الفصل 399 ضغائن (6)
أرجوك... أرجوك لا تقتلني! ما اسمه يا ترى؟ لم يستطع يون تشي تذكره حقا. تداخلت وجوههم وأسماؤهم جميعا حتى صارت خليطا مهترئا من تعابير تبدأ بالغطرسة ودائما، دائما، تنتهي بالرعب والتوسل. أنا، أنا لم أكن أعلم... أنا، أنا أعطيك أي شيء! أحجار الروح؟ كنوز؟ لفائف؟ أنا... لي معارف مع سيّد الطائفة! أنا... أستطيع جعلك شيخا فخريا! بدا الرجل في العقد السادس من عمره، بشعر رمادي باهت يعلو رأسه ولحية مهذبة إلى حد ما.
حسنا، كانت مهذبة قبل أن يشتبك الاثنان في قتال. صار الآن يبدو كعجوز خرف يتمسك بآخر رمق من الحياة، ورداؤه المزركش ممزق ومتهرئ، وقد انتُزعت ذراعاه من جسمه بالكامل ولا تزال جذاعتاهما تنزفان. كل ما تذكره من الرجل أنه شيخ من طائفة سيف القمر؛ ظل يتتبعه لأشهر، بعد أن عرف مكان وجوده في مدينة كريستوفير في البداية. وفي النهاية، وبعد أن كان حذرا للغاية طوال تلك المدة، زلت قدمه، ظانا على الأرجح أن وقتا كافيا قد مضى...
أو ربما لكونه سئم كثيرا من حرمان نفسه من الملذات لفترة طويلة. كانا في واد عميق، على بعد نحو مئة ميل أو ما يزيد من طائفة الرجل، ورغم أنه حاول جاهدرا إرسال إشارات حتى أثناء القتال، فلم يصل أي منها. بدا وكأنه يعتقد أن واحدة على الأقل قد وصلت، فقد كان يستميت في كسب الوقت منذ برهة.
قال يون تشي وهو يمسح الدم عن نصله: "أنت سادسي. ومع كل رأس جديد أقطعه، أتساائل... كيف بحق الجحيم تمكن أي منكم من البقاء على قيد الحياة طوال تلك المدة؟ أنا متأكد تماما الآن من أن الحيلة برمتها لم تكن من صنيع الأراضي المقدسة أصلا. بل إنكم كنتم مجرد... بيادق. أمر مرعب حقا، لكنه مريح".
تمتم الرجل بترج: "أرجوك، فقط لا تقتلني، سأفعل أي شيء..."، لكن الأمر كان عديم الجدوى.
"إذن اقتل نفسك".
"م-ماذا؟"
قال يون تشي: "إن كنت لا تريد مني أن أقتلك، فاقتل نفسك. آخر فعل شريف في حياتك. ارحل بشروطك الخاصة".
"أ-أ-أيها الوحش! أَتظن أنك ستكون بأمان؟! هاه! حسنا! اقتلني، أيها الصرصور! أتحدّاك! لن ترى سوى البؤس طوال ما تبقى من حياتك!"
تنفس يون تشي الصعداء ونظر إلى أعلى متجاوزا جدران الوادي المنحدرة نحو السماء الصافية والزرقاء نوعا ما: "..."
كانت منطقة واحدة تفصله عنها، ومع ذلك كان الطقس هنا معتدلا... بشكل مدهش. على الرغم من أن الصباح والمساء كانا باردين بعض الشيء، إلا أن النهار كان مبهجا تماما.
قال: "بقي ثلاثة آخرون ممن علقوا في الحلقة؛ الشيخ النجم الوحيد من طائفة النجم السماوي؛ والشيخ سيف اليشم من طائفة خط اليشم؛ والشيخ زيمين من ملاذ الروح. أتراهم سيبكون أيضا مثل الأطفال ويتوسلون في النهاية؟ أم ستكون لهم أعمدة فقرية تقيم ظهورهم؟"
"أنا—"
لوى السيف فقطع الرأس، غير مبال بسماع الرجل يتحدث أكثر. تحول الجسد، ومعه الرأس، إلى رماد وتناثر في النسيم العليل فور الإبادة، دون أن يترك أثرا وراءه. أدرك أن طائفته قد أُخطرت بمجرد قتله للرجل، فانطلق هاربا بسرعة، حريصا على ألا يترك شيئا من أثره ليتعقبه أحد. اتجه شرقا أكثر، نحو الغابات الخضراء. كانت المساحة الشاسعة من الأرض هنا خالية حقا—فباستثناء طائفة سيف القمر، لم تكن هناك مستوطنة أخرى في دائرة نصف قطرها ألف ميل، وكانت أقربها مدينة القمر البعيدة.
ورغم أنه لم يزل هناك، فقد سمع أصداء أمور عظيمة حدثت قبل وقت غير بعيد. وحتى لو انتابه الفضول، لم يستطع العودة أدراجه إذ كان عليه تدبر أمره للوصول إلى هدفه التالي: الشيخ سيف اليشم. كان الأكبر سنا والأكثر دهاء على الأرجح في تلك الزمرة. وحتى قبل أن يبدأ يون تشي في إعدام شيوخ الأراضي المقدسة، نادرا ما ظهر الرجل علنا طوال ألف عام ويزيد. كان يشرف أحيانا على اختبارات القبول لتلامذة الطائفة الجدد، وما سوا ذلك، كان شبيها بشبح.
والآن بعد أن مات شيخ آخر، لم يكن مرجحا أن يغادر الطائفة أبدا؛ وحتى إن عجزوا عن معرفة من كان يقتلهم جميعا، فقد كانت هناك فرصة جيدة لأن شيوخ تلك المجموعة قد تعاونوا مرات عديدة من قبل واستنتجوا أنهم مستهدفون بعملية صيد انتقائية. أبطأ سرعته بمجرد مغادرته الوادي، ليخرج إلى سهل جاف وواسع. لم يكن حوله شيء لمسافات طويلة باستثناء بعض انخفاضات التلال وارتفاعاتها وبقع قليلة من الأشجار التي تكافح من أجل البقاء.
كانت الغابات الخضراء على بعد يومين تقريبا بوتيرته العادية، ورغم ذلك تحرك غير متعجل. فمهما بلغت سرعة وصوله، لن يغير ذلك الكثير؛ إذ كان لا يزال بحاجة إلى خطة، خطة محكمة، لكيفية استدراج الشيخ إلى الخارج. وحتى لو نجح بطريقة ما في إعداد طعم مناسب، فمن المستبعد أن يخرج الرجل وحده. ولهذا، وقبل أن يتاح للأمر أن يحدث، أدرك يون تشي أنه يجب أن يصبح أقوى—كان عليه اقتحام عالم السيادة، مهما تكلف الأمر.
كان على وشك بلوغ ذروة عالم أنصاف الملوك بالفعل، وظن أنه سيصل إلى هناك خلال الأشهر القادمة، لكن المشكلة كانت تكمن في أنه لم يكن يعلم كيف يخترق أي حاجز أبعد من ذلك. كانت أساليبه القتالية القديمة بالية ومخيبة للآمال، قل إن شئت، والعثور على طريقة تحتوي على مثل تلك المعلومات بطريقة ما... حسنا، لم يكن ذلك ممرا يمكن التخطيط له. مهما فكر بعمق، وبغض النظر عن مصادفة بعض المواريث القديمة التي لم تكن خطة يعتمد عليها، لم يكن لديه سوى خيار واحد: الانضمام إلى إحدى الأراضي المقدسة.
كانت تلك الجهات الوحيدة التي تمتلك أساليب تتيح بلوغ مراتب أعلى في العوالم، ورغم أنه كره الفكرة... لم تكن هناك طريقة أخرى. ستمثل الفرصة أيضا مناسبة لائقة نوعا ما لرؤية عدوه من الداخل؛
فقد عقد العزم يوما على محو نظام الطائفات برمته كما هو قائم حاليا، ومعاينة ما يواجهه عن كثب لم تكن أمرا "جيدا"
فحسب بل كانت إلزامية بالدرجة الأولى. استشعر حركة على بعد نحو خمسين ميلا إلى الشمال منه لكنه تجاهلها؛ فقد أرسلوا أحدا بسرعة نوعا ما، لكنهم لم يكونوا أقوياء إلى هذا الحد—إذ كانوا في ذروة عالم العالم الداخلي فقط. عزم يون تشي على تجاهلهم وتركهم وشأنهم، لكن بدا أنهم لم يخططوا لذلك؛ فبعد دقيقة بالكثير، كانت امرأة بدت شابة تحوم على بعد نحو مئة ياردة منه، مرتدية ألوانا غامضة تعبق بأجواء الغسق، وعلت وجهها نظرة جليدية مفعمة بنية القتل.
قبضت أصابعها بقوة على مقبض سيفها، رغم أنها لم تسله بعد.
قالت: "أيها الزميل الداويّ. أتمانع أن نتحدث قليلا؟"