الفصل 358 أشباح المنجم (٤)
لم يتغيّر الكثير في أيامنا بعد انضمام الغرباء الستة؛ باستثناء عجز الأطفال عن التمرّن والمبارزة بالشكل اللائق واضطرارهم لتأدية مسرحيات صغيرة في كل مرة فعلوا فيها ذلك، ظلّت الأيام على حالها. كنا نتأمّل طوال الليل ونتناول الفطور المبكر الذي لم يفوتوه أبداً، وبعده 'يتمرّن' الأطفال قليلاً، ثم ننطلق على الطريق. إن الحق يقال، لقد دفعت لنا المرأة؛ في الواقع، ألقت إليّ بعشرة آلاف حجر روح متوسط الدرجة في اليوم الأول لـ 'تغطية تكاليف الوجبات'.
كان الأمر يذكّرني بتلك العبارة السخيفة، 'إنها موزتان وحسب، كم قد تبلغ التكلفة، عشرة دولارات؟' إذ لا يسع الأثرياء حقاً سوى إلقاء المال ببساطة هكذا على أمر 'زهيد'. غير أنني أتفهم الأمر في قرارة نفسي؛ قبل أن أحظى بوجبة لائقة في هذا العالم، وبينما كنت أقتات إما على الحبوب الباردة أو أطباق الأرز الخالية من البهارات، لكنت بذلت كل ثروتي في مقابل طبق شوربة ساخن واحد يحتوي على ملح.
وحين تحصر طعامك في اللاشيء لفترة طويلة، تصبح الوجبة اللائقة شبيهة بالعثور على مدفن أثري مليء بالكنوز شديدة القيمة. بغض النظر عن الوجبات، مع ذلك، لم يتفاعلوا معنا قط؛ فقد انطووا على أنفسهم، محيطين ما كانوا يحملونه في العربة بسرية بالغة. وجدت الأمر غريباً، بصراحة، إذ لم يكونوا يتظاهرون بكونهم بشراً فانيين--لماذا لم يحشروا كل تلك الأشياء في خاتم مكاني ويخلصوا أنفسهم؟
للحظة، ظننت لعلهم يتاجرون بالعبيد أو ببعض الوحوش الشيطانية أو ما شابه، لكنّ أياً ما كان مخبأً تحت ذلك القماش الغريب لم يكن يُرجح أنه حيّ. بالطبع، لم أتكلف عناء التحقق بحسي السماوي، إذ تكاد تكون يقينية عندي أنها ستدرك الأمر فوراً وتغرس حربة أو ما شابه في مؤخرتي، ولكن نظراً لعدم وجود أي علامات حركة لأيام، أُجازف بتخمين أن ما تحت ذلك الغطاء لم يعد من الأحياء. أما عما يكون...
فأنا لا أهتم حقاً، بصراحة. لا، أنا لا أُريد أن أهتم، إذ ينطوي الأمر على شخص أفضّل مفارقته بأسرع ما يمكن. ورغم ذلك، ورغم جنون ارتيابي الذي بلغ مداه بحلول هذه النقطة، لم يفعلوا شيئاً سوى مشاركتنا الطعام، والثرثرة حول الطقس وما شابه، ثم تجاهلنا طوال الوقت بين ذلك رغم السفر 'معنا'. بعد عبور النهر بقليل، تلاشت أي علامة للأشجار، حتى على الأفق، تماماً. كانت الأرض منبسطة على مد البصر، رغم أنني، دون استخدام طاقة تشي، لم أكن قادراً على رؤية أبعد من ذلك بكثير.
ربما في منتصف النهار، غير أن الصباح والمساء والليل شهدت جميعها هبوط ضباب غريب، رغم أننا لم نكن في الواد. الجزء الأكثر إثارة للكابت بالقطع، هو أنه حتى بعد أيام من السفر، لم يتغيّر المشهد أبداً. بدا الأمر وكأننا نمشي في مكاننا، دون تحقيق أي تقدم. الطريقة الوحيدة التي أمكنني بها 'التعرّف' على حركتنا كانت من خلال بدء حواف البحيرة في الانحناء ببطء نحو الشرق أكثر، مما يعني أننا كنا نقترب من نقطتها الأكثر شمالاً.
مرّت نحو خمسة أيام على لقائنا بالستة حين صادفنا نهراً آخر--نهر الحصن العائد، هكذا قالت المرأة التي قدّفت نفسها باسم 'مين' إنه يُدعى. وهناك أيضاً بدأ شاطئ البحيرة يستوي، إذ كان هذا مصب النهر، النقطة الثانية الأبعد نحو الشمال. ستكون المسافة بين هذا النهر والذي يليه مسافة بين النهر التالي وأقصى الطرف الجنوبي لسلسلة الفراغ السماوي.
قالت بعد أن انتهينا من العشاء: "أتُعرف الأسطورة الكامنة وراء سلسلة الفراغ السماوي؟"
قلت: "الأسطورة؟ لا".
كانت هذه المرة الأولى التي تثير فيها شيئاً من هذا القبيل، إذ اعتادت عادةً الانصراف مع الرجال الخمسة فور الانتهاء من العشاء.
فقالت: "تقول الأسطورة إنه في زمن بعيد، لم يكن هناك هنا سوى مياه لا متناهية. بلا أرض تُرَى. لقد تغيّر كل شيء، مع ذلك، حين سقط وحشان إلهيان من السماء فوق صخور الكون المنصهرة، منخرطين في معركة كونية من أجل السيادة، ومتلويين كزوابع رعدية. كانت معركتهما شاملة لدرجة أنها مزّقت العالم تحت الماء وأيقظت ملوك الجبال الذين أقاموا، في مسعى للانتقام، السلسلة بأكملها لحبس الوحشين الإلهيين في سجن أَبدي".
هاه. حسنًا، لا أعرِف ما الذي كنت أتوقعه حقاً؛ رغم أنني أودّ تصديق أن هذا ما حدث، فغالباً ما 'تجمّعت' السلسلة كما تتجمّع كل سلاسل الجبال الأخرى، ولم يكن الأمر راجعاً إلى أن بعض ملوك الجبال (الذين عاشوا تحت المحيط؟ هكذا، ماذا؟) قرروا سحب وحوش تمتطي النيازك وسجنها.
قالت بابتسامة خافتة: "تبدو متشككاً".
قلت: "لا، بل ببساطة... مذهولاً".
"ها ها ها. حقاً. أغلب الأسطر كذلك، ولكنّ أيّ وقت تمكّنا فيه من مقارنة الأسطورة بالحقيقة... تبيّن أن الحقيقة كانت أبسط بكثير، بل وأبسط بكثير. ومع ذلك، إنها نظرة مثيرة للاهتمام حول كيف تميل رؤيتنا للعالم، أليس كذلك؟"
"حقاً".
ابتسمت بدوري وأومأت برأسي؛ لم تكن المرة الأولى التي أُدرك فيها ذلك، لكن جوهر البشرية يظل إلى حد كبير كما كان عليه أيام الأرض. الطريقة التي نستوعب بها العالم، الطريقة التي نُعقله بها، الطريقة التي نختلق بها الهراء حين لا تتوافق الأشياء مع معتقداتنا... هذا أمر واحد ظل دائماً يبقيني راسخاً. استغرق الأمر منا نحو ستة أيام للوصول إلى النهر الثاني، الأخير بيننا وبين سلسلة الجبال، ثم أربعة أيام إضافية (إذ استرحنا لساعات أقل) لنظفر أخيراً برؤية قمم الجبال البارزة.
كانت عظيمة بحق، وتنسكب في البحيرة بشكل غريب تماماً على هيئة منحدرات حادة.... وهو ما أثار السؤال الذي طالما تأملت فيه لفترة الآن.
قلت بصوت عالٍ لكل من كان في مرمى السمع أساساً: "لماذا لا يلتفّ الناس حولها وحسب؟ ألن يكون السباحة عبر البحيرة أسهل بكثير؟"
ردّت المرأة بلمحة خافتة في عينيها: "أتظن ذلك؟ إنه ليس افتراضاً غير معقول"، وهو ما يعادل القول بأنه افتراض مجنون تماماً.
"ربما يمكنك خوض التجربة؟"
[--الخلود يعرض مرافقتك بأمان عبر مياه البحيرة]
[التكلفة: 50000 نقطة قدرة]
"... أتدرين ماذا؟"
ألقيت نظرة إلى الوراء نحوها.
"أعتقد أنني سأرفض".
"ها ها ها. رغم أن الأسطورة التي أخبرتك بها غالباً باطلة، إلا أن هذه السلسلة مغطاة بطبقات فوق طبقات من الأسرار. هناك تكوين طبيعي، على سبيل المثال، يمنع الطيران--حتى الأبراج العادية لا يمكنها طس جسدياً فوق سلسلة الجبال. بغض النظر عن ذلك، هناك الكثير من أنظمة الكهوف غير الطبيعية التي لم يُرسم لها خريطة منذ آلاف السنين من الجهود. لكن الممر الآمن مفهوم جيداً أيضاً، ورغم طوله، فليس بالصعب بشكل خاص. أَنستريح قليلاً قبل الشروع في التسلق؟"
قلت، وقد سرى شعور وخز في أعماق روحي بأن «الممر الآمن»
المفترض لن يكون آمناً تماماً الآن بعد أن سلكناه: "... أجل، لنفعل".