نظام الزراعة: نسخة الشيوخ الفصل 257 — الظلام (8)

اقرأ نظام الزراعة: نسخة الشيوخ الفصل 257 — الظلام (8) باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل 257 الظلام (8)

انطلق لونغ تاو عبر الظلال متموّجاً، عابراً بين عشرات الغافلين كأنه شبح. لم يلتفت إليهم، بل ركّز بصره على وميض طاقة بعيد، وميض يحاول جاهداً البقاء في أقصى درجات الخفاء، ولكنه كان الوحيد الذي يدغدغ حواسه. كل من هنا كانوا مجرد أطفال، ولم يتجاوز أي منهم الثلاثين في تقديراته. غير أن تلك البصمة بدت قديمة. ليست قوية، لا، بل ببساطة... قديمة. تسلل بين الأشجار بلا أصوات تقريباً، وما إن اقترب مسافة مئتي قدم من المصدر حتى استشعر تحرّكه—وابتعاده عنه.

أه؟ هتف في سرّه مباغتاً بنزرة من الدهشة، إذ لم يتوقع أن يجد في هذا المكان النائي من يستطيع كشف ستره، ولكن —حجم العالم يفرض حتماً وجود بضع شذوذات هنا وهناك. زاد لونغ تاو من سرعته مضعفاً إياها ثلاث مرات، وقاطعا المسافة بين الطرفين في غضون أنفاس معدودات. كان قد ارتدى قناع الثعلب بالفعل حين خرج من غشاء الظلال، ليظهر أمام الهارب الذي توقف مفاجئاً بصرير حادّ. مثله مثل الآخرين، ارتدى القلنسوة والعباءة مخفياً كامل ملامحه.

بيد أنها ظلت ملابس عادية بلا تعاويذ، فلم تفلح في إخفائه عن أعين لونغ تاو. تحت طبقات المسحوق الأبيض المتراكمة، استقر وجه هرم عابث، تطوت تجاعيده كالأودية. واصفرّت حواف عينيه، فيما دقت شفتاه وانكمشتا. كان رجلاً يعيش أنفاسه الأخيرة، وعكس ذلك اضطراب زراعته الشديد—متراقصة بين ذروة تجلّي الروح ومقام شبه الملك في غضون أنفاس معدودة. وقفا باكنين صامتين، يحدّق كل منهما في الآخر هنيئة، قبل أن يكسر الرجل الصمت.

—أنت الحشرة التي سببت لنا المتاعب في تلك القرية. —الأوحد والفريد، قال لونغ تاو بابتسامة باهتة. ها أنا هنا مجددًا أثير المتاعب. إذن، أيها الوغد العجوز الصغير، لمَ تهرب؟ ألهذه الدرجة أنت مستميت في تشبّثك ببضع سنوات باقية من عمرك لدرجة التخلي عن كل هؤلاء الأطفال؟ —تّباً. لقد عرفوا قضيتنا حق المعرفة— —حسناً. لقد لاحظت، قال لونغ تاو. الأطفال يموتون، بينما عظام عجوز متآكلة مثلك...

تنجو بطريقة ما. أمر مضحك حقاً كيف تسير الأمور هكذا غالباً. —لسانك طليق أكثر مما ينبغي لطفل على وشك الموت. —الموت؟ أمال لونغ تاو رأسه وأطلق ضحكة قصيرة. لا، هذا هو المضحك حقاً. يؤسفني إبلاغك، لكني واثق تماماً أنه حتى لو وجد مائة من أمثالك، فإنكم ستنتهون جميعاً بلحس نعال حذائي. —هه، يا له من لطيف صغير، قهقه الرجل بغرابة. أأتظن نفسك منفيًا عن الموت لأنك نجوت من هجوم بعض الأطفال؟

أردت تجنب القتال، ولكن... هه، لعل الموت مبكراً لن يكون سيئاً إن تمكنت من سحبك معي وتقديم خدمة جليلة للعدم بأكمله. —قبل أن تفعل، قال لونغ تاو. أترغب في شرح ما تفعله هنا؟ أنت تريد تشي الحياة، وتريد منها الكثير، لكن عقول قادتكم النيرة استحالت ألا تدرك عدم حصولها على شيء هنا. —أنت لا تعرف شيئاً فحسب، بل تعرف أقل من القليل. وعلاوة على ذلك، أي قيمة للمعرفة؟ أنت دودة مثيرة للشفقة مصيرها قبر مبكر—مُت وحسب وأنت تعلم أنك خدمت قضية أعظم!

—يا للطف. قلب لونغ تاو عينيه وسلّ سيفه من فراغ متوهم—فتحرك السلاح من تلقاء نفسه كأنه ذو إرادة، قاطعاً دائرة كاملة خلفه بينما تناثر سائل أحمر تجاهه. بيد أنه لم يبلغ غايته قط، مرتدّاً عن بريق غير مرئي ليترشّض على الأرض حيث كانت ذراع كاملة ترتجف. غير أن عينيه لم تفارقا الرجل الباكي الذي التوى فجأة وصاح ألماً إثر اختفاء ذراع بأكملها من كتفه وتدفق الدماء. استخدم الأخرى فوراً لإغلاق نقاط الطاقة على كتفه، مقاطعاً النزيف.

—ك-كيف عرفت؟!! تشدّق العجوز مصطكّاً، شاحباً كأنما غدا ورقة بيضاء. —... لأنني لست ابن ست سنوات؟ تنهد لونغ تاو بضجر. ورغم إدراكه سبب استخفافهم جميعاً به—لبدوِه كطفل حقاً—فلم يقلل ذلك من إحباطه حيال مواجهة تفاهات... أساسية كهذه. إلهاء أحدهم بالكلام بينما تُعد هجوماً من الخلف؟ المرة الأخيرة التي انطلى عليه ذلك فيها، كان في الثامنة على الأرجح. ربما السابعة؟ لم يستطع التذكّر.

—آآآه! اللعنة عليك! سأقتلك! بدا أن الرجل فقد صوابه مندفعاً نحوه مباشرة كأنه ممسوس. تنهد لونغ تاو مجدداً وأمسك بالسيف الذي ظل يحوم ببساطة بجانبه. بيد أنه عوضاً عن الطعن للأمام، طعن برفق نحو يساره، ليشعر فوراً باختراق النصل للحم، ومع شعوره بضيق طفيف، فتله مسبباً المزيد من الألم. صرخ الرجل وأوقف اندفاعه، متراجعاً بسرعة كالقطة. —أ-أنت... بدت فجوة هائلة في جانبه الأيمن تنزف بغزارة، ومع محاولاته المستميتة لإغلاق نقاط الطاقة لوقف النزيف، استحال الأمر.

مزق لونغ تاو اللحم والأحشاء، وفتل سيفه لتمزيق جميع الأوعية الدموية والأوردة المجاورة. باستثناء حبة معجزة، سينزف ذلك الرجل حتى الموت في غضون عشر دقائق، أو ربما خمس عشرة. —أمامك عشر دقائق لتعيشها، قال لونغ تاو. حتى لو نجحت في الهرب بطريقة ما، فلن يغير ذلك شيئاً. في هذه اللحظة، لا يبدو الألم شديداً، لكنه سيتفاقم مع كل دقيقة تمر. قريباً بما يكفي، ستصرخ بأعلى صوتك محاولاً إلهاء عقلك.

لكنه لن يجدي نفعاً. الحركات الزائدة ستزيد الأمور سوءاً لا غير. أعرض عليك خياراً. أخبرني بما كنت تفعله هنا، أردف متمماً، وسأقطع رأسك لدرجة لا تجعلك تعي أنك متّ. أما إن واصلت التلاعب، فسأدعك تختبر كل ثانية من عذاب الموت. رجال أسوأ مني لم يكونوا ليمنحوك خياراً، لذا فأنا رحيم جداً. هااه. لا بد أنه تأثير المعلم إذ صرت ألين. ورغم بلوغ لونغ تاو أقصى درجات الجدية، تلقى الرجل ذلك استهزاءً، صاكاً أسرّته بغضب حارق.

بيد أن الحقيقة، هجس لونغ تاو، هي أنه لان حقاً. وحتى إن لم يكن مهووساً بالقتل بالضرورة في حياته السابقة حتى العقود الأخيرة، فقد حُفر كبرياؤه في عظامه. أي إهانة طفيفة كانت تواجه بحد سيفه، ولم تكن الرحمة كلمة يألفها بشكل خاص. حتى بعد أقسمه بالحفاظ على تجرده التام من كل شيء في سعيه وراء الانتقام، فقد أخفق. وها هو الآن يمنح دودة عشوائية سينساها خلال ست عشرة دقيقة خياراً.

أمراً لم يحظَ به قط رجال ونساء أعظم شأناً وأجلّ قدراً منه بكثير. —ح-حسناً، سأخبرك! هتف الرجل واقعاً على ركبتيه. لكن يجب أن تقسم يميناً بألا تخبر أحداً أنني أنا من فعل! إن كُشف الأمر يوماً، ستُبيد عائلتي بأسرها! —... حدّق لونغ تاو بصمت في عيني الرجل هنيئة، متسائلاً كيف لمخلوق بهذا القدر من الغباء أن يعيش طويلاً هكذا. أقسم بالسموات أن ما تخبرني به هنا سيكون كأن الرياح نفسها أخبرتني به.

لن أبث في أي وقت طوال ما تبقى من أيامي بأن هذه المعرفة أتتك مني. لم تكن لدى لونغ تاو أي مخاوف حيال أداء يمين لكونه غير ذي صلة—إذ لم يكن الرجل يطلب عدم مشاركة المعرفة، بل مصدرها فقط. ولن يفعل على أي حال، لكن ما لم يدركه الرجل...... سيعلمون. فوراً.