الفصل 156 مهرجان الخطايا (السابع)
"ماما، اقرئيها مرة أخرى، مرة أخرى!"
ضحكت لايت ضحكة مشرقة، وهي تركل ساقيها ذهابا وإيابا وتدفن وجهها في امرأة تبدو طيبة، جالسة في حجرها. فضحكت المرأة بعجز، وربتت على رأسها، ثم أعادت الصفحات ببطء إلى البداية.
قالت أمها: "هناك قصص أخرى يا لايت الصغيرة. بل إن بعضها أكثر تشويقا من هذه."
"مستحيل! لا شيء أمتع من قصة تغلبك أنت وبابا على ذلك الشرير! لا شيء!"
"ها ها، حقا؟"
"حقا! خصوصا عندما يقفز بابا ويحملك، ثم تنقضان عليه معا!"
ضحكت المرأة من قلبها، فضحكت لايت معها، شاعرة براحة لم تعرف مثلها قط في حياتها. هنا كان مكانها.
"آه، وبمناسبة الحديث عن البطل الوسيم..."
انفتحت أبواب غرفتها الصغيرة، ودخل منها رجل مهيب حقا. كان شامخا كعملاق، ويرتدي ثيابا مريحة أقرب إلى ثياب خادم منها إلى ثياب ملك. انسدل شعره الأسود الطويل حول وجهه، وفي عينيه لون الشفق نفسه الذي ورثته عنه لايت. قفزت من حجر أمها وركضت نحوه بأقصى سرعتها، ثم ارتمت عليه.
"بابا!"
"هوووه."
انحنى والتقطها بخفة، ورفعها في الهواء.
"هل اشتاقت إلي اميرتي الصغيرة؟"
"اشتقت إليك! كثيرا جدا!"
"ها ها ها. وأنا اشتقت إلى أميرتي الصغيرة أيضا، أتدرين؟ كثيرا كثيرا!"
"هيه هيه~ اجلس معنا يا بابا! ماما تحكي لي قصة تغلبكما على ذلك الشرير شي!"
"أوه، أهي تفعل ذلك؟ ها ها، حسنا، فلنسمعها. هل أبدو فيها مقداما كما أذكر نفسي؟"
** ... الأمر محزن، بصراحة. لا أعرف تلك الفتاة. تلك الضحكة. تلك الابتسامة. ذلك النور في عينيها.
للمرة الأولى أفهم إلى حد ما لماذا سموها "لايت".
حتى الآن، كانت نقيض اسمها تماما. كئيبة، صامتة، لا مبالية، باردة... أما الآن، فكانت الصغيرة تتشبث بكل كلمة تقال كأنها وحي منزل، وتغرس ذراعيها بيأس أعمق فأعمق في جلد من تحب... كانت نورا. كانت أصوات تتصارع في داخلي. بعضها كان يصرخ بي أن أرحل فحسب. أن أغمض عيني، وأتظاهر بأنني لم أر شيئا، ثم أستدير و... أرحل. كنت أعرف أن شيئا ما فيها قد انكسر. لم أكن بحاجة إلى طبيب نفسي معتمد لأدرك أن فتاة فقدت والديها لتوها، ولا يبدو أنها تشعر تجاه الأمر بشيء تقريبا، لا بد أن تخفي في أعماقها مشكلات كثيرة.
نعم، كانت محطمة. لكن جزءا مني ظل يشعر بأنني أستطيع، مع قليل من الوقت، أن أساعدها على التعافي. لكن انظر إليها. هل أملك حقا القدرة على إضحاكها هكذا؟ على جعلها تبتسم بالطريقة التي ينبغي لطفلة في السادسة أن تبتسم بها؟
المسألة ليست حتى ما إذا كنت أستطيع "تربيتها"، بل...
هل أنا مؤهل، بأي شكل من الأشكال، لرعاية طفلة محطمة إلى هذا الحد، حتى إن مواهبها الخارقة لم تكن كافية لتحول دون وقوعها في أبسط وهم؟ لأن الحقيقة أن أعمى كان يستطيع اختراق هذه الخدعة السخيفة. كانت الغرفة نفسها سليمة إلى حد كبير، لكن لم يكن هناك شيء خارجها. مجرد ألوان غامضة تشبه بعض المباني من بعيد، وفراغ أبيض. لكن ذلك كله لم يكن مهما. ظلت في تلك الغرفة، تستمع إلى القصة نفسها مرة بعد مرة بعد مرة بعد مرة بعد مرة، لساعات حتى الآن، وتضحك في كل مرة كأنها المرة الأولى.
وكان أبوها يأتي ثم يغادر لأداء واجباته، وتعود الدورة من جديد. كان ذلك عالمها. كل ما أرادته في حياتها. ... لكنها كانت في السادسة أيضا. وكان هذا كذبا. كذبة مرتجلة الصنع. لكنني... أفهمها. أفهمها بكل ذرة في كياني، حقا. لو أن أحدا ظهر على بابي بعد يوم واحد من موت ياس، وناولني جهاز واقع افتراضي يتيح لي أن أعيش حياتي معها من جديد، مرة بعد مرة بعد مرة... لبقيت عالقا في ذلك الحلم حتى أموت أنا أيضا.
فنهر الحياة يمضي دائما إلى الأمام ولا يعود إلى الوراء، لكنه يتوقف أحيانا، للحظات قصيرة. تتراكم الآلام والعذاب في سد كثيف إلى حد أن انسداده يحتاج إلى وقت كي ينفتح من جديد. ومع مرور الوقت، تحسنت حالتي... لم أتعاف. كلا، فقد بقيت بائسا مثيرا للشفقة حتى النهاية. لكنني... تحسنت. خلال الشهر الأول، بالكاد غادرت المنزل. أذكر أن ميشا ولارك جاءا ونظفا الشقة بينما كنت أتمدد هناك كجثة.
لذلك أفهمها. أفهم رغبتها في الزحف عائدة إلى الدفء المألوف. إلى شيء لن تشعر بمثله على الأرجح مرة أخرى. ... لكنني أفهم أيضا لماذا لا أستطيع أن أستدير وأرحل. فما زالت أمامها حياة كاملة. كما كانت أمامي حياة كاملة. ماتت ياس عندما كنت في التاسعة والعشرين... أي بعد نحو ثلث الطريق من العمر المتوسط. وأنا توقفت عن الحياة في تلك اللحظة نفسها. كنت محظوظا الآن. حصلت على هذا العالم، وعلى هؤلاء الأطفال، وعلى فرصة جديدة.
لكنني أشك بطريقة ما في أن تحظى هي بالشيء نفسه. لذلك خرجت. مشيت عبر الفراغ الأبيض وفتحت تلك الأبواب. وحين استدارت نحوي، وهي تتوقع أباها على الأرجح، تجمدت ابتسامتها.
صاحت "أمها": "من أنت؟!"
لكنني لم ألتفت إليها حتى. حبست نظري في عيني فتاة كانت تتحطم.
قلت: "ماذا قلت لك يا لايت؟"
"..."
"قلت لك إنني سأكون دائما إلى جانبك، مهما حدث."
"م... م... من... أنت؟"
أخرجت الكلمات بصعوبة، وهي تشيح بوجهها. لم أتراجع، بل دخلت الغرفة وتقدمت نحو السرير، وسط صراخ ذلك السراب، ثم جثوت أمام الفتاة المرتجفة على شفا البكاء.
قلت: "يبدو أن أمك وأباك يحبانك كثيرا. أكثر من أي شيء آخر في العالم كله."
"... نعم..."
ابتسمت ابتسامة خافتة وقلت: "إذن لا بد أنك تعرفين أنهما ما كانا ليرغبا في أن تظلي هكذا."
"..."
تابعت: "كانا سيرغبان في أن تعيشي. أن تخرجي وترَي العالم. أن تكبري ويطول عمرك. وأن تكون لك يوما عائلة خاصة بك، حتى تفهمي أنه لا يوجد شيء في العالم كله لا يمكن أن تفعليه من أجلهم. لقد أحباك في كل لحظة قضياها معك، ويحبانك الآن أكثر من أي وقت مضى. ورغم أنهما رحلا... فإن أجزاء منهما تبقى دائما. أصواتهما. تلك الأغنية التي لا يمكنك نسيانها أبدا. الدفء في قلبك حين تتذكرينهما."
"الاشتياق جزء من طبيعتنا. وأتمنى من أعماق قلبي لو أستطيع أن أمنحك هذا. أتمنى لو أملك القدرة على التراجع في الزمن أو إعادة الموتى، لأنني أقسم لك أنني كنت سأغمد خنجرا في قلبي بيدي كي أمنحك هذه الحياة. لكن... لا أستطيع. لا أحد يستطيع."
تكلمت بصوت واهن، لم يتجاوز همهمة: "هذا... هذا يستطيع..."
ومع ذلك، لم أستطع التعرف إليها. إلى ذلك المخلوق الضعيف المرتجف. لا... كانت هي. لطالما كانت هي. كل ما في الأمر أنني لم أكلف نفسي يوما عناء النظر إليها حقا.
قلت: "أحقا يستطيع؟ هل كانت أمك ستسمح لغريب كامل بأن يبقى قريبا منك إلى هذا الحد؟ أما كان أبوك سيأتي حتى الآن ويضربني كما ضرب ذلك الشرير في القصة؟"
"..."
مددت يدي وأمسكت يدها برفق.
قلت: "أنت وحدك قادرة على منح نفسك هذا. سيبقى دائما في ذهنك وقلبك، هذه اللحظة المثالية. لكنهما ما كانا ليرغبا في أن تظلي حبيسة فيها. بدلا من أن تنظري إلى الوراء بحزن، انظري إلى هذه الشظية الصغيرة وافهمي أن في هذا العالم، تحت السماء، شيئا نقيا وجميلا إلى حد لا يمكن معه لأحد أن ينتزعه منك."
قالت: "... أنا... أنا أشتاق إليهما."
وبدأت الدموع تنهمر من عينيها.
"أشتاق إليهما... كثيرا كثيرا كثيرا..."
انكسر صوتها، وانفجرت في البكاء، بينما أخذ شكل أمها يتلاشى كالدخان في مهب الريح. ثم ارتمت إلى الأمام بين ذراعي، تبكي وتصرخ بلا كتمان، وغرزت أظافرها في جلدي حتى أعماقه، فبدأ الدم يسيل. لم أستطع أن أفعل شيئا سوى أن أبقى صامتا كتمثال، وأن أضمها بأقصى ما أستطيع من رقة. وكنت أظن أن الركلة بين الساقين مؤلمة. يا للعجب، كم كنت مخطئا.