الفصل 121 خيارات في الحياة (٣)
أبقَى لونغ تاو عينيه مسمّرتين على وجه معلّمه الغريب وهو يغطّ في نوم عميق يشوبه الشخير. كان شاربه يرتجف مع كل زفير كأوراق الشجر في مهبّ الريح، ليمنحه مظهراً يميل إلى الكوميديا. بدا أنّه يحلم أيضاً، إذ كانت جفونه تتردّد باضطراب ويطلق أحياناً تمتمات مكتومة وهو يحاول إبعاد شيء ما بيده. جرى كلّ ذلك بسرعة بالغة، حتّى بمقاييسه هو. في اللحظة التي همّ فيها بالتقدّم لإنقاذهما والهرب إلى أبعد نقطة ممكنة، رأى معلّمه يقبض على شيء ويرفع يده.
فجأة، لم تكن النيران الهائجة تحيط بهم، بل كانت في كل مكان سواهم، أمّا المهاجمون... فقد اختفوا جميعاً. كانت قطعة سحرية، بدا ذلك جليّاً، غير أنّ قطعاً كهذه لا مفترض وجودها في هذا العالم. بلى، كان طرازها ممّا يعتمد على جوهرة النيرفانا؛ جوهر من بلغوا مرتبة النيرفانا على الأقلّ وعجزوا عن المضيّ أبعد من ذلك فأرادوا ترك إرث لخلفائهم. يصنعون قطعة دفاعية باستخدام آلاف السنين من طاقة تشي المتراكمة لديهم، وكانت أداة كهذه تُعدّ من كنوز الطائفة الحامية.
ومع ذلك، ولسرّ ما، وُجدت واحدة منها بين مقتنيات معلّمه. أدرك لونغ تاو منذ اليوم الأوّل أنّ الرجل متفرّد... لنجد التعبير الأدقّ. منذ اللحظة التي أُعطي فيها فنّ حياكة القلب، اتضح جلياً أنّ الشيخ لو لم يكن شيخاً عادياً، ناهيك عن أن يكون غاضباً أو مراراً أو منغرساً في الملذّات كما تروي الشائعات. غير أنّه، وكلّما ظنّ أنّه سبر أغوار الرجل، أتاه الأخير بصنيع أعجب، بصنيع يفوق كلّ ما سلف غرابة.
كأنّه يفعل ذلك عناداً.
"أخي الأكبر"، اقتربت الفتية داي شيو بحذر.
"هل سيكون المعلم بخير؟"
إن كان هذان الطفلان يعبدان الرجل من قبل، تخيّل لونغ تاو أنّ مستوى التعصّب في قلبيهما قد بلغ ذروته. لم يملْ إلى لومهما، والحق يقال؛ فقد راوغه الشعور ذاته صبياً تجاه معلّمه الأوّل، ذلك الرجل الذي ظنّه قادراً على زحزحة جبل متى شاء.
"سيكون بخير"، ردّ لونغ تاو.
"أصابه تعب فحسب، وهو يستريح".
"هاه"، أطلقت زفرة واضعة كفّها على صدرها وهي تجلس.
عثرا على مكان منعزل نسبياً، رغم انتفاء الحاجة إلى ذلك. محا لونغ تاو أثناء فراره كلّ أثر لهم؛ فلولا ظهور إمبراطور يتبيّن ما حدث هناك بعلوم الغيب، لما استطاع أحد تتبّعهم.
"أالمعلم بخير؟"
ظهر شي ژاو أيضاً، بعدما ذهب "ليتأكد إن كانوا مراقبين".
"إنّه يستريح فحسب"، قالت داي شيو.
"أتعقّبنا أحد؟"
"لا أحد"، قال الصبي.
"سوى بعض وحوش الغابة. أين لايت؟"
"نائمة هناك في الأعلى"، أشار داي شيو إلى الغصن القائم فوق غصن المعلم مباشرة، حيث كانت فتاة صغيرة تتدلى بكسل، وكأنّها على بعد شبر واحد من السقوط...
لولا أنّه لا يسقط قطّ.
"المسكينة مرعوبة على الأرجح".
رمق لونغ تاو الفتاة الصغيرة بنظرة غريبة وموجزة؛
فعداه، كانت تلك "المسكينة"
هي الأقل قلقاً على الأرجح. يعود ذلك جزئياً لكونها ابنة ستّ سنوات، وجزئياً لأنّها ربّما عاينت هجمات بهذا الحجم من قبل.
"أين تلك الفتاة الجديدة؟"
سأل شي ژاو.
"وان شيئا ما؟"
"الأخت الصغرى لان؟ إنّها هناك".
أشارت داي شيو إلى شجرة قريبة حيث كانت شابّة تتكئ على جذعها، وقد التوى وجهها كأنّها تعاني كابوساً.
"فقدت وعيها حتّى قبل أن ينقذنا المعلم".
"همم. تبدو ضعيفة نوعاً ما"، علّق شي ژاو.
"لا يهمّ. شهر واحد مع المعلم وستولد من جديد".
"أخي الأكبر، أستدرّبها كما تدربنا؟"
سألته داي شيو بنظرة مشبوبة بالحماس؛ فتحت قناع الفتاة الصغيرة الرقيقة، بدا أنّ هناك شيطاناً صغيراً يرغب في جرّ الجميع إلى بؤسه.
ابتسم لونغ تاو لبرهة قبل أن يجيب: "أتريدين أن تشعر بالألم عوض حمايتها منه؟"
"لـ-لا، بالطبع لا!"
احمرّ وجنتاها وهي تدافع عن نفسها.
"إنّ-إنّ الأمر وما فيه أنّي أعتقد، لكي تشتدّ، ينبغي لها... ينبغي لها أن تتدرب معنا. أخطأت في هذا؟"
"غالباً"، قال لونغ تاو.
"جدر بك الاكتراث لنفسك؛ لم نتدرب منذ مدة، وستتراكم علينا أمور كثيرة لنعوضها".
"أه... ن-نعم..."
هبطت ملامح وجهها تماماً، وانكمشت شفتاها في عبوس خفيّ.
"أخي الأكبر، أرايت ما فعله المعلم؟"
سأل شي ژاو.
"أي فنّ استعمل؟ أتظنه يعلمنا إياه إن سألناه؟"
فنّ؟ كاد لونغ تاو يسخر. على الرغم من أنّ معلّمهما الغريب شكّل حجاباً من الغموض، حقّاً، فيما يتعلق بقوّته الفعلية، لم يكن هنالك الكثير ليُقال؛ ظلّ الرجل بالكاد ممارساً لمرتبة تجسّد الروح من دون جسد خاصّ، أو جذر، أو سلالة. منحلّ الموهبة حدّ تشعر معه وكأنّ السموات نفسها لعنته عند الولادة نكاية به. ومع أمله الغامر في الانغماس بأحلامهما ومشاهدة العجوز وهو يحاول فكّ طلاسم نفسه متى سألاه، كان اللافت للنظر إدراكهما أنّ الرجل لم يكن قوياً حقّاً.
بل في الواقع، ثمة احتمال كبير بأن يتفوقا عليه قوة بمجرد بلوغهما مرحلة تأسيس الأساس.
"لا"، قال لونغ تاو.
"لم يكن فنّاً".
"ألم يكن كذلك؟"
"بل كان أقطاباً سحرية. أقطاباً فريدة بحق".
"أه! بالطبع، يملك المعلم أقطاباً مذهلة أيضاً!"
تلألأت عيناه شي ژاو وهو يتكلم.
"أنتما الاثنان، ألا تدركان أن المعلم ضعيف نسبياً؟"
سأل لونغ تاو بلا مواربة.
"همم؟ ماذا تقصد يا أخي الأكبر؟ أتسّب المعلم؟!"
قطب الاثنان جبينيهما فجأة، وبدوا كمن يستعدّ للقتال للتو. أطلق لونغ تاو أنّة وأدار عينيه قبل أن يجيب.
"المعلم شديد الذكا، وماكر، وذو حيلة"، قال لونغ تاو.
"أكثر من جلّ من قابلتهم قطّ. لكنّه ضعيف. جل ما في الأمر أنّ جسده يعجز عن مجاراة عقله".
"أ-أه..."
"ألا تحترمونه بعد الآن؟"
"همم؟ هراء! أحترمه أكثر!"
أه، بالطبع...
"من الطبيعي تماماً أن تحاول السموات منع رجل كالمعلم من الصعود! ومع ذلك، ورغم هذا، يظلّ بلا منازع!"
شعر لونغ تاو بحاجة ملحة، لبرهة على الأقل، للوقوف وصفع الطفلين معاً: داي شيو لتفوهها بالهراء وشي ژاو لهزّه رأسه موافقاً كدجاجة.
"لا بد من سبل لتحسين جسد المعلم! من واجبنا كتلاميذه الكدّ لنقدم له يوماً النعمة ذاتها التي منحنا إياها!"
واصلت داي شيو حديثها، بينما استمر شي ژاو في الإيماء طوال الوقت.
"حتى ذلك الحين، يتعين علينا أن نغدو أقوى بكثير لحماية المعلم بأي ثمن! انظر إليه — لقد خاطر بحياته لحماية نحن! وقف أمامنا رغم وهن جسده... آه، يا معلم! يفهم تلاميذا قلبك، لذا، أرجوك، لا تعرض نفسك للخطر بعد الآن!"
"آه!"
"آه!"
عجزاً عن احتمال المزيد، نهض لونغ تاو وصفع مؤخرة رأسيهما معاً، متمتماً بلعنات خفيضة وهو يبتعد. شابه الأمر التفرّص في مرآة والالتفات إلى أيّام بلوغه الرابعة عشرة. كان ذلك... معذباً، أقلّ ما يقال، ولم يعد قادراً على تحمّله. لذا، فرّ ببساطة...