الفصل 218 ارواح مزهرة (٧)
لحسن الحظ لم يرتكب لونغ تاو أي حماقة.. هكذا آمل على الأقل. ذهب وعاد ولم تكن المدينة تتداعى ولم يُفرَض فيها أي عرف حارسي ولم تنتشر مفارز الحراس في الشوارع بحثاً عنه. الأمور تسير على ما يرام حتى الآن. أما عن بوصلة رحلته وما ارتكب فيها؟ فلست أدري حقاً. عاد في ومض الفجر وهو التوقيت تماماً الذي مرّ فيه غو هاي ليجرّنا جميعاً إلى المقصف.. أو فلنقل قاعة الطعام كما يسمونها هنا..
لتناول الإفطار. وبينما أخذ الأطفال مجالسهم مع تلامذة الطائفة، قِيدتُ أنا إلى مقعد الشرف بجانب الشيوخ ومُلِك الطائفة. اجلسِ اجلسِ أيها الصديق الشاب! بدا غو زاو مبتهجاً للغاية.. يرجح أن السبب هو إخباري له بأني سأساعده في معالجة أكبر صداع يواجهه.. غير أني أتساءل حقاً عن شعوره لو أخبرته أن تلك الفتاة أو المرأة على الأرجح ستلفظ أنفاسها الأخيرة قبل أن يُعدّ أي نوع من العلاج.
أيها القوم، هذا ضيف شرفنا اليافع لو! عاملوه كما تعاملونني. لا بل انتظروا، أنتم تعاملونني أسوأ من مجرم.. فعاملوه بالعكس تماماً من معاملتكم لي! ضحكوا جميعاً، غير أن نظرات الفحص كانت تختبئ تحت تلك القناع؛ كنت أبدو في الثلاثين من عمري تقريباً مع أني ما زلت أحصر نطاق زراعتي في ذروة تجسد الروح. في الواقع، اتبع جميع الأطفال هذا النهج بناءً على توجيهاتي وتوجيهات لونغ تاو أيضاً.
بالنسبة للآخرين، بدا أن وان لان وحدها هي من اخترقت حاجز تأسيس الأساس، بينما راح البقية يحومون بين المرحلة العاشرة وذروة نطاق تكثيف تشي، بما فيهم لونغ تاو. صراحة، من بين كل الفنون المساعدة، يكاد هذا الفن أن يكون ثانياً بعد فن البقاء، فهو أشبه بطبقة ثانية من الكتمان. أهلاً بك أيها اليافع لو. أتمنى ألا يكون الأطفال قد أزعجوك. لم أر العجوز زاو متحمساً هكذا تجاه أحدهم منذ زيارتنا الأخيرة لدار البغاء.
أي دار بغاء أيها النذل! لا تجرني معك إلى دركك السفلي! مع أني رغبت حقاً بالتفاعل والشعور بأني جزء من كل ذلك، إلا أني لم استطع. والسبب أبسط مما يتصورون: الطعام. بدا شهياً لدرجة جعلتني أعجز عن فهم سبب إحجام الجميع عن الوثب عليه فوراً. ظننتهم نباتيين أو ما شابه بحكم أنهم.. أنهم خيميائيون وما إلى ذلك.. هل يعقل أن يصح هذا أصلاً؟ لكنهم لم يكونوا كذلك. كانت المائدة ضاجة بكل ما لذّ وطاب..
بيض مسلوق، شرائح لحم مجفف، فواكه طازجة وسلطات، سلمون مسلوق، صدور دجاج مغلفة بالعسل، وبعض الحساء واليخنات.. وكان بإمكاني رؤيتها. بقع التوابل الصغيرة المتلألئة وهي تزين سطوحها العصارية المُعَدّة بعناية. يا للروعة. بل إن لديهم أرز بالكاري والفلفل الحار. هل أنت بخير أيها اليافع لو؟ لابد أن تعبيرات وجهي قد التوت في لُجّة ما بينما انتشلني الصوت من غشاوتي. التفتُّ جانبياً نحو غو زاو مبتسماً لوجهه القلق.
نعم، معذرة. لقد سافرنا لفترة طويلة جداً، لذا فإن كل هذا الطعام.. آه، كم كنت غير مهذب. أيها القوم، هيا انقضوا. حان وقت الأكل. وأكلتُ بالفعل. خلال سبع عشرة دقيقة، وقعتُ في غيبوبة طعام متهالكاً على مقعدي حتى صرت أشبه بتلك الصور التوضيحية لمشاكل أسفل الظهر الناتجة عن الجلوس الخاطئ أمام حاسوب. تعرقت ثلاث مرات، مرتان بسبب شدة حرارة بعض التوابل وبالتحديد الفلفل الحار، ومرة لأن..
حسناً، لا أدري صراحة. ربما عرق اللحم؟ لقد تنالُت قدراً هائلاً من اللحم يقيناً. الكثير حقاً. أنا واثق تماماً أنني صرت في مرحلة ما معرضاً فنياً، إذ انتهى الجميع من الأكل وباتوا يحدقون بي فحسب، كأني غول جائع لم يطعم منذ أسابيع. لكنني لم أعبأ. دعهم يحكمون عليّ. لقد حظيت بوجبة أخيراً. ليس مجرد طعام، بل وجبة حقيقية. اللعنة. لا يمكنني السماح لتلك الفتاة بالموت الآن. هذه النعمة التي غُنمتُ بها..
يجب أن أردّها، وأفضل سريقة لفعل ذلك هي جعل هذا الكيس البشري المبتسم ينال فضل إنقاذها. علق أحدهم بابتسامة خبيثة: اليافع لو، تملك شهية جيبة حقاً. لكنني كنت متعباً لدرجة عجِزت معها عن رفع ذقني لأرى هوية المتحدث. أوه، اخرسِ أيتها المرأة. لقد رأيتك يوماً تأكلين قراصاً برياً نياً لأنك ظننت أنه سيجعل بشرتك أكثر إشراقاً. أمرة واحدة فقط؟ لقد رأيتها تفعل ذلك عشرات الممرات. هه؟
أتريد الخوض في هذا؟ وماذا عنك أنت ها؟ أَتظن أن أياً منا لا يعلم أنك تمضغ الليمون حرفياً حين لا يراك أحد؟ أنت تستهلك نصف الحصة المخصصة! لا نملك سوى القليل منها، وتتجرأ على أكل النصف.. وبأكثر الطرق وحشية ممكنة! .. مم؟ لاح لي للتو أن عراكاً قد اندلع. حسنً، ليس عراكاً تماماً.. بل لعلهم شرعوا في تبادل اللدغات اللفظية فحسب. اعتدلت في جلستي ناظراً حول، فرأيت ملامح غو زاو مسترخية كأن ما يجري حدث طبيعي تماماً.
قال: لا تكون الوجبة الجماعية وجبة حقاً دون بضعة عراكات. ولهذا لا نأكل معاً في العادة. أوه. حسنً، المقربون يتشاجرون؛ تلك طبيعة الأمور. الأمر كذلك حقاً. قلت وأنا ألتقط حبات عنب كوجبة خفيفة تلي الطعام: لقد كنتم لطفاء معي للغاية. هاها، بالكاد. إنه أقل ما يمكنني فعله من أجل.. حسنً، أنت تعلم. أردفت قائلاً: على ذكر ما نعلمه. سأقول لك شيئاً. لكن.. فقط إن أقسمت يميناً بعدم الاستفسار عنه أكثر.
تحولت ملامحه إلى الجدية المطلقة.
لحسن الحظ، لم يكن أحد يعي أننا نتحدث حتى، إذ تحولت بعض «العراكات»
إلى.. عراكات حقاً. دون استخدام لتشي، بل بالقبضات العتيقة الطيبة فقط. أقسم أن الأمر لن يلحق الضرر بك أو بتلامذتك أو بطائفتك. .. تحت السماوات الواسعة، أقسم يميناً مغلظة أن ألتزم بشرطك. وإن أخفقت، فليضربني عطف الأفق. لست أدري حقاً إن كانت هذه الأقسام فاعلة، لكني رأيت المزارعين يأخذونها على محمل الجد تماماً. قلت: أولاً. لن ينقذها الجينسنغ. ما-- قاطعتُه قائلاً: ثانياً. حتى لو استطاع، فستكون قد ماتت بحلول موعد البطولة.
ازداد عبوسه عمقاً بينما استرسلت. أملك سريقة لإنقاذها، ويمكنك نيل الفضل كاملاً.. بل أفضّل أن تفعل.. لكن.. لا يمكنك السؤال عن الكيفية ولا الماهية ولا المكان أو الزمان. إنه لأمر عظيم أن تأخذه على الإيمان وحده، لذا.. سأضيف هذا أيضاً: تلك الفتاة اليافعة هناك التي ترفع أنفها نحو السماء. التفتُّ بنظري نحو رين شيني، لكني لم أكن بحاجة لذلك، إذ بدا وكأنه أدرك فوراً من أُعني.
إن كان لها أي مستقبل يذكر.. فعليك إيجاد نبع عنصري لها. وإلا فلن تعيش سوى عيشة فانية شحيحة، ويضيع كل كامن قدراتها هباءً. .. لم أكن مخطئاً. مم؟ عشت لقرون عدة الآن. لم تكن شفتاه تتحركان.. بل تحدث مباشرة إلى عقلي، بينما أدار وجهه متجرعاً رشفة ماء. وحين تعيش تلك المدة الطويلة، تتعلم كيف تثق بغريزتك قبل أي شيء آخر. أتدرك ما كانت غريزتي الأولى حين وقع بصري عليكم جميعاً؟ .. الهروب.
كان الهروب بعيداً لدرجة تصبح معها هذه المدينة بأسرها مجرد نقطة. .. لم أختبر هذا الشعور من قبل سوى مرتين: حين تعثرت خطاي عرضياً في عرين تنين، وحين التقيت عذراء النجوم. لكن الأمر بدا غريباً. عجزت عن تحديد أي منكم تسبب في انطلاق هذا الشعور. أوه. لقد استغرقني الأمر وقتاً أطول مما يسعدني لأدرك.. أنكم كلكم. في الظروف العادية، لكنت تفاديتكم جميعاً كما تُتَفادى الطاعون؛ فنادراً ما يكون مصاحبة نذير تغير أمراً محموداً، ناهيك عن جيش كامل منهم.
ها أنا ذا أخرق معتقداتي إذن. بقيت صامتاً. لا لعدم وجود ما أقوله. .. بل لأني جهلت كيفية التحدث بالتخاطر الذهني. سبب لي هذا حرجاً بالغاً في الواقع. قال: حسناً إذن. سأصدقك. تعال لبلقائي في ذات القاعة التي التقينا فيها بالأمس لتخبرني بما تحتاجه. أرجو، من أجل جميع أطفالي، ألا يخلف التغير الذي ستجلبه بيتي خراباً ورماداً.