخر يعرف شيئاً عنها. كانت الكلمات بسيطة ومرسومة بخشونة كما لو أن طفلاً فعلها ولم تخط سوى جملة بسيطة للغاية: لا تلمس السيد. كانت الكلمة الأخيرة خصوصاً أمراً غريباً إذ يمكن أن تعني عدة أشياء: سيداً أو أباً أو جنرالاً أو حتى معبوداً في سياقات بعضها.
ارتجف مدركاً أن أحداً قد تمكن من التسلل متخطياً دفاعاته التي لا تقهر وهو أمر لم يفعله أحد منذ عشرات ملايين السنين. وارتجف مرتين لأنه كان شيئاً عريقاً بقدمه ربما—إن لم يكن أقدم. وعلى الرغم من كونها جملة محيرة فلم يكن فهمها صعباً؛ فمن بين كل الأشياء التي يجب عدم لمسها كان يُخبر على الأرجح ألا يلمس أياً كان أو أياً من كان تسبب في ذلك الانبعاث الهائل للطاقة. لقد مات روح وأثار الموت غضبه ومع ذلك...
ظل ساكناً. كان متعباً وأكثر من متعب. لدهور خدم القسم وطالما ظل العالم موجوداً فسيكون مقيداً به. لم يكن العالم ليطول—في الواقع قد تكون هذه هي المرة الأخيرة التي يفتح فيها أبداً بسبب جمع الجشع الأهوج والغرور لدى أولئك الذين يملكون مفتاحاً. لقد تساءل حقاً كلما سمح له عقله المسن كيف تظل البشرية صامدة. الجشع الذي لا ينتهي والغضب والكره والصغار والغيظ... أسيجعله يعود؟ تساوى بينما التفت ناظراً إلى الكلمات التي ذكرته بأيام الحياة المبكرة البعيدة البعيدة البعيدة.
حيث كان مجرد سلحفاة بحجم كف اليد في بحيرة حين التقطهتا فتاة صغيرة وأخذتها إلى منزلها مغيرتاً حياتها للأبد.