الفصل 222 اسطورة الحكيم الكيميائي (الرابعة)
قال: "كما قلت. بحسب أبي، الكيمياء صارمة. وهي جماعة منغلقة لدرجة أن عدداً كبيراً من الكيميائيين لا يأخذون تلاميذ البتة ويخفون معارفهم كما تخفي أسلوب زراعة. هذه الطائفة استثناء وليست القاعدة، ولكن يرجع ذلك إلى أن المعايير هنا ليست مرتفعة للغاية في الغالب. تخيل هذا الخط بوصفه المعرفة المكثفة للكيمياء".
رسم خطاً على الورق، خطاً رفيعاً للغاية.
"حين يموت كيميائي ثلاثي الجوانب فحسب، ينقطع الخط لأن بعض المعارف التي اكتشفها بنفسه تصير مفقودة الآن ويجب إعادة اكتشافها. بالكاد يوجد استمرار، ولكن من يعاني أكثر بسبب ذلك؟ هذا الخط هو مجموع كل الكيميائيين الموجودين عبر السماوات"، رسم خطاً آخر.
"حين يموت كيميائي دون تمرير معرفته"، رسم خطاً يشبه القطع فوق الخط الطويل نحو أعلاه.
"يعاني من هم في الأسفل. كرر هذا مرة بعد أخرى، عبر آلاف وآلاف وآلاف السنين من الوجود، وتتشتت معرفة الكيمياء لدرجة أن أبسط الأمور يجب إعادة تعلمها، خصوصاً في مكان مثل هذا. ولكن لأن الكيمياء تتعامل مع نفسها بوصفها فناً سماوياً، فهناك قلة قليلة مستعدة لتدنيسه، فما إن يجدوا طريقة واحدة لاستخدام شيء ما، حتى يرفضوا البحث عن طريقة أخرى. إنها عقليّة تستقر في أعماق النفس وتنتقل خطا بخط إلى الأجيال الأصغر".
أنا أفهم. بغض النظر عن مدى غبائي في ذلك الوقت، إلا أنني استوعب فكرة المعرفة المفقودة. الأمر ليس علماً معقداً. وحتى لو كان هذا المكان مجرد منطقة نائية حيث معايير الكيمياء في الحضيض حقاً، فلا يمكنني أن أصدق بضمير مرتاح أن الناس لن يحاولوا على الأقل. أو لعلني أنا من يطبق الحساسيات الأرضية مجدداً حيث لا ينبغي لها؟ إذا فكرت في الكيمياء بوصفها ديناً لا حرفة، تتغير الفكرة قليلاً.
لم يعد الأمر متعلقاً بالتجريب واكتشاف الأمور، بل باتباع عقائدي لما يؤمنون به أياً كان.
"الأمر ليس أنهم لا يفكرون في الطرق البديلة"، قال وهو يقف.
"بل الأقرب أن لديهم عقلية مشابهة لعقليتك، فهم يفكرون: لم يقل أي كتاب قرأته قط بضرورة تحضير هذا المكون بأي طريقة أخرى؛ ولو أمكن تحضيره بطريقة أخرى لذكره الكتاب. أنا لا أريد إهدار مكون صالح تماماً"، ولذا، فهم لا يفعلون ذلك أبداً.
"إذن هذا لا يجعلني عبقرياً للغاية، أليس كذلك؟"
أطلقت ضحكة خافتة.
"... لا".
كان الصمت طويلاً نوعاً ما، وابتسامته غريبة.
"العباقرة الوحيدون في هذه الأرجاء هم آباؤنا".
"أه، نجلّ. لا عباقرة كالأموات".
"بالفعل. بالتوفيق في عرضك"، قال.
"سأخبر الآخرين بالاستعداد للركض إن لم تسر الأمور وفق هوّينا".
"..."
هذه ليست فكرة مخيفة، أبداً.
"ولك بالتوفيق أيضاً".
طوال الأيام الثلاثة التالية، قمت أنا وگو ژاو بالكثير من تدريبات روتيننا. حسناً، لم يكن هناك 'روتين' حقاً؛ كان يستدعي الشيوخ في الغالبويسألهم أيّ ممّا فعلناه يبدو منطقياً أكثر، فيحملقون فينا ببلادة كأننا أغبياء، وحينها يشاركهم إحدى الطرق البديلة لتحضير عشبة ما، ناسباً الفضل إليّ، وعند تلك اللحظة كنت أرى مجموعة جديدة من الأعين تحدق بي بطرق لا أرتتاح لها. لقد أرسل رسالة مسبقاً لإعلام السيدة أو المدام أو أياً كان اللقب الذي تفضله، وجاء الرد على هيئة عاصفة من الـقِيّ هبطت مباشرة في قاعة التجمعات بينما كنا نجلستهنا نشرب الشاي وبينما كان يحاول انتزاع بعض 'معارف الكيمياء القديمة' مني لأنه كان قانعاً تماماً بأنني ملك كيمياء خفي أو ما شابه.
اخترقت عاصفة الـقِيّ السقف دون أن تحدث أي ضرر حقيقي، حاطّة على بعد أقدام قليلة إلى اليمين. ولأن گو ژاو بدا غير آبه بها، تظاهرت أنا أيضاً بأنني بخير أمام أمر كان يبعد بوصات قليلة عن تحويلي إلى قنفذ. ومن الغبار والضوء النازف انبثقت امرأة، كانت عملاقة تماماً، بطول ستة أقدام وخمس بوصات على أقل تقدير، مرتدية رداءين أسودين طويلين بدا وكأنهما يشعان نورا حول الحواف المطرزة بالذهب.
لقد قصت شعرها قصيراً، مما جعلها تبدو أصغر سناً بعض الشيء مما تبدو عليه ملامح وجهها، محددة عمرها في منتصف الثلاثينات تقريباً. بالطبع، لم ينطبق أي من هذا هنا؛ فمعظم هؤلاء العجائز البغيضين تناهز أعمارهم قروناً على الأقل، لذا كانت مظاهرهم غير ذات صلة. كان تعبيرها بارداً، ولكن انطوى النظرة على شغب من اليأس.
قالت بصوت خشن نوعاً ما: "لقد قرأت رسالتك أيها العجوز گو. خط يدك لا يزال فظيعاً".
"وما زال لديك معيار عالٍ للغاية يا الآنسة ژو".
"تش"، نقرت بلسانها وهي تجلس، ملقية نظرة عابرة عليّ قبل أن تركز على العجوز.
"الآنسة؟ أنت تصبح أكثر جرأة مع كل ساعة حقاً".
ضحك گو ژاو بخفة: "مجرد إطراء. الرد على رسالة ينبغي أن يكون رسالة يا مدام".
قالت: "أنا أحب ابنتي أكثر من حياتي نفسها أيها العجوز گو. ولكني متعبة. متعبة من الوعود الفارغة، ومن الرجال والنساء الذين يقسمون أيماناً مغلظة بأنهم سيجعلونها أفضل، ومن رؤية عدد لا يحصى من الإكسيرات الملقبة بالسماوية لا تفعل شيئاً على الإطلاق من أجلها".
"أتخيل ذلك"، صبّ گو ژاو الشاي لنا جميعا بهدوء؛
وبدت هي مندهشة بعض الشيء، مرجح ذلك إلى إشارته بأنني، مجرد نكرة صغير، أنتمي إلى هذا الحوار أيضاً. ومع ذلك، لم تعترف بوجودي قط. لا ألومها بصراحة؛ فهي لا تراني سوى طفل عشوائي لتجلي الروح.
قالت وهي ترتشف الشاي دون حتى أن تشمه: "قال المعلم لاو بثقة تامة إنك كنت تكذب".
"المعلم لاو هو...؟"
"أه، لا تلعب هذه الحيل معي؛ هذا ليس اجتماع مجلس، ولن نلعب السياسة هنا".
همم. أنا أحبها في الواقع. أو، حسناً، أحب ما رأيته منها.
"أنا أقول إن ذلك الكيميائي الأعظم للروح يراهن بسمعته للقول إنك لا تستطيع علاجها. ولولا توسلي إليه، لنشر الرسالة علناً ليخجلك حتى تعتزل. هاه، إنه رجل مزعج للغاية. وأنت كذلك، لكني تعلمت أن هناك درجات لذلك. يثرثر بلا نهاية عن الفنغ شوي للغرفة، وتصادم العناصر الخمسة، وأصول الداو، وكيف تتقاطع مع طبيعة الكيمياء... جزء مني يتمنى أن تكون كلماتك صحيحة، ليس فقط لإنقاذ ابنتي، بل لإسكات ذلك الرجل لبضع ساعات على الأقل".
قال باندافع شديد الثقة: "مع أنني مجرد كيميائي من رتبة القلب، إلا أنني أملك كرامتي يا مدام. لن أصيغ في كلمات اعتقاداً لست متأكداً منه. يمكنني مساعدة ابنتك، ويمكنني فعل ذلك بدون الجينسنغ".
"... كيف؟"
سألت. أقصد، بالطبع فعلت؛
بغض النظر عن التاريخ بين هذين الاثنين، فلن تكتفي بالقول لنا: "بالطبع، تفضلوا وافعلوا أشياء غريبة بابنتي!"،أوقح، ما اللعين الخطبيبي؟
قال وهو يأخذ نفساً عميقاً: "حسناء. اسمحي لي أن أقدم لك المعلم لو".
أشار إليّ، مدمجاً إيّاها في نهاية المطاف في هذه التمثيلية بأكملها.
"الرجل الذي ساعدني في اكتشاف طريقة لعلاج ابنتك".