الفصل 332 حقائق وأكاذيب (18)
بدا الامر غريباً. غريباً للغاية، ومذهلاً، وعجيباً. كلما اشتد قتال لو يوهان لذلك الفتى الغريب زاد ذهولاً لا خوفاً من الهزيمة بل إدراكاً لأن مواهب الصبي بلا حدود. لم ير في سني عمره قط أحداً يشبهه، حتى معلمه حكيم الحقيقة لم يبد متوافقاً مع السماوات مثل هذا الفتى. الجرح القديم في صدره يعني أن لو يوهان نادراً ما يقاتل، وما كان هناك سبب لذلك أصلاً. سمعته وحدها كانت درعاً واقياً ضد معظم العابثين، وفي المرات النادرة التي اضطر فيها للتدخل كان أي شخص يجرؤ على معارضته يموت بنفخة إصبع واحدة.
لكن الفتى لم يمت. كان يتصدى بهدوء ويصد الضربات، أو يتلقاها إن عجز عن تفاديها، حارصاً على أن تخطئ مقتله. مهما ألحق لو يوهان من جروح طفيفة، كان الفتى يشفيها كلها. كأن بحوزته كومة لا تنفد من حبوب الشفاء. ليس حبوب الشفاء وحدها بل حبوب استعادة الطاقة أيضاً. هذه المحنة برمتها غريبة، أولئك الأطفال وذلك الرجل، كأنهم أتوا إلى هنا لهدف واحد هو معارضته. لكن ذلك مستحيل. عمق عبوسه بينما انحرفت خناجره الملطخة بالظلال مرة أخرى، لم تكن مجرد ساحة بل كان هذا عالمه.
سيادته، حتى لو كانت نسخة باهتة من السيادة الحقة. لقد أدرك النيفرانا مرة من قبل، وتنعم لفترة وجيزة بحكم مبادئ السكون، ومع ذلك استمر الفتى. لم يفعل أحد غيره ذلك، حتى حين أصيبت روحه النيفرانية وجاءوا في إثره، لم استطاعوا اختراق ظلامه. كانوا عميا عنها تماماً، سحة النظام. لكن فتى مجهولاً اخترقها؟ لا مجال لذلك! لا بد أنه نوع من القطع الأثرية! نثر الظلال في مختلف أنحاء الظلام الزاحف مرة أخرى وأمسك بها، بدأ الندم القديم يؤلمه.
مع أن الحفاظ على الظلام لم يكن بالغ الصعوبة، إلا أن التحرك المستمر في أرجائه واستخدامه لإخفاء الهجمات كان أمراً شاقاً.
قال الفتى وابتسامة خافتة ترتسم على محياه كأنه لا يأخذ هذا القتال مأخذ الجد: "أنت تكبح جماحك كثيراً".
"أشك في أن السبب هو لعبك بي أو منحك إياي فرصة لعرض كل ما أعرفه قبل الموت. يطرح هذا تساؤلاً... لماذا؟".
عمق عبوسه مرة أخرى، لم يكن ذلك الفتى عادياً. بل لم يكن أي منهم عادياً. كان عليه قتلهم جميعاً يوم رأى ذلك الفتى الآخر يطلق هجوم شخص لا يناسب ضعفه على الإطلاق.
سأل لو يوهان: "من أرسلك؟".
كان له أعداء كثر داخل النظام وخارجه. ففي النهاية، كان هو الآخر نجماً عابراً يدهس الجميع في طريقه نحو القمة.
"أكانت...".
"سأقطع عليك قولك هنا"، قال الفتى.
"لم يرسلني أحد. والحقيقة، وسواء أصدقت ذلك أم لا، لم نأت إلى هنا من أجلك".
طالما ظل يتحدث... فالأمر بخير. سمح ذلك لو يوهان باستعادة القليل من طاقته وإبطاء حدة الهيوج.
"مع ذلك، التفكير في أن سيد مدينة في بلدة نائية منسية على ضفة بحيرة هو أحد الحكماء...".
"..."
لم يفاجأ لو يوهان بكون الفتى يعلم، أما كيف علم... فهذا ما عجز عن إدراكه. النظام، خصوصاً في القرون القليلة الماضية، لم يعد منزوياً كما كان. تماماً مثلما أرسل إلى هنا، كان هناك أعضاء آخرون، بل وحكماء أرسلوا إلى أماكن أخرى، وكل ذلك للتبشير. كانت مهمتهم أسمى من أن توصف، وقد اقترب فجر الاعتراف بها.
"مم؟ أو يبدو أن ابنتك قد فقدت صوابها حقاً".
"...!"
نظر لو يوهان إلى ما وراء الظلال ورأى ياوين تستحضر الرمح الجحيمي، كاد يخترق كل شيء ليوقفها، لكن سيفاً حال بينه وبين رغبته.
"أيها اللقيط!".
"لم تكن هكذا دائماً، أليس كذلك؟"
سأل الفتى فجأة، وقد غلف صوتَه... شفقة.
"كانت موهبة جيلها، مشرقة وفضولية، لكنها أصبحت الآن... مترددة. كأنها معلقة بين الجنون والوعي".
"أ-أنت...! كيف عرفت ذلك؟!!".
قال الفتى بينما شعر لو يوهان بعالمه يتهاوى ببطء: "حظيت بشرف تجربة عذاب دودة الدماغ مرة".
"مم؟ أو. لا اعتراض حتى؟ يبدو أنني منحتك بصيصاً من الوضوح".
"لا... لا... لا يمكنهم... ليس ياوين...".
"أي نظام راسخ، مهما بدا مقدساً على السطح"، تابع الفتى.
"هو سيان. أولئك الذين في السلطة يفسدهم الجشع ويصبحون غير راغبين في التخلي عنها. متى رأوا بضعة قادرة على اقتلاعهم من جذورهم، فإما أن يجلبوها إلى صفهم أو يدمروها. ولهذا...".
قاطع لو يوهان بصوت يخلو من المشاعر: "حسبك. لسانك سموم يا فتى. لكن... حتى لو كان صحيحاً... حتى لو كانت ياوين تحت تأثير دودة الدماغ، فكل ذلك في سبيل غاية. إن كان لزاماً عليها الموت فلتَمُت. وإن تطلب الأمر فأسير أنا أيضاً على دربها".
ضحك الفتى ساخرا: "يا للهول، أنتم فعلاً طائفة موت، أليس كذلك؟ حسناً، لا يهم. أياً كانت الحقيقة، ستفنيان كليكما اليوم".
"هاه. ها ها ها ها. أتساءل حقاً، ما الذي يمنحك هذه الثقة؟ ندبتي؟ أظنك تظن أنني إن امتنعت عن القتال خشية تفاقمها فلن أستطيع سحقكم جميعاً براحة كف واحدة؟".
"ممم. ربما قبل بضع أيام استطعت ذلك...؟"
بدا أن الفتى يقلب الأمر بجدية، وهو ينقر بإصبعه على مقبض النصل.
"آه، نعم، تلك الليلة الملعونة. كدت أموت حينها. لقد كانت تستحق العناء تقريباً، رؤية المعلم يفقد صوابه هكذا. آه، لقد بدأت أناديه بالمعلم بكل طبيعية. ألديك دودة دماغ مرة أخرى؟".
عما يتحدث؟! كان هناك خطب جسيم، وتفاقم الأمر عندما هبط بصره في اللحظة المناسبة ليرى هول الاصطدام. طارت ياوين إلى الوراء كقذيفة مدفع، وقد انتزعت ذراعاها، بينما مزق جسدها عدة مبان في المدينة. بدأت المنصات تنهار وتحولت البحيرة أسفلها إلى بركة دموية، مع بقع سوداء تطفو على سطحها. المئات منها. الجميع ماتوا أو يحتضرون. وكل ذلك على أيدي أطفال. وكل ذلك على أيدي رعاع قرويين. وكل ذلك على أيدي نكرة.
"حسناً إذن".
أخذ نفساً عميقاً. لقد انتهى الأمر. طموحه في هذا المكان قد تبدد، وسينتشر الخبر وسيأتون. محاولته اليأسية لتحديد موقع الحارس ومحاولة محو تلك الندبة اللعينة، طموحه في ترقية ياوين لتصبح حكيمة أولى، كل أحلامه ترقد الآن مبعثرة كورود ذابلة بعد عاصفة. لقد ضاع كل شيء. على أيدي هؤلاء النكرة.
قال بينما بدأ الظلام يلتئم داخله مجدداً: "دعني أشهد حقاً... مدى صمود غروركم المتناهي. اسمي لو يوهان، ولقب الداو الخاص بي هو الحكيم الصامت. لقد عشت وتخبطت في حقبة الألفين وثمانمئة وثمانية وثلاثين عاماً، محققاً النيفرانا ومكتسباً الداو في العام ألف وتسعمئة وتسعة وثمانين من عمري. أحتل المرتبة الثالثة والخستين بين الحكماء، وقد عوقبت على خطيئتي قبل أن يتسنى لي إثبات نفسي. لقد أوقظتم غضبي اليوم، وسأروي به غليلي بدمائكم. اشهدوا خالداً حقيقياً، أيها الحثالة الأوباش البرابرة".