الفصل 420 هسيس الأسرار (٤)
كان لونغ تاو يحتسي زجاجة من شراب السواتا، وهو مشروب محلّيّ حامض يُذكّره بحليب السلحفاة العجوز. كان عليه رشوة الكائن بين الحين والآخر ليحصل على زجاجة واحدة فحسب، لكنّ الأمر استحقّ عناءه. لم يكن السواتا يقارب الجودة المطلوبة بأيّ حال، لكنّه ظلّ أفضل من معظم المشروبات الأخرى هنا. وبينما كان يرتشفه، راح مجلد ممزّق يطفو بكسل فوق أصابع ممدودة، صاعداً وهابطاً برفق. وكلّما أطال التحديق فيه، زادت رغبته في الابتسام.
بدا جليّاً أنّ معلّمه قد فكّر في فكرة ظريفة صغيرة وجعل فنّ الكاتدرائيّة برمّته متمركزا حول اليشم، ظانّاً على الأرجح أنّ ذلك سيحسّن قيمة الأسلوب قليلاً. لقد صدق ظنّه، فقد فعل حقّاً. المشكلة تكمن في أنّ معلّمه لم يكن ليدرك على الأرجح مقدار ذلك الارتفاع. كان لونغ تاو واثقاً من قدرته على بيعه مقابل مليوني أو حتّى ثلاثة ملايين حجر روحيّ متوسط الدرجة. تكمن المعضلة في عدم وجود سوى ثلاثة أو أربعة أشخاص قادرين على تحمّل مثل هذا السعر، ولا أحد منهم يمكنه الاقتراب منه عرضة، لعدم بلوغه القوة الكافية ببساطة.
هكذا أدى غرس طابع عليه إلى مشكلة؛ فلا يستطيع الذهاب إلى أيّ من الأماكن التي نوى قصدها، إذ سيبخسون ثمنه بلا رحمة مدركين عجزه عن بيعه بالطريقة السليمة، كما يتعذّر عليه اللجوء إلى القلة القادرة على شرائه، لسعيهم الفوريّ إلى القبض عليه، لاستجوابه على الأرجح حول مكان عثوره عليه. الفنّ نفسه، ورغم إبهاره، لم يكن ليساوي كلّ ذلك؛ فما هو إلا صلته باليشم حرفيّاً. فكرة معلّمه اللطيفة.
تنهّد، فجرّع آخر قطرات الشراب وانسلّ داخل الظلّ، مختفياً ببطء من مجمع النزل ومتشاباً في شوارع المدينة. حين كان صبيّاً، كانت هناك مدينة هنا أيضاً، لكنّها لم تكن هذه. بل كانت وكراً بلا قانون للفساد الأخلاقيّ، حيث تزدهر الحثالة. ابتسم بحنين طفيف نحو الذكريات، إذ جنى الكثير من المال بفضلها. بدا ضعيفاً ومثّل دور الضعف ببراعة ليبدو صيداً سهلاً. وعندما فرغ من المدينة، كان معظم المتبتلين سيئي السمعة أمواتاً.
توقف فجأة وقطّب حاجبيه؛ فعلى الشرق، على بعد أربعمائة ياردة تقريباً، شعر بطاقة مألوفة بشكل غريب. بعد تفحّصها لحظة أخرى، انشقّت شفتاه عن ابتسامة عريضة فاتّجه نحوها، متجاوزاً بعض الجواهر الرائعة حقّاً ليجد نفسه أمام كوخ متداعٍ لا يقيم فيه حتّى المتسولون. مع ذلك، كانت توجد بالداخل في تلك اللحظة مائة روح تقريباً، رغم وجود واحدة فقط ذات قيمة حقيقيّة. كانت بعيدة جدّاً عن موطنها، هكذا حدّث نفسه وهو يخطو خطوة للأمام مخترقاً مجموعات عدّة من مصفوفات الكشف المتراكبة فوق بعضها البعض.
بدا الداخليّ أنظف بكثير من الخارجيّ، بأرضيات مبلطة بدقة وجدران من الجرانيت، ممثلاً تناقضاً تامّاً مع الخراب الذي بدا عليه. تجاهل كلّ ذلك، صاعداً بضع درجات من السلالم ومرتدياً قناع الثعلب قبل بلوغ الطابق العلويّ، حيث كانت شخصية ملفوفة بعباءة تنتظر منهمكة في مطالعة بعض الرقوق. خفضت الورقة بينما ألغى لونغ تاو التخفي، ورغم عجزه عن تمييز وجهها، فقد استطاع إدراك ابتسامتها.
قالت: "يا للهول. وجه مألوف بسعادة في جحيم كهذا. أم إنّني أُجنّ أخيراً؟".
قال: "من يدري؟ ظننتُني كذلك للحظة عندما التقطتُ عبيرك".
قالت: "أوه؟ عبيري؟ يا لك من ساحر".
أدار لونغ تاو عينيه، متلفّتاً بكسل.
قال: "لا مزيد من الدمى؟".
قالت: "أوه، هي موجودة دائماً. مثل عناكب صغيرة، متناثرة في أنحاء المدينة. للجميع عيون وآذاب، أيّها الزميل المتبتل؛ ومن حقّي أنا أيضاً أن أملكها".
قال: "... لم أظنّ أنّ المهد يملك أيّ اهتمام بأمور كهذه في أقصى الشمال".
قالت، وهي تضع الرقّ جانباً وتنهض متجهة إلى خزانة قريبة، بينما تتلوى وتلتفّ أثوابها الرقيقة تحت أشعة الضوء القليلة الآتية عبر النافذة المجاورة: "حسنًا، لسوء الحظّ، عانينا كثيراً بفضل شخص ما".
قال: "من؟ أنا؟".
قالت ناظرة إليه: "همم. ألم تكن أنت من قاطعنا أثناء استعادة البذرة عبر تفجيرها؟".
قال: "رغم ودّي لو حزتُ الفضل، لم أكن أنا حقّاً. بل أحد أتباعك، إن أردتُ التذكّر بدقة".
قالت متنهّدة: "... أوه؟ الصغير هوا؟ آآه. يمرض العقل حقّاً حين يبدأون في إضفاء الأخلاق على أفعالهم".
سكبت كأسين بينما بدأ أحدهما يطفو باتجاه لونغ تاو. تفحّسه بعمق لكنّه لم يجد أثراً لأيّ شيء مريب.
قالت: "أظننتَ حقّاً أنني سأسممه؟".
قال: "العظماء يتربّصون بأيّ فرصة".
قالت: "... تحمّلتُ مخاطرة جسيمة بإخفائك عن الشيوخ. فقد جنّ جنونهم سعياً وراء المجنون الذي فجّر البذرة".
قال: "ومن كان يظنّ أنك تستطيعين قول الحقيقة ووفرتِ علينا الألمين معاً".
هذه المرة، تسلّلت قطرة من ابتسامتها متجاوزة القناع بينما أطلقت ضحكة قصيرة.
قالت: "لم تخبرني البتة لِمَ أنت بعيد جدّاً عن موطنك".
قال: "أخشى أنني لست في مجال كشف نواياي بسهولة. لمَ لا تخبرني أنت أولاً بسبب وجودك هنا؟".
قال مجيباً بصراحة بالغة أدهشتها على ما يبدو: "لدخول العالم".
في الوقت ذاته، أخذ رشفة وجرعة صغيرة من النبيذ، مستمتاً به قليلاً. لم يحبّ النبيذ قط، حتّى في حياته الماضية. لكنّ هذا كان هادئاً بشكل مدهش في طريقه نحو الحلق.
تساءلت: "لماذا... يشرع شخص بمرتبتك في دخول منافسة صبيانيّة ما؟".
قال: "لأنّ هناك أشياء بالداخل يجب أن أحصل عليها. ومن نبرة صوتك، يبدو أنك تبغين ذلك أيضاً".
تلاشت قناع اللامبالاة لتبدو يائسة نوعاً ما: "أتمتلك طريقة للدخول؟".
قال: "طريقة؟ معي الدعوة".
صمتت، شاربة الكأس بأكمله بجرعة واحدة قبل الانسحاب إلى مقعدها، غامزة أصابعها في ذقنها ومثبتة نظراتها في عينيه.
سألت: "ماذا تريد؟".
أجاب: "يعتمد على ما تريده مني".
بدت عابسة: "ماذا تقصد؟".
قال: "أتريد مني استعادة شيء ما لك ببساطة، أم تريد مساعدتي في إدخال شخص ما؟".
قالت: "لماذا يراودني حدس خفيّ بأنّ أياً منهما لن يكون رخيصاً؟".
قال: "أوه، يمكننا دائماً الاستمتاع بكأس النبيذ والذهاب كلّ في طريقه. ذلك النوع رخيص إلى حدّ ما".
قالت: "ساعدني في إدخال أحدهم. ماذا تريد؟".
قال: "عشرة ملايين حجر متوسط الدرجة وخدمة".
إن اختار التخلي عن الخدمة، فربّما قدر على سلبها مائة مليون على الأقلّ، لكنّ الأحجار الروحيّة كانت عابرة كدخان النار.
استفسرت: "أيّ نوع من الخدمات؟".
لكن مهما استفسرت، فحتى هو لم يدرِ تماماً بعد ما سيطلبه منها في النهاية.
قال: "لا أعلم. لكنّني أقسم ألّا يكون ضدّ موطنك، إن كان هذا ما يقلقك".
سخرت متراجعة للحظة قبل أن تتنهّد: "حسناً. خذ"، فرمته عرضاً بخاتم.
"يوجد عشرون مليوناً هنا. أدخل أحداً وأخرجه دون ملاحظة. يوم تفعيل المصفوفة، سيكونون عند المدخل مرتدين عباءات التابوت. أمّا بالنسبة للخدمة... فلن أخلف وعدي. لكن حسب طبيعتها، قد تكون تلك آخر مرة تجمعني بك تفاعلات ممتعة".
قالت: "أوه؟ ما حسبتك ممن لا يعدّ محاولة قتل بعضهما بكلّ الوسائل الممكنة أمراً ممتعاً للغاية".
ضحكت مستأنفة الرقّ: "ها ها. ارحل. أمامي قراءة مهمّة للقيام بها".
قال: "إلى اللقاء في المرة القادمة".