الفصل 259 ظلام (س)
حدّق فيّ لونغ تاو بنظرة غريبة بعض الشيء لبضع لحظات قبل أن يطلق ضحكة خفيفة ويمضي. بحق الجحيم؟ألم تكن تعابير وجوههم مهمة؟ أأنا أبالغ في تحليل هذه القاذورات؟بصراحة، فور أن رأيت الجثة الثانية، استرعى أمري شيء ما فيها، لكنني لم أكن متأكداً تماماً ممّا يكون. بعد بضع جثث أخرى، فطنت إلى أن جميعهن قد حملن تعابير هادئة للغاية، كأنهن مشين إلى أبواب الموت بمحض إرادتهن ولم يكنّ سعيدات فحسب بل مرتاحات للقيام بذلك.
بما أن لونغ تاو بدا مستخفّاً نسبياً، فمن المرجح أنه كان يعلم ماهية هذا المكان. وإمعاناً في النظر بكونه لم يخبرني قط، فهذا يعني أن الأمر مرتبط على الأرجح بنطاق يتجاوز استيعابي بكثير. برؤية ذلك، أنا سعيد ببقائي في جهلي. لم نتحرك على الفور، بل استقررنا في أماكننا ليتعافى الأطفال من طاقة تشي المستنفدة. على الرغم من أنهم جعلوا الأمر يبدو بلا عناء تقريباً، إلا أن شي تشاو أنفق أكثر من ربع مخزون تشي لديه، بينما كان وان لان وداي شيو عند خمس المخزون تقريباً.
أنفقت لايت ثلثي المخزون، لكن ذلك كان منطقيّاً نظراً لكونها تقاتل أعلى بكثير من مستوى تدريبها الواقعي، والذي كان عند المرحلة التاسعة من تكثيف تشي آنذاك. بدا رايس شاحباً بعض الشيء أيضاً، على الرغم من أنه لم يتأمّل كالبقية بل أخرج فوراً بضع أوراق وبدأ يغرس أصبعه فيها بعمق. منحه الجميع مساحة كافية، إذ أدركوا أن أدنى تشتيت قد يفسد الأمر برمته. كان لاو شون... يعيد النظر في منظومته العقائدية، أنا متأكد تماماً من ذلك.
على الرغم من أنني توسلت في داخلي ليبقى بعيداً، إلا أنه اقترب مني بعد مرور نحو خمس عشرة دقيقة من استراحتنا، جالساً بجانبي."قل لي الحقيقة"، قال: "لقد أتيتم أنتم الفتيان من عالم علوي، وعدتم لدخول الغبار، أليس كذلك؟"
حسنٌ، لقد فعل لونغ تاو، على ما أظن."لا"، قلت."إذن فهذا لا يمت للطقس بصلة!!"
هتف: "امتلاك تلميذ واحد مثلهم كان سيُعَد أمراً استثنائياً بالفعل، لكنكم... أنتم امتلكتم خمسة. وحتى أن أحدكم شامان!"."وماذا في ذلك؟"."أنت ممارس تشي!! ماذا بحق الجحيم تفهم في الشامانية؟!"
سؤال وجيه، لكنني لم أكن أرغب حقاً في الإجابة فوراً، إذ كنت أستمتع بجرعتي من البهجة وأنا أرى هذا التفاعل. بدا الأمر وكأنني كنت محروماً منه نوعاً ما، إذ طالما توجّب علينا الحفاظ على هدوء وتحفظ شديدين. حسناً، لم يكن يتوجب علينا ذلك، ولو كان لزاماً علي الترجيح لكنت خالفت رغباتهم بإجبارهم على البزم، لكن رؤية شخص ما يعترف بهم أخيراً، وبالتبعية بي أنا أيضاً بالطبع، كانت...
أوه، لقد كانت ممتعة للغاية.
ومُدمِنة.مُدمِنة لدرجة أنني خشيت، إن تركتها تتفاقم، أن أستمر في السعي وراءها في المستقبل."ربما أكثر منك"، قلت."أتمنى ذلك حقاً، نظراً لكوني لا أملك أدنى فكرة!"
تنهّد بحنق، مستنداً بظهره إلى الشجرة بينما تجعدت أرديته."لا أعرف إن كانت مجرد تمثيلية، أم أنك جاهل حقاً، ولكن... حتى وإن امتلكت طوائف أخرى تلاميذ أكثر بكثير منك، فأنا أضمن أنه لا يوجد أكثر من خمسة في هذا العالم برمته يستطيعون مجاراتك موهبة بموهبة. أتعلم كم هو أمر لا يصدق؟ سيّما وأنك، ولكل الأغراض والمقاصد، شخص نكرة"."هَيْ، هذا غير صحيح"."أليس كذلك؟"."لا. لقد كنت شيخاً لطائفة"."حقاً؟ أي طائفة؟ أهذه الجنة المعلقة؟ أم قصر السيف؟!"."طائفة سيف الروح!"و...
ما بحق الجحيم تلك؟
هل اختلفتها من تلقاء نفسك؟"
أنين خفي صدر عني بينما كان ينظر إليّ بقرف طفيف في عينيه."هاه. لقد فضّلتك عندما كنت مغروراً ومتكبرًا لدرجة أنك لست مستعداً أصلاً للحديث عرضاً مع شخص مثلي. التفكير في أن هذه هي شخصيتك الحقيقية... لا أعتقد أنني شعرت بخيبة أمل بهذا القدر إزاء أي شيء منذ أن أدركت أنه ما زال يتوجب عليّ التبرز أحياناً عندما بدأت التدريب لأول مرة"."أوه، أنت أيضاً؟"
قال: "عندما كنت صبياً، سمعت قصصاً مفادها أن ممارسي تشي لا يحتاجون إلى النوم، أو التبول، أو التبرز، أو أي شيء — بل يمكنهم فقط استخدام تشي لتطهير أجسادهم فوراً إلى حد الكمال. تخيل مدى مفاجأتي عندما بدأت التدريب أخيراً وأدركت... أن شيئاً من ذلك لم ينطبق عليّ. لابد وأنني أمضيت الأشهر القليلة الأولى في حالة اكتئاب تام، لكنني لم أستطيع إخبار أي شخص بالسبب لأنني كنت حرجاً للغاية. لذا، افترض الجميع أن هذه هي طبيعتي — فتى متجهم وكئيب"."يا له من فتي ممتع حقاً"..."لم أعتذر قط عن الطريقة التي تحدثت بها معك في ذلك اليوم، أأنا فاعل؟"
قال فجأة، وكنت أتوقع بنصف نفسي حقاً أن الرجل قد استُحوذ عليه في مرحلة ما خلال رحلتنا، لأن هذا ليس الشخص ذاته."ها ها، لا تنظر إليّ هكذا. لقد ذكرت أنك صغيّر جداً، أليس كذلك؟ ستتعلم أن الغدر، أوه عفواً، الغرور سيعمل كدرع رائع لك. أنت طيب، هذا ما لاحظته كثيراً، لكن اللقطاء يقتاتون على ذلك كالعلائق. سيأتي يوم إما أن تساعد فيه كل ممارس حي، أو ستصبح سيئاً تماماً مثلي."وإن كنت صادقاً، فأنا أبعد ما أكون عن الأسوأ؛
فالعديد من شيوخي كانوا سيعدمونك فوراً بمجرد أن تتحدث بتلك النبرة معهم.
ما لم يكونوا محترمين، فهم لا يريدون سماع همسة واحدة ممن يرونهم غير أهل لذلك، وهم معظم العالم، كما يتضح"."يبدو أنني أفضل حالاً إن لم ألتق بهم قط"."حسناً، إن كان هناك شخص واحد يستطيع قول ذلك بالفعل"، قال بينما تجولت عيناه نحو الأطفال الذين تفرقوا بين الجذور المتشابكة للأشجار الفردية."همم؟
آه، لدينا ضيوف مرة أخرى"، قال وهو ينهض، لأتبعه بسرعة. تجمّع الأطفال بدورهم بسرعة نحونا؛ وبعد أنفاس معدودة، بدأت الأشكال في الظهور من بين الأشجار. لم يكونوا بشراً، بل كانوا وحوشاً، مشوهة بأجمعها بطرقها الخاصة والفريدة. تلصصوا في دائرة واسعة لفترة قصيرة قبل أن ينقضوا إلى الأمام. مع ذلك، وعلى الرغم من حقيقة وجود عدد أكبر منهم، فقد ظلوا ضعفاء للغاية بشكل فردي. "المعركة"، إن جاز تسميتها كذلك بصراحة، انتهت في أقل من دقيقة. كان أحد الاختلافات هو أن جثثهم لم تُبتلع أبداً، وهي تفصيل أظن أنه مهم بالفعل، لكن لماذا؟ حسناً...".آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!!!"
انطلق عواء آخر، محركاً الأوراق المعلقة على الأغصان، على الرغم من أن هذا العواء كان أعلى بكثير من أي عواء سبقه. أو ربما، كان أقرب. أكان هذا هو كل ما في الأمر حقاً؟أشارت التلميحة إلى اتباع الصوت. أكان هذا هو ذلك الصوت حقاً؟ أعني، على حد علمي، لم يكن صوتاً واحداً حتى.
لكن لم يكن هناك أي شيء آخر."...
لنتبعه"، قلت."أَ-أه؟"
كان لاو شون الأول (وهو الوحيد، حقاً...)
الذي أبدى أي نوع من رد الفعل."ما أسوأ ما قد يحدث؟"
هزّكت كتفي."قد نموت"."أوه. إنه لأمر لطيف حقاً أن تعظّم الموت لدرجة اعتباره أسوأ مصير على الإطلاق"."..."ابتسم الأطفال بخبث — وحتى لونغ تاو سخر — لكن أحداً لم يعترض.
إما لأنهم شعرو أيضاً بوجوب التوجه نحو الصوت بحثاً عن أي فرصة لاكتشاف حقيقة هذا المكان، أو لأنهم وضعوا ثقة عمياء بحتة في قراراتي، وحتى لو قلت شيئاً فظيعاً مثل: "هَيْ، لندفن أنفسنا مثل تلك الجثث ونرى ما سيحدث!"
لربما فعلوا ذلك دون اعتراض أيضاً.... لماذا أشعر، أكثر فأكثر، أنني زعيم طائفة لا سيد مرشد؟!