الفصل 315 حقائق وأكاذيب (1)
لم يستيقظ بعد. كان يرقد على فراشي منذ نحو عشر ساعات، ويغطّ في نوم عميق. فكرت في صفعه لأوقظه، لكنّي عدلت عن ذلك؛ فقد كنت منغمساً للغاية في اختبار حدود فن الروح المندفعة لدرجة أنّه لم يعد في وسعي الاكتراث بالطهّاخ العجوز. وعلى ذكر الطهاة، أظنّ أنني أبليت بلاء حسناً. يا للهول، هذا الفن رائع حقاً! إنه يعالج الجروح السطحية بسرعة، ومع أنني لا أجرؤ على طعن نفسي في الكلية أو ارتكاب حماقة كهذه لاختباره، إلا أنه ينبغي أن يكون مفيداً في مثل تلك الحالات أيضاً.
وبافتراض أن هذا مجرد إتقان طفيف له، فكيف سيكون الحال عندما أبلغه مرتبة الكمال؟ أو ربما أتجاوزها بطريقة ما؟ ألن أتمكن من إعادة إنبات أطراف جسدي دون الحاجة إلى أي حبوب قطّ!... حسناً، ربما لا. أظن أنه ببساطة فن فريد نوعاً ما، وسيكون مكملاً لا بدبلاً للحبوب. لكنني سعيد لأنني صنعتُه، فقد جعلني أدرك أمراً مهمّاً: ربما يكون الأفضل لي أن أركز على فنون المنفعة، وأن أُحاول بطريقة ما ربط فهمي للعالم الذي امتلكته على الأرض بهذا العالم.
تفرّق حبل أفكاري على وقع أنّة متألمة؛ فالتفتت لأرى العجوز وهو يستعيد وعيه، وقد بدا وجهه مظلماً ومشوهاً، لا سيّما حين استوعب محيطه بالكامل.
قال: "ما هذا بحق الجحيم؟!"
قلت: "هذه غرفة نومي".
قال: "أ-أنت، كيف لا تزال على قيد الحياة؟! ألم أسمّمك؟!"
بدا وكأنه يحاول استدعاء طاقة تشي، لكن دون جدوى. أنا متأكد تماماً أنه ما من أحد في نطاق خمسين ألف ميل على الأقل قادر على فك نقاط الوخز التي أغلقها لونغ تاو.
قلت: "أجل، أجل، أجل. انض ُ عن ذلك. لدي ما هو أهمّ لأسأل عنه--"
قاطعني صارخاً: "--أيها النذل! ألا تعرف من أنا؟! أنا شيخ في طائفة الزهور المائة! إن حدث لي مكروه، فستذوق أنت وسلالتك بأسرها غضب الأرض المقدسة! أطلق سراحي فوراً وسأمنحك موتاً سريعاً--"
تردّد صدى صوت صفعة مدوية.
"أ..أأنت تصفعني الآن؟! أيها النذل--"
تبعتها صفعة أخرى.
"كيف تجرؤ--"
يا له من أمر.
"توقف--"
لقد كان الأمر ممتعاً نوعاً ما، بصراحة؛ فقد مرّت عليّ أوقات كثيرة على الأرض أردت فيها أن أهشم وجه عجوز يتطلب الاحترام لمجرد أنه عجوز، لكن جلّ ما استطعت فعله كان إبداء إبعاده بإصبع وسطى. أخيرًا اخرس، بينما بدأت وجنتاه بالتورم. لا يزال السم يملأ عينيه، بالطبع، لكنه صمت على الأقل.
قلت: "مم. كما قلت، انسَ أمر كونك شيخاً للحظة. وأخبرني... أيّ مقبرة إمبراطور سرقت، ها؟"
"... ماذا؟ عَمَّ تتحدث؟ إمبراطور؟"
ظهرت لكنة ثقيلة في صوته، يرجح أنها بسبب عضه لسانه مرة أو مرتين أثناء صفعي له.
"أأمثالك من الحمقى المجانين يجرؤ على أسري؟! هاه! انتظر فحسب! عندما تأتي الطائفة--"
تردد صوت الصفعة الجميلة مجدداً، فصمت ممسكاً عن الكلام، وبحلق فيّ نظرات حارقة.... هل يُعقل؟ ألا يعرف حقاً أنه سرق مقبرة إمبراطور؟ الواقع أنه يرجح ذلك. لا أظن أن غالبية الناس يظنون أنهم دخلوا مقبرة إمبراطور حين يعثرون على مكان عشوائي. لكن الأمر لا يهم في النهاية.
قلت: "من أين حصلت على فن خطف الروح؟"
لفتّ ذلك انتباهه إذ تيبس جسده بأسره، وتشوهت ملامحه حتى تحت التورم والكدمات.
"م-م-ما الذي تتحدث ع-ع-عنه...؟ م-ما هذا؟"
ابتسمت وقلت: "أهلاً، ألا تعرفه؟ إنه الفن الذي استخدمته للسيطرة على جسد شيخ من طائفة الزهور المائة. إنه فن يحكم على روحك بالفناء التام حين تموت. إنه فن عثرت عليه في مكان ما، وأود منك أن تخبرني بمكانه".
"...!"
بدا مذهولاً تماماً، ولم أكن ألومه حقاً. أعني، لولا النظام - أو ربما لونغ تاو أيضاً، على ما أظن - فأنا متأكد تماماً من أن أحداً غيره لم يكن ليتمكن من كشفه أيضاً. أظن أنه أقام في ذلك المكان لفترة من الوقت، ولعل ابن الرجل نفسه لم يلاحظ الفارق، فما بالك بأي شخص آخر.
قال: "إ-إذا أخبرتك... ه-هل ستتركني أذهب؟"
قلت: "أجل، لا أظن ذلك. لماذا حاولت قتلي أساساً؟ أنت لا تكترث حقاً لأمر 'ابنك'، أليس كذلك؟ أكان الأمر من أجل السفينة الحربية؟"
قال وهو يصكّ على أسنانه: "لقد كان ابني".
قلت: "أوه".
تابع قائلاً: "لقد ورث مواهب الجسد لا مواهبي، وكان أمامه مستقبل مشرق".
قلت: "... لا أظن أنه كان كذلك، رغم كل شيء؟ أيّ شخص غبي بما يكفي للتجول محاولاً قتل غرباء عشوائيين لا يمكن أن يكون عاقلاً بالقدر الكافي لتجاوز حدود المحسوبية. عاجلاً أم آجلاً، كان سيثير غضب شخص لا ينبغي له إغضابه ويلقى النهاية ذاتها".
قال بغضب: "أنت لا تعرف شيئاً!"
هززت كتفي وقلت: "... أنا لا أعرف حقاً. والحق يقال، أنا لا أكتراث حقاً. ليس بأمره وبالتأكيد ليس بأمرك. بصراحة، لا أهتم كثيراً حتى بالمكان الذي عثرت فيه على فن الخطف. وباعتباره أحد أبشع المحرمات ضد السماء، فلماذا أجهد نفسي في البحث عنه؟ لكن، حسنٌ، أنا بشر في نهاية المطاف، والفضول يجري عميقاً في عروقي".
قال: "اقتلني وحسب. لن أخبر حثالة مثلك بشيء أبداً".
قلت: "هووه. عادل. ظننت حقاً أنك ستسعى للمساومة لفترة أطول قليلاً".
قال: "لن تدعني أعيش قط".
قلت: "لن أفعل. ولكن مع ذلك، للموت مراتب".
قال: "هاه. ماذا؟ أتهددني بمنحي موتاً بطيئاً مؤلماً؟"
هززت رأسبي نافياً وتنهدت: "أنا؟ لا. أخشى أن معدتي لا تزال أبعد ما تكون عن التحمل لمثل هذا الأمر. بالكاد أستطيع هضم موت البشر العاديين، فما بالك بموت بطيء ومؤلم. لكن الأمر لا يهم".
تقدمت نحوه وأمسكت بيده، واضعاً إصبعي في الموضع ذاته الذي يتحسس الناس فيه النبض.
زمجر قائلاً: "م-ما الذي تحاول فعله؟!"
حين أرسلت شظية صغيرة من طاقة تشي داخلي نحوه، مهبطاً بها بسرعة نحو الدانتان. تحطّم وهم الملك الجزئي حين انزلت تلك اللحظة عبر الغشاء ودخلت الحقيقيّة، حيث تقطن روح مبهمة لـ... شيء ما، تحاول بيأس الالتواء لتشكل نواة لكنها تفشل. وفي أعماقها العميقة جداً، أبعد بكثير من إدراك العين وحتى إدراك طاقة تشي، شعرت بها - أثر ضئيل للغاية. بالكاد لامستها حتى انطلقت صاعقة من الكهرباء في عقلي، دافعة إياي إلى الطيران للخلف والاصطدام بالجدار بقوة أفرغت رئتيّ من الهواء.
لم أكد أهبط حتى انفتحت أبواب الغرفة على مصراعيها، واقتحم جمع غير قليل من الأجساد صارخين، ليعمدوا جميعاً إلى الإمساك بالعجوز والشروع في تهشيم وجهه.... هه. لقد فعل هذا الرجل أمراً إما بالغ الغباء وإو متهور بشجاعة. لقد سرق مقبرة حكيم حقاً.