الفصل 298 ضغائن (5)
كان «البدروم»
غرفة مظلمة ورطبة تمتلئ بأكياس دقيق فارغة مكومة في أحد الأركان وبقطع خشبية متفرقة وعفنة مبعثرة في أنحائه الأخرى. نفض يون كي أصابعه بخفة فظهرت كرة من الضوء ومنحت المساحة بأسرها بعض الألوان بينما قذف الرجل الذي كان يمسك به نحو أكياس الدقيق الفارغة في الركن. كان قد أغلق جميع نقاط طاقته بالفعل وبقي الرجل يرتجف رعباً في الركن وعيناه واسعتان وممتلئتان بالهلع. تأمل يون كي الأمر مدركاً أنه كان رد فعل فادحاً ومتأصلاً بعمق في شعور بالذنب يلتهم كل شيء؛
وربما لم يكن الرجل يهرب منه قدر ما كان ينتظر اليوم الذي سيلحق به فيه. وقف يون كي صامتاً وساكناً لفترة طويلة متفحّصاً حال الرجل؛ كانت ثيابه تدل على ثراء ورغم أن مرتبة ارتقائه لم تكن مبهرة للغاية فقد ظل شيخاً ذا مكانة رفيعة في طائفة سيف الروح على أقل تقدير. انبعثت منه أيضاً رائحة أعشاب رغم أنها تشتتت كثيراً بفعل رائحة الكحول القوية—وبالنظر إلى الألوان الخضراء والصفراء الباهتة الملطخة على أطراف أصابعه فهناك احتمال كبير أن يكون الرجل صانع حبوب أو مرتبطاً بهذا المجال على الأقل.
لكن شيئاً من هذا لم يكن يهم—فما كان يهم حقاً هو ذكر أطفال أغراب ورجل لطيف. أكانوا هم؟ لم يكن يون كي متأكداً. حتى وإن تمكنوا من الفرار فقد أمر لو كي صراحة بالركض شرقاً—إلى أقصى شرق ممكن. لم يكن هناك أي سبب يدفعهم للجيء إلى هنا ناهيك عن أنهم أضعف من أن يعبروا سلسلة الجبال الأبدية حتى... ومع ذلك تحرك شيء ما في قلبه حين سمع الوصف إذ كان لو كي—أو أياً كان من تقمّص شخصيته—طيباً بلا حدود.
نفض يون كي أصابعه مرة أخرى وفك جزءاً من نقاط طاقة الرجل مسموحاً له بالكلام أخيراً. بيد أن الآخر ظل صامتاً مرتجفاً متجنباً التقاء العيون.
قال يون كي: "يمكنك الكلام. أو يمكنني جعلك تنطق. الخيار لك".
"أ-أ-أرجوك أرجوك ل-لا تقتلني... أ-أنا لم أكن أعلم... لم أكن أعلم! كيف لي أن أعلم؟!!"
"كنت تدرك ماذا؟"
"ك-ك-كانوا شيوخ طوائف مقدسة! ك-كيف لي أن أعلم أنهم سيموتون؟!"
قطب يون كي جبينه لحظة غير واعي بما يتحدث عنه الرجل.
"ابدأ من البداية. من هم الأطفال؟ وكيف تبدو ملامحهم؟ ومن الرجل العجوز؟"
وهكذا بدأت الحكاية التي تركت يون كي في حيرة أشد مما اعتقد أنه ممكن. من وصف ملامحهم—رغم تسرعها وهستيريتها—لم يكونوا يشبهون الأشخاص الذين يتذكرهم بأي صلة. ناهيك عن أن عددهم كان أكبر وبدا أشد قوة بكثير مما تذكرهم عليه يون كي. لكن كانت هناك أيضاً تفاصيل متفرقة تشبههم حقاً—فالأطفال حسب الوصف كان يغلب عليهم حرص شديد على حماية معلمهم وبدوا خاضعين لكل كلمة ينطق بها. تذكر مدى تفاني أولئك الأطفال تجاه لو كي وكان تفانياً يفوق حتى تفاني تلاميذ يون كي أنفسهم الذين دربهم لقرون طويلة.
ثم تماماً حين بدأ يشك في احتمال أن يكونوا هم كشف الرجل في القصة عن تقنية صنع حبوب قديمة وشاركها مع سيد طائفة الصنعة المحلية منقذاً الآنسة الشابة للعشيرة المحلية في تلك العملية. ورغم إقراره بأن لو كي يتمتع بخصال حميدة عديدة كرجل وكالمعلم فلم تكن عبقرية الصنعة السرية إحداها. بعد دقيقتين فحسب وفي اللحظة التي قرر فيها أنهم ليسوا هم استمع بعد ذلك إلى كيفية ركض الرجل هنا وهناك منقذاً الناس بلا كلل وهو أمر نادر كندرة ريش العنقاء في عالم الارتقاء.
... أكانوا هم؟ أم لم يكونوا هم؟ مع كل معلومة جديدة كان يزداد قل اليقين لديه.
قال الرجل جاحظاً بيون كي من أفكاره: "ق-قالوا إنهم يريدون فقط تجنيد الأطفال... وألا يلحقوا الأذى بأحد! أ-أنا حقاً لم أكن أعلم!"
"أي أراضٍ مقدسة تورطت؟"
"أ-أنا لا أعلم! أتظنني تجرأت على السؤال؟"
تساءل يون كي متلبساً ببعض الفضول: "لمَ أخبرتهم بهوية الأطفال المقنعين؟"
"... ه-هم..."
"حسناً. أكان الأمر يستحق؟ أستطيع أي ثروة أعطوك إياها إبعاد الشياطين؟"
شرع الرجل في البكاء علانية وقال: "لا... أ-أنا لا أستطيع التأمل. لا أستطيع الارتقاء. في كل مرة أحاول فيها صنع حبة تتحول إلى طين. لمَ؟ لمَ؟!"
قال: "لأن الشياطين قتلة صامتون قلما يستعد له أحد. أتشعر بالندم؟"
"أشعر به".
"أتدري ما حل بالأطفال والرجل؟"
"أ-أنا لا أعلم حقاً. كانت جثث شيوخ كل الأراضي المقدسة هناك أما الأطفال والرجل فلم يكونوا موجودين ولم يكن حارسنا هناك أيضاً. ه-هناك شيء آخر كان هناك نوع من الكائنات لكن حتى سيد الطائفة لم يستطع معرفة ما هو. ربما، ربما قد فروا؟ أ-آه، لك-لكن أياً ما كان ما اقتلع حارسنا... لا، ما كان ليتمكنوا من الفرار. هه هه هه. ما كان أحد ليفر".
أكانوا هم؟ عجز عن الجزم حتى الآن. ربما. وربما لا. ومع ذلك وبغياب أي خيوط تدل على وجهتهم غدا تأكيد أي من الأمرين مستحيلاً. وإن كانوا هم فهذا يعني أن لو كي ما زال يخفي أموراً تفوق بكثير ما كشف عنه. وإن لم يكونوا... فإنه لسعيد فحسب بوجود آخرين مستعدين لمساعدة الناس.
"حسناً. ما اسمك مجدداً؟"
"ك-كاو شون..."
"أنت تدرك أن علي قتلك".
"..."
قال يون كي: "لا أُصدر حكماً على أفعالك... رغم أن ما فعلته جاء دافعاً بالمصلحة الذاتية والسعي خلف الجشع فقد ارتكبت أنا الآخر أفعالاً لا تفضل فعلك شيئاً. لكن يجب علي قتلك. حتى لو كان احتمال أنهم هم ضئيلاً إلى أبعد حد فلا يزال هناك احتمال. ولهذا السبب إن كنت قد آذيتهم حقاً وكلفتهم حياتهم فعليك دفع ثمن الحياة".
استل يون كي سيفه وثبته عند عنق الرجل دون أن تتردد يده.
"أتملك أي كلمات أخيرة؟"
تمتم برقة ضامّاً كفيه كمن يصلي: "فقط... لا، لا تخبر أحداً. أرجوك. دعهم يعتقدون أنني هربت".
قال يون كي: "حسناً. فلتخمد الموتُ شياطينك ولتمنح روحك الراحة التي تستحقها".
وجّه يون كي ضربة خفيفة وسريعة قاطعاً الرأس بسهولة—إلا أنه لم يكن هناك دم ولا أشلاء. بل في الواقع لم يكن هناك... شيء. ولا حتى جثة. فحسب البدروم النظيف (بشكل متسخ) تماماً كما وجده. أعاد سيفه إلى غمده وطبق كفيه أمام صدره حانياً رأسه متمتماً بصلاة وداع. ربما كانت تلك مقتلة غير عادلة لكنه كان يعلم أن روحه ستثقلها قيود عشرات الآلاف من أمثاله في السنوات القادمة—وسيكون صانع الحبوب الغريب المتمتم مجرد خطيئة أخرى من خطاياه التي ستتلاشى وتُنسى.