الفصل ١٤٨ اسئلة كبرى (٣)
كانت مثالية. بل كانت أكثر من مثالية. راحت يدا وان لان ترتجفان وهي تقرأ الفنّ الذي سلّمه إيّاها قبل دقيقتين معلّمُها المفروض عليها. لم تفكّر فيه كثيراً، وكيف تفكّر؟ كانت تعلم أفضل من أيّ أحد كم كان جسدها مقيّداً، وأنّ طائفة الشياطين وحدها تقريباً تملك فنوناً تستطيع استخدامها. شيخٌ عشوائيّ من طائفة مغمورة دُمِّرَت في غضون ساعات؟ لن يملك بطبيعة الحال شيئاً تستخدمه. ومع ذلك...
كلّما طال إمعانها النظر في الكلمات والصور، وفي تجسيد طاقة الشياطين وهي تعبث بمسارات الطاقة، أدركت أنّ الأمر لا يقتصر على قدرتها على استخدام الفنّ، بل يتجاوز ذلك بكثير. الحقيقة هي أنّها وحدها من تستطيع استخدامه. حتّى لو حاولت السيّدة استخدامه، حين كانت قادرة على الزراعة، لكان ذلك مستحيلاً. لم تكن طاقة الشياطين عنيفة بطبيعتها، لكنّها كانت مدمرة، أقله مقارنة بالطاقة العادية.
لم تكن شكلاً واعياً من أشكال الدمار، بل كانت أشبه بالمقارنة بين حريق شجيرات وحريق غابة. الاثنان متطابقان في الجوهر، غير أنّ أحدهما يملك وقوداً أفر بكثير ليحترقه.
هكذا كانت طاقة الشياطين، أثقل من الطاقة العادية، ولهذا السبب كان لزاماً على جميع ممارسي طاقة الشياطين امتلاك أجساد فريدة، أو على الأقلّ الخضوع لـ «موت»
لإعادة صياغة مسارات طاقتهم. لكن حتّى بينهم، بين كلّ ممارسي الشياطين، كانت مميّزة بعض الشيء؛ كانت مسارات طاقتها صلبة ومتينة للغاية بطبيعتها. كان بوسعها دمج ضعف كمية الطاقة بضعفي السرعة مقارنة بمعظم أقرانها، وهذا الفنّ... استغلّ ذلك على أكمل وجه.
كان سينشر موجة هائلة من الطاقة أينما تعرّضت للهجوم، متجاهلاً «قيود»
المسارات الطبيعية، ومتركّزاً حصريّاً على السرعة المتفجرة.
لم يكن هناك سبيل لأنّه كان يملك هذا الفنّ «مصادفة»
ـ حتّى السيّدة كانت لتغشي عليها عند رؤية شيء كهذا، وكانت وان لان متأكدة تماماً من أنّ ملك الشياطين نفسه لم يكن ليملك فنّاً كهذا ليهديها إيَّاه. ممّا لم يترك لها سوى خيار واحد: لقد صنعه هو. لقد صنع معلّمها الغريب والنحيل والغريب الأطوار فنّاً لم يستطعه حتى ملك الشياطين. كانت فكرة مرعبة إذ فتحت بابين لاحتمالين، لم يكن أيّ منهما مريحاً بشكل خاص: إمّا أنّ معلّمها كان وحشاً عتيقاً يتخفى بعمق ويتقمص دور شيخ عاديّ ومعلّم لمجموعة من الأطفال، وإلا فكان رجلاً عاديّاً وله شذوذ واحد فقط.
إلّا أنّ ذلك الشذوذ كان متحدياً للسماء. ثبّتت تنفسها قسراً ووضعت المجلد في حجرها. بعد أن تلقت هزيمة لم تهزم مثلها قط طوال حياتها اليوم، أدركت بالفعل أنّ هذه المجموعة من غريبي الأطوار التي تبدو غير مبهرزة لم تكن عادية البتة. الشقيق الأكبر تاو ـ أدركت في تلك اللحظة بالذات أنّها بدأت لا شعوريّاً تفكر فيه على هذا النحو ـ لم يكن مجرد نابغة. كان يشبه أولئك المختارين من السماء في الأساطير القديمة، حيث تذهب السماء نفسها إلى أبعد الحدود لتهبهم الأشياء.
الدخول إلى غابة عشوائية؟ لا، بل تصادف أن تلك الغابة كانت ساحة معركة هامية في يوم ما، فيكتشف البطل روح سيف قديمة تعلّمه فنّاً أسطوريّاً مفقوداً منذ زمن طويل. التخييم في الجبال بعد الهرب من بعض قطاع الطرق؟ كهف عاديّ؟ لا! إنه ممر سرّي إلى غرفة تحت الأرض تضم الإرث المفقود منذ زمن طويل لإمبراطور يصادف أن يمنحه جميع الأدوات اللازمة للتعامل مع قطاع الطرق.... هذا الفنّ، أدركت، بدا وكأنه هكذا.
لم يكن الأمر أنه سيسمح لها بالتغلب على الشقيق الأكبر، بعيداً عن ذلك، بل سيقذف بها إلى أبعد بكثير مما ظننت أنها قادرة على بلوغه. حتى مجرد اختراقها نحو مرتبة تأسيس الأساس في سن السادسة عشرة كان سبباً للاحتفال وجعلها إحدى المواهب في جيلها، ولكن مع هذا الفنّ... كانت واثقة من قدرتها على منافسة ممارسي قمة عالم تجسيد الروح حتى. على الأقل أولئك الذين بلا ورقة رابحة مكافئة.
وحسب تلميحات الشقيق الأكبر، فمن المحتمل أنهم جميعاً يملكون فنّاً أو فنّين لا يختلفان عن هذا. ولعلّ هذا هو السبب في أن معلّمها بدا نحيلاً وواهنًا؛ فقد اعتبرت السماء أنّه من غير العادل إلى حدّ بعيد أن يجتمع للمرء أن يكون موهبة في الزراعة وشخصاً قادراً على ابتكار فنون تتحدى السماء، فمنحوه جسداً بالكاد يكون أفضل من جسد فاني. هزت رأسها وفتحت الكتاب مرة أخرى ـ لمرغوبتها في ألا تضيع ثانية أخرى في عدم تعلمه.
قبل أن يصلوا إلى الشمال، وبينما كان على الآخرين الاختراق نحو تأسيس الأساس، أقسمت أنها ستتقن درع الحماية، حتى لو كلفها ذلك حياتها. الضربات. لقد عادت.
حسناً، لقد سمّوها «مبارزات»، أعتقد، لكنّ مبارزات قليلة كانت تحدث، حسب ما استطعت تبيّنه، والكثير من الركل المؤخرات.
في اليوم الأول، كانت مجرد نزالات تقليدية فردية بينما استرسل لونغ تاو حديثاً بلا انقطاع حول مليار تفصيلة صغيرة ينبغي للأطفال الآخرين (بمن فيهم وان لان) القيام بها لتحسين قدراتهم القتالية. في اليوم الثاني، أسقط كل التكلف، وجعلهم يهاجمون جميعا دفعة واحدة، وأشبعهم ضرباً فوراً حتى غابوا عن الوعي. بلا مزاح، إن لم يملك طفل كدمة بحجم البطيخة في مكان ما من رأسه، فلم يُسمح له بالاستراحة.
لذا، وبينما أُجبرتُ على دور الممرضة اللعين، مكتفياً بنقل الأطفال المغشي عليهم إلى أسرّتهم وإطعامهم أكبر عدد ممكن من حبوب الشفاء، كان لونغ تاو يظل في الخارج ليزرع. ورغم أني قلت إنه كان يفعل ذلك من أجل المتعة (وكان جزء منه يفعل ذلك على الأقل)، فقد لاحظت أيضاً شعوراً بالاستعجال... يتأجج داخله. كان لديّ أنا أيضاً، لكي أكون صادقاً؛
كانت هناك أشياء قليلة جداً قيلت يوماً عن «الشمال الواقع خلف الجبال»، ولم يكن أي منها جيداً.
يُزعَم أن جزءاً كبيراً منه مغطى إلى الأبد بالظلال وعتمة الليل، مع نوع من الضباب الرمادي الملبد بالغيوم يغطي السماء. كل الكتب القليلة التي ذكرته أجمعت على أنه وكيل للقتلة والمدانين الهاربين، وأنه لا يمكنك قطع ستة عشر ياردة دون أن تلتقي بلص.
أفترض أن السبب وراء انتقالنا إلى هناك هو تحديداً هذا ـ فلونغ تاو عازم على أن نحضر تلك الندوة أو أياً كانت بعد ثلاث سنوات، ولكن «للتأهل»
لها أساساً، لا يمكننا ببساطة التسكع عشوائياً لمدة ثلاث سنوات وأيدينا في جيوبنا.
«نحن مراقبون»، صحيح، بالطبع.
نظرت إلى مدخل الخيمة، حيث كان يتكئ باسترخاء، وكأنّه قال شيئاً سخيفاً للغاية مثل: «هناك أرانب تتزاوج هناك مباشرة».
«كم عددهم؟»
«قليلون»، قال.
«ليسوا أقوياء بشكل خاص، لذا ربما يجدر بنا استدراجهم وجعل الأطفال يتمرنون قليلاً عليهم».
«...»
أجل. هذا اللعين مجنون حقاً.
«ألم تفكر أبداً في أنهم لا يراقبوننا لأسباب شريرة؟»
أعني، كنت أختلق الهراء من مؤخرتي (ولمرة واحدة، ليس حرفياً)، وفعلت ذلك من باب الكيد الخالص فحسب. بالطبع كانوا يراقبوننا لكي يسلبونا أو يقتلونا، لا سيما أنهم كانوا ممارسي زراعة.
«لا»، رد عليّ كطلقة مسدس، مما دفعني للتأوه.
«حسناً»، هززت كتفيّ.
«دع الأطفال يستريحون ويتعافون، ويمكنك اصطحابهم للّعب»....
ما الذي يحدث لي بح بحق الجحيم، أتراها؟
لقد نعتّ للتو ما يُرجّح جداً (حتّى يقيناً) أن يكون مذبحة جماعية بـ «اللعب».
مهلاً، أيها النظام، امسحني وأخبرني إن كنتُ ممزواً بشيء ما!
[--يضمن النظام أن المضيف لن يختبر أبداً أي نوع من الاستحواذ. وأيّة تغييرات نفسية يختبرها المضيف هي نتيجة طبيعية للطبيعة البشرية والبيئة]
أجل. هذا ما كنت أخشاه.... ممم؟ انتظري. هل ردّ النظام عليّ للتو؟! مهلاً، أيها النظام! اعطني بعض الكنوز!... آه. لقد اختفى مرة أخرى.