الفصل 274 بحيرة القمر (أ)
كانت تلك أيام سكينة وعزاء، الحق أقول. منذ أن سلّمتهم طريقة الزراعة ونحن بالكاد نتحدث — ولا نفعل ذلك إلا مرة ربما أثناء وجبات الطعام الجماعية. أما بقية اليوم فنقضيه إما ماشين (وفي خلال ذلك ظلوا يبدون كمن يدرسونها)، أو متأمّلين في صمت، كلّ في زاويته الصغيرة. وحتى ونحن نأكل كانت رؤوسهم مكبّة على الأسفار، وبدا الأمر طريفاً نوعاً ما إذ ذكّرني بالخروج مع رفقة من الأصدقاء ليُخرج الجميع هواتفهم في منتصف الوجبة ولا بالكاد يتبادلون حديثاً.
حسناً، لعلّي بالغت قليلاً. أعني، أذكر أن الأمر كان أشبه بطرفة، ولكن حتى لو أخرجنا هواتفنا كنّا عادةً لا نزال ندردش، وإنما في تجمّعات أصغر. بغض النظر عن هذا كانت تمرّ لحظات هنا وهناك يبحث فيها كلّ منا عن شيء ما، وأتخيل أن هذا هو شكلنا لمن يراقبنا من الخارج. جَمْعٌ غفير من البشر، بلا شيء البتة بينهم.
دفاعاً عنهم، كان الأمر عسيراً على الفهم — ورغم أن النظام «منحني»
الفهم الفوري هكذا بلا تعب، فقد حاولت تطويره قليلاً، وفعل ذلك أصابني بصداع حرفياً. لا أمزح. منحني ذلك الصداع الضاغط في أعلى الرأس، ذلك الذي ليس مؤلماً بقدر ما هو مزعج وحسب. لذا استسلمت نوعاً ما؛ وكان أملي أن يتقدم الأطفال في زراعتهم فيمنحني النظام مكافآت، وتكون واحدة منها على الأقل مطوّرةً لفهمي للطريقة. يا لها من مفاجأة. قد أكون المعلم الأكثر عجْزاً على الإطلاق، أليس كذلك؟
آه، ليكن. بحسب كلام لئو شون، كانت تنتظرنا رحلة تمتد لنحو شهر نحو بحيرة القمر، هذا إن افترضنا غياب المقاطعات وأدنى حدّ ممكن من الراحة. كنّا لا نزال في عمق الغابة، تحت رحمة الظلام فعلياً إذ نفدت الفوانيس، مما يعني أننا لم نكن — كلا — لنصل في شهر على الأرجح. لكن الأمر لم يكن، ويا للعجب… سيئاً لهذه الدرجة. أعني، كان مخيفاً، خصوصاً حين يلتزم الجميع صمتاً مطبقاً يمنعك حتى من سماع أنفاسهم، ولكن وُجد شيء يبعث على التحرر بطريقة مخيفة في الاكتفاء بأفكاري وحدها رفيقةً لي.
أأنت قلت مبيحاً للحرية؟ قصدت مرعباً. ورغم أنني مررت بلحظات شبيهة من قبل، فقد كانت عابرة — ولسبب وجيه. فلم أستوعب حقاً الكثير من حياتي على الأرض ونهايتها القبيحة تلك حتى الآن. لقد تركت خلفي جمعاً كبيراً ممن أحبوني بصدق — فكيف ستكون ردة فعلهم حين يتلقون مكالمة هاتفية؟ أو ماذا لو تمزق جسدي في الحادث لدرجة تعجزهم عن التعرف عليَّ حتّى؟… أو ماذا لو لم يتبقَّ جسد البتة؟ ماذا لو اختُطِفت بالكامل ليظلوا يظنون طوال الدهر أنني فُقدت، دون أن يعرفوا الحقيقة أبداً؟
نعم. الأمر لا يبعث على التحرر حقاً. وكلما أمعنت التفكير أدركت أنني لن أنال خلاصاً أبداً. فحياتي هناك، على بؤسها، ستظل مقطوعة إلى الأبد، بانتهاء مبهم. هل لكنتُ أصبحت أفضل؟ هل لكنتُ وجدت شخصاً آخر؟
أم لكوني بطلاً لتلك القصص التعيسة في الصحف والتي تحمل عنوان: «جار يشم رائحة غريبة؛ العثور على جثة متحللة بشدة بجوار الباب»؟
لن أعرف أبداً. بل قد يكون هذا الكوكب والأرض في الكون نفسه، ولكن ماذا في ذلك؟ حتى لو صرتُ — بأعجوبة ما — قوياً بما يكفي للسفر كسفينة فضائية ومستكشفاً ما بين النجوم، وفي السيناريو الأقل احتمالاً أن أعثر على الأرض حقاً، فكم ألف سنة ستكون قد مضت، إن لم تكن ملايين السنين؟ هل سيبقى هناك شيء أصلاً؟ ربما بضع آثار مهجورة لحضارة متوسطة حاولت جهدها لكنها لم تستطع يوماً أن تتجاوز نفسها بما يكفي لتصنع شيئاً ذي قيمة حقيقية.
كيس بلاستيكي هنا، وعمود فولاذي هناك، وقليل جداً فيما بينهما. يا للهول. أمتلك حقاً تلك القدرة السحرية على إصابة نفسي بالبؤس حتى على بعد عالم برمته. هذا مثير للإعجاب نوعاً ما. …لكنه يطرح سؤالاً آخر أيضاً: كم يبلغ عمر هذا العالم حقاً؟ أو، حسناً، العوالم الكثيرة المحيطة به؟ ملايين السنين، كحد أدنى. فهل ما زال هناك حيّ منذ ذلك الزمن الغابر؟ لا أعرف؛
قال لئو شون إنه يشعر بالملل، وإنه عاش «فقط»
خمسة قرون. فما بال أولئك الذين عاشوا عشرات آلاف السنين؟ طالما ظننت أن الخلود — أو الحياة الطويلة للغاية على الأقل — نعمة تعادل في قسوتها اللعنة. سنتاقلم جميعاً بطريقة أو بأخرى إن عجزنا عن الموت؛ فهذا متأصل في جيناتنا ببساطة. بيد أن الأمر هنا مختلف، فمعظم السلبيات لا تعمل بالطريقة ذاتها — وأكبر عقبة، تتمثل في عدم عيش أحبائك لعمر طویل، يمكن تداركها. ماذا لو أمضيت ملايين السنين مع توأم روحك؟
حسنًا، لن أفعله. لقد أحببت ياس بكل عظم في جسدي، وكنت أتمنى لو حظينا بعشرة أعمار معاً، ولكن في نقطة ما… سنكون قد اختبرنا كل شيء. تبّاً. لهذا لا أطيق ترك نفسي وحيدة مع أفكاري؛ فبشكل أو بآخر، يبدو دائماً أن نفسي المراهقة العميقة والفلسفية تزحف من قاع حفرة حاولت دفنها فيها قبل عقود.
قال: "يا سيّدي، رايس!"
أوه، أشكرك يا للهول، لقد تحدث أحدهم معي! أنت مفضلي الآن!
سألت: "مم؟ ماذا هناك؟"
قال: "أي مسار تراني ينبغي أن أسلك؟"
"مم؟"
"حين كنت يافعاً، كُنْت أُعَدّ لأصبح ما يُدعى بالسّاحر. لهذا فإن جلّ الكلمات التي أعرفها تدور حول إعانة الآخرين بطريقة أو بأخرى. لقد خضت قليلاً بمفردي في بعض المسارات الأخرى، ولكن في كل مرة فعلت شعرت كأنني أؤكد فحسب أن شيوخ القرية كانوا على حق وأن مساري الحالي هو الأنسب لي."
"…لكنك تشك؟"
"ليس… شكاً. بل أسئلة."
"مم."
أليس هذان الاثنان هما الشيء نفسه تماماً؟
"لا أستطيع إخبارك بالمسار الذي يجب أن تتبعه يا رايس. وحتى لو استطعت، فالحق أقول، لن أفعل."
قال بذهول: "لـ-لماذا؟"
قلت: "لأنه مسارك. سأبذل قصارى جهدي دائماً لإرشادك ومساعدتك، لكن لا أحد في العالم أدرى بما تريده منك أنت. انسَ أمر أن تكون نافعاً، وانسَ أمر أن تكون مثالياً، وانسَ استغلال مواهبك إلى أقصى حد — نحن لا نعيش في سجن أو ورشة. اتبع أياً ما كان ما تريد اتباعه. حتى لو واصلت الفشل، وواصلت تغيير المسارات، فلا بأس بذلك. حتى لو لم تعثر البتة على مسارك، فلا بأس في ذلك."
سأل: "لن… تتخلى عني؟"
كان سؤالاً غريباً أن يصدر عن يافع، لكني لاحظت نمطاً ما مفاده أنهم ليسوا يافعين حقاً. أعني، لا تبدو همومهم الكبرى منصبة على كيفية إقامة علاقة، أو كيفية الثمالة، أو كيفية جعل أحد أصنام البوب الكوري يقع في حبك؛ لذا فهم منذ البداية مختلفون عن أي يافع عرفته طوال حياتي. كان هناك نوع من النمو المتعثر لدى الجميع؛ يبدو وكأنهم تمحوروا لدرجة كبيرة حول السعي خلف هذا الشيء الواحد حتى نسوا أن ينمووا قليلاً.
قلت بكل بساطة: "كلا. أنت تلميذي العزيز. السبيل الوحيد لأتخلى عنك هو أن أمتوت — وحتى حينها، سأشق طريقي خمشاً عبر دورة التناسخ ذاتها لأجد طريقي إليكم يا أطفال، فقط للتأكد من أنكم بخير."
"مم."
هزّ رأسه، على ما أظن — فلم أستطع تمييز حركاته إلا بناءً على هبات الريح. كيف كان تعبير وجهه؟ لا أعرف. ربما يساعدنا أننا نغرق في الظلام في أوقات كهذه. تظل أجزاؤنا الأكثر عرضة للخطر مظللة، ونشعر بأمان أكبر بما لا يبكّت الضمير حين نجسر على البوح بأعمق شكوكنا. مم. مع أنه قد يكون… أنهم يثقون بي إلى هذا الحدّ. أتمنى لو كان الأمر كذلك.