الفصل 25 أن تكون معلماً (4)
تأمل الشيخ تشين بصمت تعبير الذعر المستتر بالكاد على وجه الرجل الماثل أمامه. لقد تغير الشيخ لو ولكنه ظل على حاله أيضاً. ولا يمكن لومه على جبنه فمواهبه كانت في قاع القاع حقاً. لقد كان ثمرة عقدة كارمية تفككت وتحملت الطائفة الأمر بصمت إكراماً لشيخ الطائفة. غير أن الشيخ تشين تفاجأ قليلاً لدى وصوله. فالمنزل المتهالك سابقاً بدا أطول قامة ولم يعد له أثر للنتن وأصبحت ألواح الأرضية أكثر سلاسة.
كما لمحت عيناه أساسات مبنى متراصة في الزاوية خلف المنزل فضلاً عن تلميذين رغم تواضع قدراتهما للغاية بدا وكأنهما لا يعوزهما شيء. وقد بدا ذلك جلياً خصوصاً مع الفتاة الصغيرة التي قدمت الشاي فقد لاحظ الشيخ تشين بعينيه الثاقبتين أنها مسمومة وأن طاقتها الحيوية كانت راكدة كالمياه في مجار تغطيها أوراق الشجر. وكان الشاي المقدم تحديداً هو الدواء لذلك العلة فشاي طاقة العفن قلما كانت له فوائد سوى مذاقه الخفيف وإحداها خصائصه المضادة للسموم.
ورغم أنه لم يعلم يقيناً أي سم كان يعذب الفتاة فمن الواضح أن الشاي كان المفتاح لشفائها. أتعرف الشيخ لو على ذلك أيضاً؟ وإن كان الأمر كذلك... فكيف؟
قال الشيخ تشين قاطعاً الصمت بابتسامة: "لا تقلق. لست بين الشيوخ المكلفين بهذا".
"أه أشكر—أعني كل ما تطلبه الطائفة فسيكون".
كبح الشيخ تشين ضحكة. لقد تغير الرجل حقاً ورغم أن أحداً سواها في الطائفة لم يلاحظ ذلك على الأرجح فهو قد لاحظه. فعلى مر السنين طالما تعامل مع الشيخ لو ممتلئ الجسم قليلاً حين كان يلتمس المزيد من القروض في قاعة الإدارة. وكان الجميع هناك يدركون جيداً أن تلك لم تكن قروضاً حقاً بل هبات لكن أحداً لم ينطق بكلمة. حتى وقت قريب كلما تفاعل الاقتصاص بينه وبين الشيخ لو لم يجرؤ الأخير قط على النظر في عينيه ناهيك عن الحديث بل كان يتتعتع ويتوسل ويغدو صوته همساً خافتاً.
وكان شديد التكتم حتى وإن بدت كل رغباته جلية للعيان. وأياً كانت الأسباب فلن يحقق الشيخ تشين في الأمر. كانت السماوات شاسعة ولا سبر أغوار لها وتدابيرها لا تنتهي. وما دام الرجل لم يأت بما يحبط مسيرة الطائفة فلن يحقق أحد في تغييراته. وهو نفسه تحول من شاب محتال طائش إلى شخص لا يطيق مثل هذا الظلم ولم يكن ذلك مجرد نتاج للتقدم في السن.
غير مجرى الحديث قائلاً: "لقد سمعت أنك أبرمت رهاناً مع الطاوي مو".
"فعلت".
"أواثق أنت؟"
"أنا واثق".
وبدا واثقاً حقاً. التفت الشيخ تشين بنظره نحو لونغ تاو آخر طفل اتخذ معلماً في الدفعة الأخيرة. ورغم أن هيبة الصبي كانت جديرة بالثناء فالموهبة كانت... فحتى مع موارد ورعاية أعمق كان من المستبعد أن يبلغ الصبي حتى المرحلة الأولى من تكثيف الطاقة ناهيك عن أي تقدم آخر. وسيكون معجزة مجرد الصمود لعشرة أنفاس فما بالك بهزيمة أي من تلامذة الطاوي مو. بيد أن الشيخ تشين لم يتدخل.
فهذه الرهانات مقبولة إذ تشجع الشيوخ والشمامسة على رعاية الأطفال بصورة أفضل. أما عن تداعيات الرهان فسوف يتوسط بطبيعة الحال ويمنع طرد الشيخ لو. وبدعم منه ومن شيخ الطائفة فلن يكون بوسع أحد النطق بحرف.
"... كنت سأكون أكثر ثقة لو وردت بضع هبات إضافية إلى الجبل..."
ورغم أن الكلمات جاءت خافتة فقد سمعها الشيخ تشين فيما كان يرفع فنجان الشاي في منتصف الطريق نحو شفتيه. ارتجفت أصابعه وارتجف جفناه وألقى نظرة ليرى متوسط العمر يتصرف كطفل تقريباً وعيناه تزيغان يميناً ويساراً.
"أه؟ أتعوزك الهبات؟"
"لا لا! لست... أعوز..."
"هاه".
عوضاً عن الضحك آثر الشيخ تشين التنهد. لقد كان الأمر عبثياً حقاً لكنه غض الطرف عنه. فأن لم يكن يعوزه شيء فهو الموارد. لقد بلغ بالفعل ذروة عالم النواة الدائرة ودون تلك الكنافز السماوية فلن يعينه شيء على الاختراق.
وامتلك مئات السنين من الاحتياطي الذي يوشك على التلف لذا جاز له أن يترقب ما إذا كان «استثماره»
سيؤتي أُكُلاً أوفر.
"حسناً. هاك".
استحضره كيساً صغيراً من خاتمه المكاني ممتلئاً بنحو ألف من حجار الروح متوسطة الدرجة. لقد كان مبلغاً ضخماً بحق إذ ارتاب في واقع الأمر بأن معظم الشيوخ الآخرين بالكاد امتلكوا ذلك في أعمق مدخراتهم. أما بالنسبة إليه فقد كان مقادراً غير ضار البتة ورغب حقاً في معاينة مدى التغيير الذي سيحدثه ذلك.
"أه أشكرك أيها الشيخ تشين على نعمتك! أه..."
"... ما الأمر الآن؟"
لن يطلب المزيد أتراه يفعل؟ لا سبيل لوجود شخص بهذا القدر من الوقاحة في هذا العالم!
"ر... رهان أترغب في عقد واحد؟"
أنا أعرف أعرف— أنا ألعب بالنار! لكن لا بأس فقد امتلكت بدلة رجل إطفاء—لونغ تاو! لقد كان الصبي بالفعل في المرحلة الخامسة—لا انتظر لقد اخترق الحاجز في وقت سابق من اليوم وبات الآن في المرحلة السادس من عالم تكثيف الطاقة مضاهياً بالفعل أقرانه الأكبر سناً من دفعتين سابقتين. والسبيل الوحيد لخسارته تلك البطولات تتمثل في قراره الاستسلام أو عدم المشاركة. غير أني آثرت الإيمان بالنظام فقد أخبرني مسبقاً بأنه سيشارك ولا يساور جسدي الهزيل أدنى شك في أن وحشاً عجوزاً مثله لن يفكر قط في الاستسلام أمام بعض الأطفال.
عليّ... عليّ فقط حمله على تقييد قوته... لذا ومع معرفتي بكل ذلك عقدت العزم على اللعب بالنار. ورغم جهلي بالعدد الدقيق للحجار داخل الكيس فقد كان هناك الكثير منها. كثيرة حقاً. المئات وربما الألف! ذلك عدد مجنون يا له من جنون!
فبعد كل شيء ذكر الشيخ تشين للتو أن الطائفة بأسرها أرسلت ما يجاوز خمسة آلاف كنوع من «الاعتذار».
لذا فإن ألفاً من حجار الروح متوسطة الدرجة... كافية للارتقاء بلونغ تاو إلى ذروة تأسيس البناء! انتظر على الأرجح لا. عادة ما يمارس هؤلاء الوحوش إحدى تلك الممارسات بطيئة المفعول لكنها فائقة القوة والتي تتطلب وقتاً لـ—حسنأً أياً يكن الشاهد هنا أنها وفرة من حجار الروح. بيد أن. بيد أن. بوسعي امتلاك المزيد دوماً.
"رهان؟"
تجفل واجماً وظهر ذلك جلياً هذه المرة. كانت زوايا شفتيه ترتجفان ورأيت عضلاته تتوتر لفترة وجيزة وكأنه على وشك الانفجار وكسر عنقي. ولسوّ حظه تماسك.
"ليس بالأمر الجلل ليس بالأمر الجلل"
سارعت بالقول: "إن حظي تلميذي بـ... همم بنيل المركز الأول فستدبر له أمر التدرب في الغرفة الأمامية لمدة 6 ساعات".
"..."
برد الجỗ فجأة ووجدت نفسي عاجزاً عن التنفس بحرية بحق الجحيم ما الغرفة الأمامية هذه لست أدري—فليس عندي سوى ذكرى باهتة من ماض بعيد مؤطرة تحت عنوان «مكان مبارك يرتاده أشد تلاميذ الطائفة موهبة للتدرب فيه».
ثمة احتمال كبير أني طلبت ما لا يمكن بلوغه لذا استعددت مسرعاً للتوسل طلباً لحياتي ولكن لخير الحظ انفرجت الأجواء الموتورة إذ قطع الشيخ الصمت قائلاً: "حسناً جداً. إن بلغ تلميذك المركز الأول فسأدبر له أمر التدرب في الغرفة الأمامية. ست ساعات رغم ذلك؟ أيها الشيخ لو لا أعني الإساءة لكن تلك أغبى فكرة سمعتها طوال حياتي. فحتى الحكيم الروحي لا يمكنه الصمود سوى دقيقتين. أتكره تلميذك وتتمنى له الموت؟"
"..."
أه حسناً. إذن يتضح جلية فأجلياً بأنه لا يمكنني الاعتماد قط على أي من ذكريات لو تشي! لقد كان ذلك الرجل أبله حقيقياً!