الفصل ٣٦٦ أشباح المنجم (١٢)
منحتني هذه المهمة الجانبية الصغيرة التي هبطت علي فجأة من كبد السماء مئتي ألف حجر روح من الدرجة المتوسطة. مئتا. ألف. هذا اثنان وبجانبه خمسة أصفار. أترين هذا أيها النظام؟ هكذا تُكافأ المهام. لولا حرج الموقف لكنت عانقتها وقبلتها ووعدتها بأن ألمع تلك الدبوسة اللعينة كل يوم حتى ندفنها. بيد أن ملامح وجهها دلت على أنها ظنت نفسها الرابحة في الصفقة، مرجحة أن الطريقة التي رغبت في تعليمي إياها أغلى بكثير.
ولكن كيف بحق الجحيم كنت سأبيعها؟ لم تكن لتجلب سوى اهتمام زائد عن اللزوم وتثير أسئلة لا أستطيع الإجابة عنها. المال هو الأفضل، خصوصاً حين لا توجد مصلحة ضرائب لئيمة تفحص كل سنت منه. لا أحد يسأل من أين أتى، ولا ماذا فعلت لأكسبه، ولا أين أنويه؛ يهمهم فقط أن أسلمه إليهم لقاء أي شيء أحاول شراءه. أُفاجأ أحياناً بغياب بعض الأمور التي اعتدت عليها، والضرائب سالفة الذكر إحداها.
ما زالت محفورة في عقلي لدرجة أنني كلما حصلت على حجارة روح تكون فكرتي الأولى، أو إحداها على الأقل، هي مقدار ما ينبغي دفعه كضرائب، وهل هو معفي، وما إن كنت أنجو من عدم التصريح به، قبل أن أفيق وأدرك أن هذا الهراء غير موجود. حسناً، أنا متأكد من وجوده، فربما توجد ممالك وإمبراطوريات، بشرية وغيرها، تمتلك قانون ضريبة أو اثنين، ولكنني كمتجول حصيف لا أميل للعيش في أي منها.
فأي أمان ستمنحني إياه مملكة عشوائية لا يمنحه النظام، أو ذلك العجوز هناك الذي يرمقني بنظرات تشبه غولاً جائعاً؟ —أشم رائحة— —اصمت— قاطعته فوراً. —ستتوزع بالتساوي. لنأكل الآن، ثم نتحدث في الخيمة—. سبب ذكري للأمر هو ملاحظتي لاعتياده وضع آلية عزل صوتي تمنع أي شخص من التجسس علينا. وبما أنني كنت على وشك كشف وجود تشكيل الاستنارة... حسناً، لنقل فليعنني الملك، أو سيتبين أنه أتفه شيء على الإطلاق.
أكلنا سريعاً وافترقنا بالسرعة نفسها، إذ انسحب أفراد المجموعة الستة إلى "حمولتهم".
حقاً، أي إخلاص تملكه لتفعل ما تفعله؟ هل آمنت يوماً بشيء بهذا الإخلاص؟ في الوقت ذاته، دخل الصفاة، ولاو شون، وكيس الجبن العجوز ذاك، وأنا إلى الخيمة. رأيت لونغ تاو يعبث بشيء فوراً، وكانت تلك إشارتي. —انتظروا لحظة يا جمیع— قلت حين حاولوا التفرق إلى زواياهم. ثم نقبت في إحدى حلقات الفضاء واستللت كل مكونات التشكيل، إضافة إلى عدة رقوق تشرح طريقة إعدادها. —ساعدوني في نصب هذا—.
ناولتها لونغ تاو، ولاو شون، ووان لان. تناولها الثلاثة وفضول يملأ عيونهم، ليزول سريعاً ويحل محله ارتباك خفيف، حتى عند لونغ تاو. ربما لم يكن خبيراً في التشكيلات؟ —أهذا... تشكيل يا معلم؟— سألت وان لان. —نعم— أومأت. —بما أنه ليس سهل الإعداد، فقد انتظرت الوقت المناسب. ضعوا المواد في الأماكن المحددة، ثم نتحدث—. وبينما تعاملوا مع بقية المواد، التي تراوحت بين لحاء شجر مجفف أسود كالقطران وريحة صفراء كالبول صلبة كالحجر، رسمت دوائر ضئيلة للغاية في منتصف الخيمة وسكبت فوقها نحو عشرين ألف حجر متوسط الدرجة.
لحسن الحظ، وبدل أن تملأ الخيمة، امتصت الدوائر التي على الأرض الحجارة جميعها في طرفة عين، وبدأت تتلألأ بلون أخضر يشمي خافتاً. في الوقت المناسب تماماً، إذ عاد الآخرون بعد أن أتموا مهامهم. —أتذكرون الرقاقة الصغيرة التي تركتها لكم؟— أومئوا. —إنها مصممة للمساعدة فيما سنفعله على هذا الجبل. لذا، عليكم تعلمها سريعاً. وسيساعدكم هذا التشكيل في ذلك—. —كيف؟ وأي نوع من التشكيلات هو يا معلم؟— سألت داي شيو.
—يسمى مصفوفة الإدراك الزائل— قلت. —ولمدة ساعة بعد تفعيله، سيساعد في إدراككم للفن—.
—أوه!— للمفاجأة لم يتفاعل أحد بقوة، وسواء أكان ذلك لاعتيادهم على "معجزاتي"
أم لأن هذا لم يكن "معجزة"
حقيقية... فلم استطع الجزم. —لذا، ركزوا طوال الساعة القادمة على إتقان الفن قدر استطاعتكم—. —حاضر يا معلم!— توجهوا جميعاً إلى زواياهم. جلست قرب مركز المصفوفة، ووفقاً للتعليمات المنقوشة في عقلي، فعلتها. رغم امتلاكي فهماً طفيفاً له، قرر أن أمضي الساعة في التأمل فيه أيضاً. أفضل طي ركبتي والدراسة على أن تلبسني الأشباح. حسناً. ليكن ما يكون. ** جلس لونغ تاو في وضعية لوتس مريحة، وأغضى عينيه منتظراً.
ورغم فضوله الخفيف حيال ما يخطط له معلمه الباطني هذه المرة، تبين أنه أمر عادي نوعاً ما. ففي النهاية، كانت مصفوفات تعزيز الإدراك شائعة ومفهومة تماماً.
وعلى عكس الخيمياء التي شهدت تقلبات في الإتقان عبر التاريخ، عانت التشكيلات والمصفوفات "تحسينات مستمرة"
طوال العصور. وعليه، حتى لو نبش المعلم مصفوفة إدراك قديمة، فمن المستبعد أن تكون بالغة الجودة. بدأت الطاقة تنبض ببطء، وظهر نمط مألوف لمصفوفات الإدراك. كان ناعماً كاهتزاز وخز في الهواء.
ومثل هذه الخفقات من طاقة تشي ست "تحفز"
العقل، مانحة دفعة طفيفة في الصفاء. لكن... فجأة، تغير الأمر. لم يكن ناعماً، بل كان طاغياً، ولم يكن طاقة تشي... بل كان داو. راد لونغ تاو النهوض والمغادرة، لكنه عجز عن الحركة. كانت هناك لحن داو يُنشد بخفاء حوله، وبدا وكأن كل نغمة كانت غسلاً كونياً لعقله. تجرع غصة، وأغلق عينيه متخيالاً فن يين العقيم الطارد. شعر بأنه بات قاب قوسين أو أدنى من فهم طفيف، ولكن لحظة بروز إطاره في عقله، برز هو أيضاً.
كان عالماً جديداً خالياً من المادية، حيث بدأت الحروف والصفحات الهائلة للفن بالتشوه والتلوي حتى تحولت إلى كيان بلا ملامح يرتدي أردية سماوية. ثم تحدث الكيان، بصوت عميق ورنان، يتردد كالصاعقة في عقله. —يين ويانغ اثنان وواحد؛ كل منهما يلغي الآخر ويفعله؛ طرد يين هو احتضان يانغ، ورغم ذلك لا يمكن ليانغ. لإلغاء يين وطرده، يجب أن يقل القلب، ويجب أن...— أكان، أكان الفن نفسه يشرح له؟
في عقله؟!