الفصل 124 خيارات في الحياة (6)
لم أعتد ارتياد البراري على الأرض، ولم أعرف من الترحال إلا الدروب المطروقة والشاهدة على خطى البشر. غير أن ما علق بذهني أكثر من غيره هو صخب الغابة المفزع عند الليل. أصوات وصيحات ونقيق ونحيب لا تنقطع، من زيزان وضفادع شجرية وبوم وخفافيش وربما ذئب هنا أو هناك. صخب يبعث على الرعب حقاً، وهو ما جعلني أتأهب لليلتي الأولى في الغابة تحسباً للمثل، فلم ألقَ سوى النقيض تماماً: صمت رهيب يطبق على الأنفاس.
يضاف إلى ذلك الظلام. يا للعجب، كم كان دامساً. كانت هامات الأشجار تحجب ضوء القمر عن الأرض بإحكام، فلا مخرج للضوء. وما كنت لأجرؤ على إيقاد نار، فذلك دعوة صريحة لكل الأهوال الكامنة هنا لتلبي النداء، ولست أرغب في قدومها، كلا. أردتها أن تظل بعيدة أشد البعد. هكذا ما إن بدأ ضوء النهار يخبو حتى وجدت بقعة منبسطة تتوسطها أشجار باسقة ذات أغصان غليظة، وعزمت على التخييم في أعلاها تحديداً.
بحسب كلام وان لان، سيتعين علينا السير أسبوعاً كاملاً على الأقل للوصول إلى الأطلال، لا لأنها بعيدة فحسب، بل لأن الغابة نفسها مترامية الأطراف. كلا، انتظر، هذا لا منطق فيه — ليس لبعدها، بل لصعوبة شق الطريق فيها. أو شيئاً من هذا القبيل. لكن لكنتها تجعل بعض الكلمات تمر فوق رأسي دون وعي… تبدأ الغابة من شمال طائفة السيف الروحي، محاذية سلسلة الأبد، وتمتد شرقاً ثم جنوباً نحو القمم الخارقة للسماء، وصولاً إلى أقصى الطرف الجنوبي للمنطقة.
تقول الأسطورة المحلية إن في الغابة خمسمائة مليون شجرة، لكن إن كانت الغابة بحجمها المزعوم حقاً، فهذا الرقم بعيد عن الواقع تماماً. إن خمسَمائة مليون شجرة فحسب، رغم ضخامتها كرقَم، ليست بالاتساع الهائل. فعلى سبيل المثال، تضم غابة الأمازون على الأرض أربعة مليارات منها، وإذا كانت الخرائط جديرة بالثقة، فإن هذا المكان يبلغ ثلاثة أخماس حجمها على الأقل. بغض النظر عن ذلك، الشاهد أن الغابة شاسعة، واجتيازها لم يكن أمراً هائناً.
لا دروب ولا مسارات، بل شجيرات كثيفة وجذور أشجار ناتئة في كل مكان. تعثرت وكدت أقع ست مرات اليوم، بل إن الصبية أنفسهم عانوا قليلاً في شق طريقهم. سعت وان لان خلف معالم الطريق لتهتدي بها، وتحديداً الطحالب ونوعاً معيناً من الزهور. فهمت أمر الطحالب، فهي تنمو في الظل مما يتيح لك تحديد اتجاهك بعض الشيء، أما الزهرة فكانت محليّة الطابع. وبحسب قولها، لا تنوِت إلا في المنطقة الشمالية لكثرة هطول الأمطار هنا.
… على ذكر المطر. استيقظت في منتصف الليل على أثر برد وبلل. لم يستغرق الأمر سوى ثانية لأدرك أن المطر ينهمر بغزارة، متدفقاً من الهامات المنحنية فوقنا.
— اللعنة — تفوهت بها وأنا أتلمس أمتعتي المكانية بحثاً عن أي شيء يشبه القماش المشمع.
لم يكن هناك ما يماثل ذلك بطبيعة الحال، لكن إخراج بضع بطانيات وتكديسها فوق بعضها بدا كافياً لصنع مظلة مؤقتة من نوع ما.
بدأ الصبية يستيقظون الواحد تلو الآخر بدورهم، ونسخوا صنيعي فبنوا «غطاءً»
مرتجلاً في الأعلى، مائلاً نحو الأسفل لكيلا تتجمع المياه، غير أنه لم يجدِ نفعاً يذكر. لم أُعِر الطقس أي اهتمام، لغبائي وغروري. لم يقتصر الأمر على المطر فحسب، بل ما لبث البرق أن بدأ يلمع فوقنا. ورغم كثافة الأغصان، استطاعت عيناي تبين ومضات الضوء العمياء وما لبث الرعد بعدها أن هز المكان بهدير كأنه زئير تنين قديم. كان صاخباً. صاخباً لدرجة جعلتني أقدر أن الصاعقة قد ضربت على بعد ميل منا.
وقبل أن أستوعب بقية الأمور، شعرت بمن يتعلق بي ويندس في صدري. نظرت إلى أسفل فإذا هي ليت؛ كانت مبتلة ترتجف، رغم أن الأمر لم يبدو ناشئاً عن البرد. ورغم الظلام، بالكاد تمكنت من تمييز ملامح وجهها المرتعب. وحين التفتت برأي بصري نحو الآخرين، وجدْتُ الصبية الآخرين… على شاكلتها بطريقة غريبة. وحتى لونغ تاو، وإن لم يكن مرعباً، فقد بدا عليه تردد غير مألوف.
— إنه مجرد برق — قلت برفق — لا داعي للخوف.
— أ…
ألا تخاف السماوات؟
— رفعت رأسها وسألت.
فكرت هنيئاً وأشرت للجميع بالنزول بينما عمدت سريعاً إلى بناء «خيمة»
مؤقتة لتغطيتنا ريثما يجفف لونغ تاو الأرض.
— أأبدو خائفاً؟
— سألتهم مباشرة.
— …
كـلا؟
— لكن المعلم لا يخاف شيئاً قط.
— خطأ — صححت لهم سريعاً — المعلم يخاف أشياء كثيرة.
الاستيقاظ ووجد أفعى ملتفة حول وسادتي، واجتراع الماء في الحلق بطريقة خاطئة تسبب أسوأ آلام الصدر في حياتي، وعبارة «لقد تأخرت»، وقائمة طويلة من التفاهات الأخرى.
لكن… لا أهاب البرق.
— …
أنت جاد — شارك لونغ تاو من الجانب، وبدت عليه الدهشة. أعني أن الأمر منطقي — ربما بدا لهم وكأن السماوات نفسها تقذفهم بالصواعق، على غرار النظرة القديمة للظواهر الطبيعية على الأرض في سالف الزمان.
— أنا جاد — أومأت — قد يعلو صخبه، وقد يشتد ضياؤه، وإن ضرب قريباً، تهتز الأرض من تحتك وترتجف، لكن…
لست خائفاً. لذا، أريد منكم جميعاً أن تكونوا شجعاناً معي، أليس كذلك؟ وحينها، دوى صوت رعد آخر على مقربة نسبية.
لم يكن قريباً لدرجة «اهتزاز الأرض وارتجافها»، لكنه كان قريباً بالقدر الذي جعل وميض الضوء ينير وجوههم بوضوح شديد لوهلة.
انكمشوا جميعاً وأطلقوا صرخات خافتة، مغمضين أعينهم بالفطرة، بينما عاقت ليت احتضاني بإحكام أشد. لو زادت إحكاماً لكسرت ضلعاً أو ضلعين. كلا، بجدية، قبضة هذه الفتاة جنونية حقاً. ليتها فقط لا تتخذني فأرة تجارب.
— لا بأس — قلت — أتدرون ما كانت أمي تقوله لي عن البرق وأنا صبي؟
— …
مـاذا؟
— لا تخف، هكذا كانت تقول.
وابتسمت حين تسلل الذكرى إلى ذهني — إنه مجرد ضرطة من الطبيعة لتشعر بتحسن.
— …
— …
— تفه، ها ها ها.
كان انفجار الضحك جماعياً، وقد أتى في وقته تماماً ليشرع المطر في التوقف تدريجياً، ويبتعد البرق والرعد قليلاً. بقيت الأصوات، لكنها خفتت وتلاشت، وأشرقت وجوه الصبية بدرجة أكبر.
— أرايتم؟
ها قد شعرت الطبيعة بتحسن، وستمنحنا غداً شمسًا مشمسة وجميلة — قلت — وعلى ذكر ذلك، أمامنا يوم مبكر، لذا عليكم جميعاً أخذ قسط من الراحة. عاد الجميع إلى أشجارهم، ما عدا العفريتة الصغيرة التي ما زالت متعلقة بي.
— …
أتريدين الذهاب أيضاً؟
— أنا بخير هنا — قالت.
— ماذا لو سقطت من الشجرة؟
— سأحميك حينها.
— …
يا هؤلاء، ألم تكوني للتو ترتجفين رعباً من وميض برق؟ كيف لك أن تجزمي بكل هذه الثقة بقدرتك على إنقاذي من سقوط يبلغ خمسة عشر قدماً تقريباً؟ آه. هل يأتي اليوم الذي أستطيع فيه فهم هؤلاء الصغار؟ لا، بل… هل أريد فعلاً أن أدرك ما يدور داخل عقولهم الصغيرة الغريبة؟ ربما لا، بعد كل شيء…