الفصل 414 أشودة اليشم (خمسة)
لم أكن أتخيل قط أنني سأتناول طعاماً مألوفاً إلى هذا الحد في هذا العالم — البيض واللحم المقدد. كلا، حقاً، كان هذا تماماً ما قُدّم لي في مطبخ النُّزُل الصغير (إذ كان أصغر من أن يُسمى مطعماً). لكن لكي أكون منصفاً، وحسب قول المرأة التي قدمته لي، فقد كان بيض طائر الجاين ولحم وحش الكوي، ولم يكن مقلياً بل منقوعاً ومسلوقاً، لكنه بدا كالبيض واللحم المقدد، وهذا كان كافياً بالنسبة لي.
أعني، لم يكن طعمه شبيهاً به قط — بل كان أقرب إلى لحم الضأن المسلوق أكثر من أي شيء آخر — غير أن القدرة على خداع الدماغ تكون مفيدة حقاً في أوقات كهذه. وبغض النظر عن ذلك، فما إن غصّبته ببعض الشاي الياسميني اللذيذ، حتى خرجت لأبحث عن لونغ تاو — لأجده واقفاً قرب السلم المؤدي إلى غرفتينا. وما إن رآني حتى توجه نحوي مباشرة، مما يعني أنه كان يملك ما يريد التحدث معي فيه أيضاً.
يمكنني تخمين أمر أو اثنين، إذ أستبعد جداً ألا يكون شخص مثل لونغ تاو مهووساً بالفضول. لقد انفتح أمامه فجأة مسار جديد من المعرفة؛ وأعلم أنه لو كنت مكانه، لكان لدي أكثر من مجرد بضعة أسئلة على الأقل.
لكن هذا يخدم مصلحتي، إذ إنه بمنحه إجابات واهية بمستوى المدرسة الثانوية عن تلك الأسئلة التي بلا جواب، قد يوافق أخيراً على بيع "فن جدي المفقود منذ زمن طويل"
في بعض أسواق المدينة السوداء.
قال رامياً سؤاله بوجهي فور أن خطوت إلى الغرفة: "لماذا تسقط بعض الأشياء أسرع من غيرها؟ أيعني هذا أن الجاذبية أشد قوة على الأشياء الأخف؟"
توقفت متردداً، فلست متأكدًا بنفسي؛ وحسب ما أذكره، لا فرق بين الأشياء في الفراغ الخالص. فكلها تخضع للتأثير ذاته. والسبب في أن تبدو أشياء معينة وكأنها تسقط ببطء إنما يرجع حصراً إلى مقاومة الهواء. ... لكنني لا أملك أدنى فكرة، ولا صفراً، ولا مثقال ذرّة، ولا أي علم إطلاقاً عن مقاومة الهواء.
أنا أعرف فحسب أنها شيء موجود و"يقاوم"
الحركة وما شابه، هذا كل ما في الأمر. وإن عرّفته عليها، فستكون لديه أسئلة. أسئلة لن أملك لها حتى إجابات بمستوى المدرسة الثانوية. ومع ذلك، لا أرغب في الكذب أو اختلاق الأكاذيب. لذا فالأفضل أن أكون صادقاً تماماً.
قلت: "الأمر ليس بسبب الجاذبية".
"ليس... كذلك؟"
"السبب هو الهواء".
"...!!!"
أشرقت عيناه فجأة كفوانيس المهرجانات اللعينة ليصيح مستطرداً: "صحيح! بالطبع! أولئك الحمقى المهووسون بالرياح كانوا على حق في شيء ما! لا... انتظر".
التفت فجأة نحوي ناظراً إليّ بغرابة.
"ألا يعني هذا أن الهواء أشد قوة من الجاذبية؟"
... لا أظن ذلك؟ قلبت الأمر في ذهني للحظة، مقدماً أفضل افتراض لدي.
قلت: "كلا. لهذا السبب تسقط الأشياء مجدداً إلى الأسفل، على الرغم من وجود الهواء".
أومأ قائلاً: "أه، صحيح. بالطبع. في سيناريو كهذا، فإن الجمع بين الاثنتين وعكسهما قد يغير وجه العالم محتملاً"، وبدأ تمتم بصوت عالٍ، يبدو أنه يحدث نفسه أكثر مني.
"إذن، يشبه الأمر نطاقاً بقوتين، حيث تضغط إحداهما نحو الأسفل بينما تقاوم الأخرى، ويتحول كل من يعلق فيه إلى لطخة لحم مسطحة".
"..."
تابع تمتمته قائلاً: "يمكن حتى إعادة النظر في الطيران. فبدلاً من استخدام التشي للدفع ضد القوة، ربما يتيح توافق شكل التشي بطريقة ما مع الجاذبية وعكسها إمكانية الطيران الطبيعي بلا استهلاك للطاقة؟ كلا، كلا — أتخيل أن معدل التحويل، حتى إن كان أفضل من استخدام التشي الخام، سيظل شرهاً للطاقة نوعاً ما. يا معلم".
"مم؟ نعم؟"
"عفواً"، يا للرعب.
"أتعرف كل هذا لأنك ورثت فنوناً قتالية من عائلتك العريقة؟"
"..."
صحيح، ها قد ظهرت، نظرة الطمع تلك في عينيه. لكنها هذه المرة كانت معززة في الواقع بنظرة هوس. أعني، أنا أُدرك السبب — معرفة مكتشفة حديثاً وما شابه. ومع ذلك، هذا لا يعني أنه ليس مخيفاً تماماً رؤيته يتصرف بهذه الطريقة.
أجبت بغموض: "ربما فعلت. حسب الظروف".
"على ماذا؟"
ضاقت عيناه حتى صارتا شقين.
قلت: "يتطلب الكيميائي المقيم لدينا بعض المكونات باهظة الثمن لتثبيت حبة دواء سنجدها جميعا مفيدة. غير أن تلك المكونات تكلف... حسناً، أكثر من اللازم. خطرت لي فكرة النبش في ميراث عائلتي بحثاً عن فن أو اثنين لبيعهما، وكنت أتساءل عما إذا كانت معرفة عائلتك الواسعة بالعالم تدلني على ما أبحث عنه كي لا نُلاحق كالزنادقة لاحقاً".
"وإن كانت معرفة عماتي العظيمات وثيقة الصلة بغايتك، أستعجل بالبحث عن تلك الفنون؟"
"قد أستعجل".
"مم".
"مم".
قال: "فنون الحركة مرغوبة دائماً، سيما خارج الطوائف. حتى وإن امتلكت الأحجار، فلا يمكنك شراؤها بالضرورة، إذ تميل كلها لتكون أسراراً محروسة بعناية. لنرَ... حسب عمتي الكبرى، فإن فن حركة من الفئة السماوية بقيود فضفاضة نسبياً يباع بنحو ثلاثمائة ألف حجر عالي الجودة في هذه الأرجاء. أيكفي هذا لشراء تلك المكونات الغامضة؟"
قلت مقطباً حاجبيّ: "قد يكفي. ألن يثير فن بهذا المستوى الرفيع... رد فعل؟"
"لحسن الحظ، علمني أبي عن مكان وطريقة لبيعه دون أن يقع أمر كهذا".
"يا له من حظ".
"مم".
قلت: "يجب أن أتمكن من العثور على فن الحركة بحلول الغد. أما البقية... فقد تستغرق وقتاً".
فقال: "مصفوفة الانتقال إلى الجبل مُعدة للتفعيل للمرة الأخيرة هذا الموسم خلال ثلاثة عشر يوماً. وإن كان ثمة ما تحتاج إلى شرائه أو بيعه غير ذلك، فالأفضل أن تجهزه كله".
تلك كانت كلماته الأخيرة حين غادر، تاركاً إياي في حيرة بعض الشيء. أكان يلمح إلى ضرورة ابتكار المزيد من الفنون ومنحها له لبيعها؟ أعني، أجل، تلك إحدى طرائق جني المال التي كنت واقياً منها دائماً، لكن السبب في ترددي المستمر أيضاً هو أن الأمر منحدر زلق. يكشف شخص واحد عن الفاعل، وحينها لن أنعم أنا أو الأطفال بيوم سلام آخر. وإن حدث تدفق مفاجئ لفنون عالية الجودة نسبياً خارج الأراضي المقدسة، فلا شك في ذني أنهم سيرسلون العشرات من الكلاب السائبة للتحقيق.
يمكن تفسير الفنون الفردية أو حتى ثنائية الإصدار بحصول شخص ما على حظ وافر في عالم سري أو قبر، لكن تدفقها باستمرار؟ أجل. سيثير ذلك الأسئلة التي لم أرد إثارتها. هاه. كلا، كلا.
لنصنع الواحدة الآن ونر ما إذا كان بيعها سيتم بسلاسة أم أن تعاليم "أبيه"
قد عفا عليها الزمن بشدة. حسناً. إذن، فن حركة من الفئة السماوية كحد أدنى وبأقل القيود. الأمر سهل إلى حد ما، ورغم أنني أجريت مؤخراً عملية إنفاق هائلة لنقاطي، إلا أنني ما زلت أمتلك أكثر من خمسة آلاف. لن يغير الفن المفرد الكثير، إن وُجد. خصوصاً إذا استطعت تحويله إلى ما يقارب نصف مليون حجر عالي الجودة. إذن، لقد حُسم الأمر. لنشرع في العمل.