الفصل 254 الظلام (5)
أوواهووواااات!!
تردّدت أصداء "عواء"
غريب (أهي أنين؟ أهو زمجرة؟ لعلّه مزيج من هذا وذاك) في ارجاء الغابة بفواصل منتظمة الى حدّ ما. بدت تارة عميقة ورخيمة، وبدت تارة حادة، وطالت حيناً وقصرت حيناً آخر. خلا الامر من أي نمط حقيقي، لكننا اعتدنا الامر برمّته تقريباً بعد نحو يوم من الاصغاء اليه، فلم نعد نفزع مع كل مرة. واجهنا في تلك الاثناء توحشين اخرين — وقف احدهما منتصباً، وان بدا اقل شبهًا بالبشر واقرب الى...
لا اعلم، ربما مستذئب؟ اتخذت ساقاه زوايا غريبة، بينما شابه جذعاه وذراعاه البشر بطريقة مريبة. ومع ذلك، التهمت الاورام الغريبة كلاً منهما، تماماً مثلما التهمت الوحش الاول الذي شهدناه عن كثب. قضى الصبية على الاثنين بضربة واحدة ايضاً، إذ لم يكونا بالغَي القوة. شغلني اثناء ذلك كله تلميح لم يكن تلميحاً بقدر ما كان عبارة مبهمة. اتبع صوتاً؟ اي صوت؟ أهناك بشر في هذا المكان؟ لا طاقة لي بمعرفة ذلك على اي حال.
كانت الأصداء الشبيهة بالاصوات وحدها تلك العواءات، وحتى لو اردنا لما استطعنا تتبعها بالمعنى الحرفي، لبدا انها تنبع من بقع مختلفة في الغابة. اشعر ببعض الخداع للامور بصراحة، اذ توقعت ما هو اكثر واقعية بقليل. ومع ذلك، اكد الامر شيئاً واحداً على الاقل: الحديقة، او بديلها على الاقل، حقيقية وموجودة في مكان ما هنا. اين؟ اجل. كان ذلك هو السؤال الكبير. بدأنا نسترخي نوعاً ما بعد المواجهات الاولى، بل وتجرأنا على التعمق قليلاً مبتعدين عن الطرف، وعندها ايضاً بدأت ألحظ بعض...
الاختلافات.
لا شيئ كبيراً، او حتى "مقلقاً"
باي شكل، لكنه بدا مختلفاً بالقدر الذي جعلني التقطه.
تمثل الاول في ان "دوران"
الطاقة، ان صح التعبير، بات ابطأ قليلاً. كان الثاني اقل سحرية، اذ اقتصر على حضور الرطوبة في الهواء فعلياً. كان الهواء على الاطراف جافاً كالعظم تماماً. ذكرني ذلك باول جهاز تكييف رخيص حصلت عليه انا وياء للشقة، وكيف جفف المكان حتى العظم الى ان شرعنا في ترك اكواب الماء في كل مكان.
ومع انه ظل جافاً، الا انه بدا غريباً كونه صار "أكثر ابتلالاً"
هنا. وثالثاً، وبالتزامن نوعاً ما مع الرطوبة، اخذ الهواء يزداد... دفئاً. اقصد، ربما كان عقدي هو المقلوب، ألم يفترض العكس تماماً؟ ألا يكون اكثر سخونة بالقرب من الاطراف ثم يبرد كلما توغلنا للداخل؟
اما الاخير، ولعلّه اكثرها "إقلاقاً"، فتمثل في انه كان...
مثالياً اكثر من اللازم. لم تكن الاشجار متطابقة، كلا، بل كانت متباعدة بانتظام تام. لا، حقاً، لو حملت معي شريط قياس وشرعت في بعض القياسات، لرجحت ان اجدها متباعدة بمسافات دقيقة، يتخللها انحراف طفيف لا يتعدى بوصة او بوصتين. استطعت تمرير التناقضات الاخرى بسحر عالم سيء الصيت لم ادركه بعد، لكن الاخير افزعني قليلاً. لن أقول (حتى الآن) ان الغابة مصممة، لكن لو وجد طفل مصاب باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه واراد تصميم غابة، لبدت على الارجح شبيهة بهذا.
ومع ذلك، وبما ان احداً لم يشر الى الامر... فقد اطبقت فمي. لا ارغب في جعل نفسي اضحوكة بنطق ذلك بصراحة ثم اكتشاف ان هذا النوع من الاشجار ينمو طبيعياً بنمط متباعد بانتظام تام او ما شابه.
حذر وان لان قائلاً: "هناك ثلاثة الان"، فيما توقفنا جميعاً ونفذوا طقسهم المعتاد في احاطتي بدائرة.
تذمرت لو علمت ان ذلك سينفعني بشيء. مثل ذي قبل، سُحق الثلاثة بسرعة لضعفهم، ومثل ذي قبل، تقدمنا لفحصهم عن كثب. تذكر الثلاثة جميعاً وحشنا الاول باغلب التفاصيل، مع الفارق المتمثل في تدرجات طفيفة متغيرة لاوبارهم. او، حسن, ما تبقي منها قليلاً، الاجزاء المتباعدة التي لم تأكلها الاورام. فيما كنت منخفضا، خذلتني قدمي قليلاً تحتي فتعثرت للوراء بعض الشيء سانداً نفسي بيدي. لم احظ بالوقت الكافي لشعور بالحرج، إذ لاحظت شذوذاً آخر — كانت يدي تلامس طحلب.
بدا كطحلب، وكان رطباً كطحلب، وطحاليباً كطحلب، بيد ان هناك فارقاً رئيسياً واحداً. كان دافئاً. كلا، انسَ ذلك، بل كان ساخناً بالكامل. كفنجان قهوة لا يحرقك بالضرورة، لكن امساكه ليس مريحاً تماماً ايضاً.
شعرت بسي تشاو وداي شيو يحاولان نهوضي بسرعة وهما يقولان: "المعلم، أانت بخير؟"، فتجاهلتهما منحنياً للاسفل مجدداً وواضعاً فانوس الزيت بجواري.
نما الرمادي الباهت الذي رأيته مشبعاً، متحولاً بوضوح الى بني رطب وباهت وعفن لا يشبه الطحالب. وضعت يدي عليه مرة اخرى، مسحباً اياها للاسفل؛ وبالصدفة، فتحته و، حسن، كدت اخرج فضلاتي من الرعب صائحاً. كان لونغ تاو اول من هبط، شارعاً سيفه ومسدداً اياه نحو الطحلب، بينما كانت ذراعه تتحرك بالفعل للطعن قبل ان تتوقف بغتة؛ دفعني في طريقه للاسفل فتعثرت بلاو شون الذي كان مستعداً بالفعل للامساك بي.
ما الذي كاد يقفز بقلبي خارج صدري حقاً؟ عين. هذا صحيح. هناك عين هناك.
سأل سي تشاو حين رأى لونغ تاو واقفاً بلا حركة: "ما هذا، ايها الاخ الاكبر؟!"
"... عين."
تجمّع الجميع حول وسخ الطحلب المنفرج قليلاً، حيث برزت عين بشرية من الشق الذي صنعته. انحنى لونغ تاو للامام وبسطه اكثر، فاتضح انها لم تكن عيناً. كلا. بل رأس كامل. مرتبط بجسد كامل. كان جثة باردة لا تقوى على الحراك لامرأة تبدو في العشرينيات من عمرها وكأنها ماتت قبل نحو ثماني عشرة دقيقة. لكن لا سبيل لذلك — فقد دُفنت تحت طبقات عديدة من الطحالب، بينما انبعثت جذور الشجرة من حولها فعلياً، كأنها تحضنها.
أثبتت قطع الثياب المتعفنة المفككة انها ماتت منذ فترة، مع ان سبب تحنيط جسدها بهذه المثالية...
جذبنا صوت لاو شون من ذهولنا اذ التفتنا صوبه بتناسق متمرس تقريباً، وهو يقول: "هاه؟ زو مين؟"
سألت: "أتعرفها؟"
عبس قائلاً: "امم، ليس شخصياً. معلمها، اللورد سامي المقام"، اليس ذلك مكرراً بعض الشيء؟
"كان يستأجرني احياناً لابتكار بعض الحبوب له. التقيتها مرة او مرتين، رغم أنها كانت طفلة جداً حينها. لم ار أيًا منهما منذ، هاه، لابد ان قرناً كاملاً قد مضى الان. سادت شاعات بانها رفضت طلب زواج ابن ملك قوي، مما اضطرها للفرار، وفرّ معلمها معها. لتنتهي به المطاف هنا..."
عبس داي شيو متسائلاً: "أقلت قبل قرن تقريباً؟ لماذا تبدو وكأنها ماتت قبل نصف ساعة؟"
تمتم مبتسماً بمرارة: "ذلك، لا علم لي به حقاً..."