الفصل السادس بعد المئتين غير المغفورين (٢)
لاحظت مزيداً من التغييرات كلّما توغلنا في الغابة. أولها أن فوانيسنا باتت تعجز عن إنارة محيطها كما ينبغي. كانت سابقاً تمنحنا مساحة أمان كافية حين نكتفي بواحد، أما الآن فاستحالت الحال هكذا. اضطررنا لاستخدام اثنين، واحداً على كل جانب أثناء المسير. كأن ظلال الغابة كانت تبتلع الضوء وتقتات عليه. وثانيها أن الزئير صار أكثر تكراراً. فبينما كنا ننتظر نحو عشر ساعات أو نحوها بين الزئيرة والأخرى، انخفض الفاصل الزمني إلى ثلاث ساعات فحسب.
ما يعني أننا سرنا طوال اليوم تقريباً بأقل قدر ممكن من الراحة في المنتصف. وثالثها والأكثر إرعاباً على الإطلاق، هو أن الجثث لم تعد مختبئة تحت رقع الطحالب. لم تكن بعضها مختبئة أصلاً. توقفنا فجأة للتو إثر بلوغنا شجرة شوّه جذعها جسد ناتئ بغرابة. التوت الأطراف وانحنت كالأغصان، وتدلى الرأس منخفضاً بملامح وديعة رغم أن العينين كانتا مجرد ثقوب حالكة السوختة. حين تظهر جثة واحدة، فلا بد من أخريات، وقبل أن يمضي وقت طويل برز جسد من كل شجرة تقريباً.
بل احتوت بعضها على جسدين. حقاً. اللعنة على هذا المكان. راكمت الكثير من الندم طوال حياتي، لكن مجيئي إلى هنا ينافس بقوة على المركزين أو الثلاثة الأولى على الإطلاق. لا يرجح أن يفوقه سوى أمر واحد، لكن ذلك لا يعني الكثير. لم تكن هذه غابة، بل عرض رعب لا أود اختباره مجدداً قط. شعور تعزز بقوة حين انزلقت قليلاً ظاناً أنه جذر، لأتفاجأ بأنها جثة التف حولها عدد من الجذور. حتى الصغار، بصلابتهم المعهودة، بالكاد حافظوا على هدوئهم.
تمتم داي شيو: "أي نوع من الأماكن هذا؟ هذا شر محض."
خمنت وان لان، وبدت حائرة بالقدر نفسه: "ربما يكون... نوعاً من المقابر؟"
قال شي جاو: "أياً ما يكن. لن أعود إلى هنا مجدداً أبداً."
آه، يسعدني رؤية أن حتى هؤلاء الفتية الأشقياء لديهم حدود. آآآهغغ!! كان الزئير مدوياً لدرجة أفزعتنا جميعاً، بما في ذلك الخيميائي العجوز. اهتزت الغابة بأكملها للحظة بفضل صوته، الأرض وحدها لا غير. ظلت الأشجار ساكنة تماماً، كأنها لوحة مرسومة لا كائنات حية.
"لنذهب"، أخرجنا صوت لونغ تاو من أفكارنا، وبصراحة، ساعدت ملامحه غير المبالية كثيراً.
فهذا يعني على الأقل أن هذا المكان... ليس مخيفاً إلى هذا الحد. اقتفاءً لأثره، استأنفنا المسير نحو مصدر الصوت، محاولين قدر الإمكان تجاهل صفوف الجثث التي تزين جذوع الأشجار بكل وضعية ممكنة. مع انقضاء الساعة، توقفنا وأدركنا انعدام أي مكان للجلوس. بدا كل شريط محيط بنا، وفي كل شبر منه، مغطى بالجثث. تشترك جميعها بذات تعبير السكينة الأثيرية، بغض النظر عن أي شيء آخر. سواء غرست بالمجابهة مع رأس مقلوب وأطراف مكسورة وملتوية بغير طبيعتها، أو برزت من الأرض كشتلات صغيرة.
التصق الصغار بي أكثر ونحن نواصل التحرك نحو الشمال، حسب ظني. بصراحة، فقدت إحساسي بالاتجاه كلياً الآن. أكتفي باقتفاء أثر ما يشير إليه لونغ تاو تقريباً، أو الجهة التي ينبعث منها ذلك الزئير. سرعان ما باتت الفوانيس تنير قدماً أو قدمين حولنا بالكسب، واضطررنا لاستخدام ثلاثة. ليس هذا فحسب، بل صار عمرها التشغيلي نصف يوم فقط. انسَ أمر شهر كامل، سننفد في غضون أيام قليلة على هذا النحو.
ألهذا السبب فشلت الاستكشافات إذن؟ تُستدرج فتنخدع بالفرادة الوحيدة في الغابة بأسرها، وتتوغل أكثر فأكثر حتى تضيع كلياً بلا مؤونة؟ مع ذلك... لم يشعر جوفي بالخوف حقاً. حسن، بلى، لكن لا بسبب الضياع أو نفاد الفوانيس، بل لتلك الجثث المتناثرة حولنا في كل مكان. أخبرتني غريزتي أننا... كنا على مقربة. كيف عرفت؟ لم أكن أعلم. أراهن أن هذه طريقة النظام لإخباري؟ أم أنني أعرض مخاوفي؟ بالكاد أستطيع التمييز بعد الآن.
فتح عينيه ببطء، وتغلب عليه التثاؤب للحظة. بالتفتت حوله، استيقظ مجدداً في تلك الحديقة الغريبة، حيث تقبع زهرة وحيدة فوق أرض قاحلة. كانت جميلة، لكنها لم تكن فاتنة. ذابلة، وعجوز تحتضر، حقاً. كما في كل يوم سبقه، تناثرت بعض الثمار والمكسرات حوله. أحدهم كان يأتيه بالطعام والماء كل يوم، رغم جهله بهويته. ولم يكن الأمر مهمّاً. سيموت هنا قريباً بما فيه الكفاية. تلك كانت دعوته، وغايته، والسبب الذي وُلِد من أجله.
التقط بعض الجوز وحطمه على صخرة قريبة وراح يقضمه حتى خفّ جوعه قليلاً. باقترابه من الوقوف، أجرى دورة تفقدية أخرى، لكن ككل يوم مضى، لم يكن هناك ما يرى ولا سبيل جلي للخروج. استقر ضباب أبيض خلف الأشجار التي شكلت الجدران، وتألفت من سحر غريب، ربما صنعه أولئك المزارعون الأسطوريون الذين كان جده يروي له حكاياتهم. رجال ونساء يمكنهم الطيران عبر السماء وقوفاً على نصل سيف، أحراراً بلا قيود ولا سلاسل.
لبرهة قصيرة، كان يصلي صامتاً في الليل لعل أياً من أولئك الرجال أو النساء يأتي ليخطفه بعيداً وينقذه من حياته. لكن ذلك كان عبثاً. لم يكن مهمّاً بما يكفي لينقذه أحد. دنا من الزهرة وقرفص قربها. كانت الشيء الوحيد الملون هنا، برغم كآبتها. امتلكت سبعاً وأربعين بتلة، كل واحدة بلون زمردي أداكن قليلاً، بساق نحيلة للغاية جعلته يتساءل كيف لها أن تحمل ذلك الوزن. بين الحين والآخر، لاحظ الزهرة ترتجف، كأن رجلاً ينتفض برداً، رغم جهله بسبب ذلك أو معناه.
ملّ الانتظار، فعاد إلى "سريره"، وهو منخفض طفيف في الأرض فرشه بأوراق الأشجار المجاورة، واستلقى مغمضاً عينيه.
أسيغف في نوم؟ أم يتقلب بتململ لساعات طوال بلا توقف؟ لم يكن يدري أبداً، وربما كان ذلك النشاط الممتع الوحيد لديه؛ تخمين مدى بؤس الساعات القليلة المقبلة إلى أن يستيقظ من جديد ليبدأ اليوم من أصله. كم مضى من الوقت؟ أسابيع؟ أم شهور؟ أم سنوات؟ لم يكن يعلم. ولم يرغب في معرفة ذلك. آمن جازماً بأن هذا كابوس، وعقابه على دفع ليا في البركة، وأنه سيستيقظ في أي لحظة بغرفة ذات أبواب حمراء تطل نافذتها على بحر مهيب.