الفصل 277 بحيرة القمر (3)
كانوا ثلاثة رجال في أواخر العشرينيات حسب ما كشفه النظام. غريب أن اثنين منهم بلغا ذروة مرتبة تجسد الروح بينما كان أحدهم في المراحل الأولى مرتبة النواة الدائرة مثلي تماماً. ارتدوا ثياباً متطابقة من الفضة النقية بنقوش ذهبية داكنة وحمراء عند الأطراف. سرحوا شعورهم بالطريقة ذاتها. اثنان بشعر بني وواحد بأسود لكنهم ربطوه جميعاً في ذيل حصان مرخى. الصادم أن المتحدث لم يكن أقواهم بل أحد الأضعف محاولاً رسم ابتسامة زائفة بكل شهامة.
قال: "تحياتي أيها الزملاء. أرجو ألا نكون قد أزعجناكم".
حملت نظراتهم ونبرتهم قدراً من السخرية. أمر متوقع بناءً على مظهرنا الظاهري. مررنا بتغيرات كثيرة في الملابس ولم يتبقَ لدينا ثياب نظيفة البتة. حتى لاو شون كان يرتدي ملابس ممزقة ومتربة ناهيك عني وعن بقية الأطفال. ظاهرياً بدا وكأننا تجمع لمتسولين يعتاشون من الطبيعة. هم على الأقل تكلفوا بإخفاء آرائهم. هذا ما لا يمكن قوله عن كل من تقابلنا معهم.
نهضتُ مبتسماً وانحنيتُ انحناءة خفيفة وقلت: "إطلاقاً. هل يحتاج الزملاء إلى أي نوع من المساعدة؟".
هز رأسه وقال: "لا أبداً. كنا نتساءل فقط عما إذا كان الزملاء متوجهين إلى بحيرة القمر أيضاً".
أومأتُ: "أهلاً؟ بلى نحن كذلك. من أجل المهرجان؟".
ها ها كما ظننت. لم يكشف النظام عن أي نوايا شريرة أو مريبة تجاه أي منهم. أسوأ صفة بينهم كانت رهاب النساء. وهذا إن تفكرت فيه هو غالباً سبب صمت الأقوى. لكننا لم نكن نضم نساءً بيننا. هل كان خائفاً من الفتيات الصغيرات أيضاً؟ أم من وان لان وحدها؟
"يتوافد الكثير من الزملاء على البحيرة كل عام. وقد سمعنا طويلاً شيوخنا يحكون عن قيمة البحيرة الهائلة. آه اعذرني على الاستطراد. سبب مقاطعتنا لراحتكم بهذا الشكل الوقح هو أننا نسافر محلقين بسيوفنا منذ ما يقارب أسبوعاً. وقد نفدت احتياطيات طاقة تش لدينا تقريباً. كنت أتساؤل فقط عما إذا كان بإمكاننا السفر معكم ليوم واحد على الأكثر لنستعيد قليلاً من طاقتنا؟ بالطبع ليس مجاناً بل سنقدم مقابلاً مناسباً".
هاه. ليس السبب الذي توقعت مجيئهم من أجله. التفتُ خفية نحو لونغ تاو فلم أجد أي رد فعل يذكر. لا أظنه فتح عينيه حتى. ما يعني أنه حتى لو كانت لديهم نوايا خبيثة فلن تشكل خطراً مميتاً.
قلت: "بالتأكيد".
علاوة على ذلك كنت أشتاق للقيام بعمل صاِلح بصراحة. شعرت أنني تورطت في الموت وما شابه ذلك أكثر من اللازم مؤخراً.
"يسعدنا المساعدة. اسمي لو وهذا أخي الأكبر لاو".
كنا قد اختلقنا قصة متماسكة مسبقاً لمثل هذه الظروف بالذات. وهي التي أصررت عليها حتى وإن لم تكن ضرورية تماماً.
"وهؤلاء هم أطفالنا. انطلقنا من قريتنا النائية الصغيرة قبل عام تقريباً قاصدين البحيرة".
انحنى الرجل انحناءة طفيفة وما زالت الابتسامة على محياه: "سررت بلقائكم. شكراً جزيلاً".
"هل أنتم جياع؟ كنا على وشك تناول الطعام".
قال: "آه لا شكراً. نلتزم بنظام غذائي صارم تخص طائفتنا ولا يمكننا تناول طعام لم يُحضّر داخل أسوارها. أتمنى أن تتفهموا".
"بالتأكيد. يا أطفال لا تزعجوهم وابقوا في حالكم".
بدا الأمر مفاجئاً ومن دون سبب واضح لا أستوعبه تماماً. لكني أجد نفسي دائماً أتأرجح على حافة الخط الفاصل بين هاجس جنون العبارات الناتج عن تجاربك في هذا العالم وبين حقيقة أن الأمور تبدو على ما هي عليه فعلاً. لن أخفض حذري بالطبع. لكن حتى لو فعلت فلا أعتقد أن ذلك سيغير شيئاً. كان لونغ تاو ولاو شون سيقضان على أي شيء قبل أن أتمكن حتى من رمش عيني. لذا ركزت بدلاً من ذلك على أمر لم أفعله منذ فترة.
تصنيف ومراجعة مكافآتي. مع أنني كنت أتمنى تصنيف أشياء أخرى لكن الوقت لم يكن مناسباً. وبقدر ما يتعلق الأمر بالمكافآت فقد راكمت عدداً لا بأس به منها ويجب عليّ جردها قبل أن أنساها. كادت تغيب عن بالي في الواقع الجسد والجذور اللذان منحتهما لزينغ فنغ منذ عصور. إلى جانب الكمية الكبيرة من نقاط الخلق التي قاربت أربعة آلاف والتي ملأتني ببهجة تفوق ما أود الاعتراف به كان هناك مخزون أغلى ممتلكاتي مرآة السلحفاة.
ما زلت أمتلك استخدامين لها. ومستوى الهجوم الذي يمكنها صده وعكسه ما زال مسجلاً كعلامة استفهام ثلاثية. أيعني هذا أنها قادرة فعلاً على تحمل مرتبة النرفانا؟ مستحيل! لو كان الأمر كذلك لكان استخدامها على ذلك الأحمق في المدينة هدراً تاماً! لا لا لا. قد يكون خطأً برمجياً أو ما شابه. عدا ذلك. لست مكتئباً بشدة. ثم كان هناك الكريستال الشيطاني أو بالأحرى اثنان منه الآن وتميمة القطع القاطع وإبرة فك اللعنة التي لم أستخدمها بعد.
وهناك أيضاً القدرة على توارث أي من قدرات تلاميذي. رغم أنني أظن أن ذلك للمستقبل البعيد لا الآن. وأخيراً أعتقد أن هناك القطع الفردي وهو فن صممته لشي تشاو منذ فترة ولم أعطه إياه قط. بصراحة ما زلت لا أود تسليمه له. فهو مقيد وحاصر للغاية رغم أنني على يقين تام بأنه سيبدأ تعلمه فوراً. حتى إن لم أنطق بكلمة واحدة فمجرد تسليمي إياه سيكون دافعاً كافياً لذلك الصدى. بصلاوة عما سبق ظل هناك كنز من أحجار الروح المتوسطة وبعض الأعشاب والحبوب التي أخشى أننا سنفوق حاجتنا إليها قريباً إضافة إلى قائمة الفنون التي اخترعتها.
إذ كنت أحرص دائماً على الاحتفاظ بنسخة واحدة منها على الأقل في إحدى الخواتم. حماقة حقاً إن تفكرت فيها. فلو تعرضنا للسرقة فلن نجد ما نأكله بعد ذلك.
قال واي لين -وهو اسمه الذي تطابق مع معلومات النظام- بعد أن انتهينا من الأكل وتراجع كل الأطفال إلى زواياهم تاركاً إياي وحيداً بعض الشيء: "آه أيها الزميل هل سمعت آخر الأخبار؟".
قلت: "على الأغلب لا. كما ترى فقد مر وقت طويل منذ أن خالطت المتحضرين".
ابتسم باطراف مرتبكة مستعيداً توازنه سريعاً: "آه نعم. رغم أنه غير مؤكد إلا أن الشاعرة تقول إن شفرة شبح طائفة ملاذ السيف الخالد قد مات... ليس هذا فحسب بل إنه تعرض لكمين وقُتل!".
أعرف أنه يفترض بي إظهار الصدمة هنا ولكن بصراحة لا أستطيع ذلك. طائفة ملاذ السيف الخالد إحدى الأراضي المقدسة بلا شك وأنا متأكد أن شفرة شبح كان شخصية مذهلة حُكماً من اسمه. لكن أعني ألا يموت الناس طوال الوقت؟ لماذا موته مميز إلى هذا الحد؟
تابع وكأن رد فعلي لم يعجبه: "عُثر عليه مشوهاً لدرجة استغرقتهم نحو أسبوع للتعرف على جثته! والأدهى من ذلك أن القاتل لم يُحدد بعد ناهيك عن القبض عليه!".
عليّ مجاراته أليس كذلك؟
"واوو! حقاً؟!!".
قال بغطرسة واضحة بينما كان رفيقاه ينظران إليه بغرابة شديدة: "هي هي حقاً~. قد لا تعرفون هذا ولكن في طائفتي يُطلق عليّ بمحبة لقب واي العارف بكل شيء!".
نعم يا صاح. لا أظن أن التسمية جاءت بمحبة.