الفصل 411 أنشودة اليشم (الثانية)
كان عقل لونغ تاو يغلي على نحو لم يشهده قط. ولأول مرة في حياته، هذه والسابقة، عجز عن النطق بحرف. وكل ما استطاع فعله هو الجلوس كالتمثال على الكرسي والتملي في وجه معلمه. ومع أن كل ما خرج من فم الرجل بدا عصياً على الفهم، فقد شعَر لونغ تاو بأنه يترابط بطريقة ما. وبدا هذا منطقياً أكثر بكثير من كل النظريات التي تمسك بها هو وغيره كثر تجاه تلك الأمور. تلك القوة الخفية التي تسحب كل شيء نحو الأسفل، والأجرام السماوية التي لا تبالي ولا تشعر...
جرع لونغ تاو ريقه بصعوبة، شاعراً بثقل معتقداته وهي تتداعى. وحتى لو بدا الأمر معقولاً، فقد ظل طوال تلك المدة مقتنعاً بأن هذين الاثنين كانا مجرد كائنات من العدم يتوجب عليه القضاء عليها. وتلك كانت غاية سعيه، والسبب الذي من أجله زرع طاقته، والدافع الذي جعله يؤمن بحتمية تجاوز الحدود التي لم يبلغها أحد قط—فقط لكي يتسنى له مواجهة تلك الأشياء ببريق ضئيل من الأمل في النجاة والخروج منتصراً.
"... أيمكن تدميرها؟"
أدرك أنه طرح سؤالاً غبياً إلى حد ما، لكن معلمه —إن كان قد شعر بذلك— لم يُظهر شيئاً على وجهه.
قال: "إنهما ليست أبديتين. شأنهما شأن كل شيء، تذبلان ببطء. ومع أن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً... فهما ليست خالدتين. ولكن فيما يتعلق بتدميرهما... لا، لا يمكنني الجزم بذلك. أَتتذكّر تلك النترات الضئيلة المتلألئة عند أطرافهما القصية؟"
أومأ برأسه قائلاً: "أذكرها"، مستحضراً ما ظنّه آنذاك أثر طاقة تشي.
قال: "تلك وحدها أكبر مادياً من كل العوالم مجتمعة."
"!!!"
"بل لعلها أضخم بكثير لدرجة أن إحدى تلك النترات الضئيلة قادرة على الإتيان على كل شيء، مخلفةً وراءها رماداً كونياً لا غير."
عضّ لونغ تاو على لسانه محتفظاً بأفكاره لنفسه. أكان ذلك ممكناً؟ أممكن حقاً أن تكون نترة ضوء واحدة تسبح حول الوحوش الهائلة ضخمة إلى هذا الحد بحيث تفوق حجماً كل ما عهده؟
قال حينها: "كيف إذن لا 'تبتلعنا'؟ إن كانت القوة التي تمدانها بالبأس بالقدر الذي تدعيه، فكيف نحن بخير؟"
بدا الرجل كأنه يملي تفكيراً للحظة ريثما احتسى رشفة نبيذ، وقال: "همم، لست متأكداً. ثمة احتمالات عدة. أولها، لربما كنا ببساطة خارج نطاق التأثير؛ فمع أن الثقوب السوداء ضخمة وجذبها أعظم، إلا أنه ليس بلا نهائية. والثانية، وهي المرجحة في نظري، هي أننا ضمن نطاقها ونتعرض للشد، بيد أن هناك شيئاً ما —أو شخصاً ما— يختلق قوة معارضة. إن كان هذان الاثنان جاذبين عظيمين، فثمة شيء —أو شخص— هنا يمثل طاردًا أعظم."
"..."
عبس لونغ تاو. أكان شخصاً؟ مستحيل. ومع أنه لم يظفر قط بلقب الأقوى عبر السماوات، إلا أنه لم يكن بعيداً جداً عن معاينة القمة. لقد التقى بسامي، أسلاف البلاط السماوي والأرجح أنه أقوى مزارع على مر العصور، مرة واحدة —ولوقت قصير جداً. ومع أن الرجل امتلك هالة جعلته يبدو أعظم من العالم نفسه وبدت طغيانه أشد بكثير من أي شخص آخر التقى به لونغ تاو، إلا أنها لم تكن ترقى قط إلى ما نفثه ذانك الوحشان الهائلان.
في الواقع، لن يقترب اتحاد كل الأباطرة والإمبراطورات عبر السماوات برمتها من مجاراة ذلك حتى. مما لم يبقِ سوى إجابة واحدة.
تمتم: "داو."
"..."
ظل المعلم صامتاً للحظة، ومأ برأسه برفق.
"محتمل. لكنني حقاً لست متأكداً. على الرغم من إدراكي ماهية تلك الأشياء، إلا أنني لا أعلم. فمكائدها، وطبيعتها، ومبادئها، والأهم من ذلك كله، صلتها بنا... تفلت مني كل تلك الأمور. قد يكون الأمر برمتّه مجرد وهم مسلط ضد العدم المظلم اللامتناهي؛ وقد لا تكون بنفس الضخامة التي أتصورها؛ وقد تكون مليون ونيف من الأمور الأخرى."
"..."
بقي لونغ تاو صامتاً يملي تفكيره. وإن صحّ ذلك، فهو على وجه ما مستبعد؛ فهما حقيقيتان، وهذا ما كان يعلمه علم اليقين. وعلى الرغم من إقرار معلمه بأنه لا يعلم عنهما الكثير، إلا أنه كان يعلم أكثر مما يعلمه الجميع مجتمعين. لقد أكد ذلك شيئاً ظل لونغ تاو يشك فيه لفترة من الوقت —فالرجل... لم يكن من هنا، سواء أكانت كلمة 'هنا' تعني المكان أم الزمان. لقد أتى من عالم لا يخطئ في خلط الأجرام السماوية برعب مبهم عازم على ابتلاع العالم.
لكنه أتى أيضاً من عالم يخلو من طاقة تشي —بل ويبدو مجرداً حتى من الداو.
قال لونغ تاو مسايراً الحديث: "ما عساه يحدث لو أن ذلك الشيء —أو شخصاً ما— توقف فجأة عن توفير تلك القوة المعارضة؟"
أجابه معلمه: "ذات المصير الذي يلاقيه كل ما رأيته حول الثقوب. سنُشفط إلى الداخل."
"كيف يبدو الداخل؟"
"لا أعلم."
"..."
قطّب لونغ تاو حاجبيه بينما أطلق معلمه ضحكة عاجزة.
قال: "لا أعلم حقاً. كيف لي أن أعلم؟ كيف لأي كان أن يعلم؟ بما أن لا شيء يستطيع الإفلات من الداخل، بما في ذلك الضوء، فمن المستحيل معرفة ما يدور في داخله."
قال لونغ تاو: "حسبما روت جدتي، هناك أكثر من شخص وجماعة يحاولون الاتصال بهاتين الغرضين، أو شق طريقهم خروجاً من السماوات نحوهما. وإن نجحوا بطريقة ما فيزاححة البريق الواقي، فسيتدمر كل شيء."
"أه، أجل. كما قولت."
"إذن، يقتضي المنطق أن يوقفهم شيء ما —أو شخص ما، أليس كذلك؟"
"أظن أنه يقتضي ذلك حقاً."
رسم لونغ تاو ابتسامة خافتة، مطلقا تنهيدة في سرّه. طبعاً، لن يقف معلمه مكتوف الأيدي ببساطة بينما يتعرض العالم الحرفي للتهديد. ومع أن المهمة قد تبلورت، إلا أن الغاية لم تتغير؛ فقد أدرك لونغ تاو دوماً أن جاره الأول سيكون هؤلاء الذين يحاولون 'إحياء' أو 'استدعاء' الوحوش الهائلة، حسب اعتقاده.
قال لونغ تاو: "عائلتك مثقفة جيداً يا معلمي."
"آه، لدينا نصيبنا هنا وهناك. ليست بمثل روعة عائلتك فحسب."
"بالطبع. لم أعم قط أنها كذلك."
"..."
ارتعش حاجباه وهو يحتسي رشفة أخرى من النبيذ.
"أيعقل أن الحكماء يحاولون فعل ذلك أيضاً؟"
قال لونغ تاو متخيراً عدم الخوض في التفاصيل أكثر: "مستحق الاستبعاد"؛
فأولئك الساعون لفتح العدم كانوا يقبعون في ذروة الفنون القتالية، على خطوة واحدة تقريباً من الأنشودة التي تليها. والحكماء؟ مع كونهم أقوياء بشكل غير معتاد بالنسبة لهذه البقعة من العالم، فمن المرجح أن غايتهم لم تتعدَ جمع ما يكفي من طاقة الحياة لإحياء أحد الشياطين القدامى أو ما شابه.
"شكراً لك يا معلمي."
"على ماذا؟"
"..."
اكتفى لونغ تاو بالابتسام، ثم نهض وغادر. على ماذا؟ لكونه صادقاً. كان بوسع الرجل بكل سهولة تظاهر الجهل، محتفظاً بمستوى ما من الوهم. وبدل ذلك، اختار تمزيق الستار وتعليمه شيئاً لم يعلمه أحد في هذا العالم. لم يكن بوسع أحد معرفته. من أين أتى معلمه؟ لم يكن ذلك مهماً. بل ما كان مهماً هو وجوده هنا، وامتلاكه للوسائل التي تعينه في رحلته. وفي يوم من الأيام، حين تصبح السماوات السبع آمنة من فساد الجشع، سيقصّ عليه كل شيء.
متى وُلد، وأين، وكيف كانت حياته، ومن خانه، ولماذا... وكان يرجو أن يبادله الرجل الصنيع—فيحدثه عن ذلك العالم الغريب الذي لا يعلم شيئاً عن الداو، لكنه يعلم مع ذلك عن الوحوش الهائلة الملتهمة لكل شيء وهي تهشم الواقع ذاته.