الفصل 438 حكايات الدم (٣) أكره الصحاري. حقّاً، لتبقَ هذه البقعة في الجحيم. الجوّ حارّ، والضياء ساطع، ولا نهاية لها أبداً. هذه ليست صحراء عاديّة تبرد حرارتها مع حلول الليل، لا. هذه بقعة فريدة من الجحيم لا ترحل فيها الشمس قطّ، ولا توجد فيها سحابَةٌ قطّ، ولا مطر، سوى لفحات هواء خفيفة ومتباعدة تبدو سماويّة، لكنّها لا تزيدني إلّا إزعاجاً وأنا أرتدّ من استراحة خاطفة إلى الجحيم فوراً.
مع أني عرضت الخيمة على الفتيان، لم يرغب أحد فيها، وما هذا بمستغرب. هكذا توفرت لدينا على الأقل بقعة لنبرد فيها ونرتاح قليلاً قبل الانطلاق تحت لهيب الشمس مرّة أخرى. كنا نقوم بذلك تماماً في هذه اللحظة، إذ كان شي تشاو يدرس فنّ سيف أو آخر، وكانت الفتاة—بل المرأة؛
فقد لاحظت النظرة الكريهة التي ترمقني بها كلّما قلت «فتاة»، لذا آثرت احترام رغبتها.
على أي حال، كانت المرأة جالسة منطوية في زاوية، عيناها مفتوحتان دوماً، وتحدّقان فينا مباشرة وترتجفان كلّما تمدّدنا ولو قليلاً. إنصافاً، لقد مرّ يوم واحد فقط منذ حاولت قتلتي ولا تزال على قناعة راسخة بأننا سنردّ الصاع صاعين ونقتلها إن هي أرخت حذرها.
"حسناً، وقت الأكل"، أعلنتُ، ممّا دفع شي تشاو للوثب فوراً، بينما بقيت المرأة مكانه.
لقد ذكرت سابقاً أنها لم تعد تأكل طعاماً، لذا تركتها وشأنها.
"آه، بدأتُ أفتقد تاو ار. لقد كان طهّاتُه سيّئين، لكنّه بقي طهّاتاً".
"لا تقلق يا سيّدي"، قال شي تشاو.
"طعامُك جيّد بالمثل!".
"لا أدري أذلك مديح أم إهانة".
"هي هي".
"ماذا تُريد؟"
كان جلّ ما لدينا مؤناً جاهزة سلفاً لعدم وجود شيء اسمه حفظ الطعام الطازج في الحلقات المكانيّة. فالذبائح تتعفّن وتفسد تماماً كما تفعل في الخارج. وأنا واثق من وجود بعض الحلقات المكانيّة المزودة بميزة الثلاجة الفاخرة، مع أني أظنّ أني عاجز عن اقتنائها حتى بحالي هذه.
"اللحم المجفّف يكفي يا سيّدي"، قال شي تشاو بينما كنت أرتب بعض الطعام على الطاولة.
وتابع قائلاً: "آه، لقد نجحت في التقدم قليلاً بفنّ القطع. لكن... الأمر لا يزال غريباً نوعاً ما".
"أهكذا؟"
"همم. الطريقة التي يوجهني بها تبدو تماماً كالعكس تماماً ممّا يُعلَّم للسيّافين في القتال".
"حين تكون على درب السيف"، بادرته بالقول سريعاً.
"فلن تستوعب من الآخرين إلّا قدراً معيناً يا تشاو ار. وقبل فوات الأوان، أنظر في قلبك والتمس شكل السيف الذي تودّ أن تصبح عليه. لكلّ مرء دربه الخاص، وتشبّهك بالآخرين لن يساعدك قطّ في بلوغ طاقاتك الكامنة".
"همم"، أومأ برأسه، وبدا مستغرقاً في التفكير برهة.
أدركت أنه قد نما حقّاً؛ ليس فقط في كونه بات بطولي طول قامتي تقريباً، بل حين أتذكّر كم كان... غريباً حين التقينا للمرّة الأولى، فقد قطع شوطاً طويلاً. أعني، كان عالقاً في منتصف مراهقته تماماً، وأنا أرتقب انهيار تلك الفترة لا أكثر. في الواقع، يبدو الفتيان هادئين بصورة غريبة... فيما يخص التمرد. حتّى في سنّ شينغ فينغ، لم أكن سعيداً للغاية بفعل ما يأمرني به والداي، ناهيك عن الفترة التي دخلت فيها المدرسة الثانوية.
في الواقع، كنت أجد متعة في إغاضتهم لسبب لا لشيء سوى أنني قادر على ذلك. لقد كان حقّاً لي، إن صحّ التعبير، نظراً لما حملوه عليّ من شقاء الحياة. أجل. أنا لا أفتقد تلك الأيام حقّاً. أمّا هؤلاء الرفاق؟ أعني، لست غافلاً عن حقيقة أنني أدير طائفة هنا من منظور خارجيّ، لكني أتمنى حقّاً أن ينتفض في أحد الأيام أحد هؤلاء الفتيان أو الفتيات في وجهي. سأبكي، لكنّها ستكون دموع فرح لن يصدقوها، مما سيولد في أنفسهم شعوراً بالذنب المراهق النموذجيّ الذي يشعر به كلّما أثار الآباء إحدى القضايا الكلاسيكية.
أمّاي كانت تفضل دوماً عبارة، "كيف تجرؤ على مخاطبة أمّك هكذا؟"، إلى جانب العبارة الشهيرة واسعة الانتشار، "ستتذكر هذا حين أرحل!".
إنها أشبه بطقس عبور، بصراحة، أن تُشعَر بالذنب وتؤنب نفسك رغم كونك على حقّ. ولذا، أنا بانتظار ذلك.
"لعلّه المفتاح؟"، نطق شي تشاو بعد لحظات من الصمت.
"قال الأخ تاو أيضاً إنه ينبغي لي الإقلاع عن مراقبة السيّافين الآخرين فلن يتمكنوا من إعانتي في دربي".
صحيح. درب استلال السيوف المجنون. ما زلت عاجزاً عن تصديق أنه ماضٍ في خوضه حتى النهاية.
"يمكنك دائماً مبارزتها"، قلت.
"أ-أه؟!"
هتاف به معاً بصورة مفاجئة وباتفاق تام، ممّا أفضى إلى رمق كلّ منهما للآخر بغضب حالاً.
"لماذا لا؟ على الرغم من محاولتها قتلي، نعم، إنها شخصيّة مهمّة إلى حدّ بعيد. أعتقد ذلك. ألسْتِ كذلك؟"
"... أنا كذلك"، نطقت عبر أسنان مصكوكة.
"واو. أتتخيل قول ذلك عن نفسك؟ بصوت جاهر؟"
قلت.
"أفضل الموت"، ردد شي تشاو صدى كلامي.
احمرّ وجهها فجأة بينما أطلق الفتى ضحكة مكتومة حيال ذلك.
"وهل تتخيل--"
"--اعرف متى تتوقف يا تشاو ار".
"أ-آه".
"مع أنها صفاقة وتحب طعن الناس في الظهر"، لم أكن لآخذ الأمر ببساطة.
السبب الوحيد لعدم انتقامي هو إخبار النظام لي بضرورة إنقاذها. هذا لا يعني أني نسيت محاولة الاغتيال الحرفية برمّتها. لقد كانت كلماتي لاذعة على الأقل، إذ استمر تعبير وجهها بالتدهور.
"لعلها تعلم عن دروب السيف المتنوعة أكثر ممّا أعلم أنا نفسي. ومع أنه لا ينبغي لك التماس التوجيه منهم، فإن مراقبة كيفية قياس دربك الخاص والتصدي لهم قد تثبت جدواها وتنير بصيرتك".
"آه. قد يكون ذلك... مفيداً"، قال.
"لكن، أه... ماذا... ماذا لو قطعت رأسها عن خطأ؟"
"ماذا؟!! تقطع رأسي أنا؟!!"
أوه، لقد تمادينا في الأمر.
"هيا لنذهب، الآن! هيا أيها النذل الصغير! أتظنّ أنك صرت نداً لي لمجرد صدّك إحدى هجماتي؟!! إلى الخارج، الآن! لا بدّ لأحد أن يلقّنك درساً بائساً بما أن سيدك لن يفعل ذلك جلياً! هيا!!"
لقد فقدت صوابها حقّاً واقتحمت الخارج، تاركة شي تشاو يبدو عاجزاً إلى حدّ ما.
"كان ذلك من صنيعك"، قلت.
"... أنت من بدأ".
أهكذا؟ أهذا هو الأمر؟! روح التمرد الضئيلة! يا للهول، كيف ينتفخ القلب.
"اخرج الآن ودعهم يبرحونك ضرباً"، قلت مبتسماً برفق.
"أتراني أتركها تشبعني ضرباً؟"
سأل.
"آه. يا تشاو ار، أنا أحبك كابن لي"، قلت.
"لكنها كانت محقّة حقّاً لغضبها منك. هيا بنا. سيكون هذا المنظر جميلاً للمشاهدة حقّاً".