الفصل 103 غابة الخشب الروحي (1)
لكي أختصر عليك، كانت الهيئات التي اختاروها... حسناً، لا أريد القول إنها متوقعة، لكنها كذلك.
اختارت داي شيو إزالة شحم الطفولة من وجهها، واستطالت بطريقة ما بوصفتين، و«ضغطت»
عينيها المدورتين لتصبحا مائلتين، وصבغت شعرها البني أسود تماماً، ومنحت عينيها بريقاً أحمر غريباً. وبدا أن شي جاو قد نما بدوره بضع بوصات؛ واختفت كل ملامح طفولته لتحلّ محلها فكوك منحوتة وحواجب لا تناسب ذلك النظرة الطفولية في عينيها اللتين تستجديان المديح.
أمّا لايت، فلم تتغير كثيراً على نحو مدهش — إذ اكتفت بـ«طبيعتها»، إن صح التعبير، محولة زوجي الشعر والعين الغريبين إلى أسود وبني وفق ذلك.
واستدادت وجهها قليلاً لكي يتعذر التعرف عليها دون أن تتبدل بنيتها قط. أمّا لونغ تاو... حسناً، بدا أشبه بمربي خيول بصراحة. انظر، لقد خالطت مربي الخيول مرات كافية لأعرف متى تكون مهنة أحدهم تربية الخيول. وبدا هو كالشخص الذي يربي الخيول، صدقني. وأمّا أنا؟ حسناً، جعلت نفسي أصغر سناً في الغالب.
ليس في قسم «التجاعيد»
بالدرجة التي تخص تسريحة الشعر والدوائر السوداء تحت العينين.
صبغت شعري بالسواد، وأزلت تلك الدوائر اللعينة، وجعلت نفسي أبدو كمن في أوائل الثلاثينيات، وبدلت بنية وجهي بالقدر الكافي الذي جعلني أبدو «أحدّ»
بعض الشيء. وبمجرد النظر إلينا، بدا وكأننا فرقة رحالة غريبة لكنها عادية.
سألت: "هل استرحتم كفاية؟"، فأومئوا جميعاً برؤوسهم.
وهكذا، واصلنا الهبوط على المنحدر الهادئ نحو السهول. وكانت وجهتنا الأولى هي البلدة التي ذكرها الشيخ تشين شمال الموضع الذي سنخرج فيه من الجبال — وهو ما يعني في الواقع مواصلة السير باستقامة عند ظهورنا على الجهة الشمالية من السلسلة الجبلية. قدرت أننا سنمكث هناك بضعة أيام لنرى إن كانت هناك أي أخبار أو شايعات عن الطائفة وما شابه، إلى جانب معرفة وسيلة نقلنا. كان المشي أمراً مستبعداً، ولا أقول ذلك لأجلي وحدي.
فشئ أن تقطع بضع عشرات من الأميال سيراً، لكني كنت أعرف عن هذا العالم ما يكفي لئلا أقرب تلك الرحلة من بضع آلاف من الأميال. وما من أحد سيقطع تلك المسافة مشياً. والحق أن في خاطري شيئاً مسبقاً — فقد رغبت في التنكر بزي تجار. إنه غطاء واسع النطاق لا يجعلنا نبدو مشبوهين مهما طال مكثنا في مكان واحد. ويمكننا دائماً بيع بعض الأعشاب العادية التي نملكها بوفرة بين كنوزنا المكانية كافة، وسيؤدي ذلك إلى جعل الرحلة أكثر راحة، إذ يمكن للأطفال الاستراحة في العربة بينما أتأمل أنا المناظر الطبيعية من المركبة.
المشكلة؟ مع أنني عرفت القليل عن ركب الخيول، إلا أنني لم أكن أفقه شيئاً في، هه، قيادة العربات؟ أياً كان اسمها. ومع أنني اغرورقت برغبة في استئجار عربة، إلا أن ذلك لم يدم إلا لحظة. ومع ذلك، فلن يهم شيء إن كانت البلدة التي نقصدها أصغر من أن تضم خيولاً للبيع، فما بالك بالعربات.
وحسب علمي، فإن هذا القسم الصغير «المغلق»
الذي يسمونه الحافة المبهمة يضم مدينتين رئيسيتين — إحداهما في أقصى الشمال، عند الحد الفاصل بين منطقتين، وتسمى المدينة الأبدية.
أدركت كثرة الأسماء التي تحوي كلمات «الأبدية»
و«السماوية»
و«الروحية».
والأخرى كانت في أقصى الجنوب، جنوب طائفة شمس النار حتى، وبغض النظر عن ذلك، فلم تكن أي منهما ضمن نطاق وجهاتنا. وهناك الكثير من البلدات والقرى الصغرى التي تملأ التضاريس بين الحافتين، المئات منها، لكن معظمها لا يحمل حتى علامة على خارطتين تمكنت من إخفائهما من المكتبة. بما في ذلك تلك التي كنا نقصدها.
هتف شي جاو فجأة قاطعاً صمتاً طويلاً ما إن بلغنا الأرض المنبسطة: "... أتراهم ماتوا جميعاً، يا سيّد؟"
أجبت بصدق: "لا أعلم. شيوخ طائفتنا أقوياء حقاً".
وتدخل لونغ تاو من جانب: "حتى لو كانوا أضعاف قوتهم آلاف المرات، فلن ينجو أحد من ذلك العمود. والخبر السار هو أنه لم يبق أحد على قيد الحياة ليعلم أننا هربنا، وهو ما يعني أن أحداً لن يبحث عنا".
احتجت داي شيو: "أنت لا تعلم ذلك! الأخ هوا قوي للغاية، وقد عاد للمساعدة!"
اكتفى لونغ تاو برمي نظرة عليها وهز كتفيه. يراودني شعور طفيف بأن أخاها العزيز هوا كان سبب ذلك العمود الهائل.
سألت وهي تلتفت نحوي: "أليس كذلك، يا سيّد؟"؛
وبدا الأمر محرِجاً بعض الشيء، إذ اعتدت وجوههم الجديدة، سيّما الآن وقد بات تعبير توسّلها أشبه بـ«مراهق يحاول انتزاع عشرة دولارات منك استعطافاً»
لا «فتاة وديعة لطيفة».
وأنا أعرف ذلك التعبير جيداً لأنني كنت سيّده يوماً.
"نعم، إنه قوي جداً. لا أحد يعلم ما حدث هناك؛ وللآن، سنمضي على أساس أننا مطاردون. وحالما نبلغ البلدة، سنستقر وننصت لأي أخبار تخص الطائفة".
وبعد نحو أربعة ساعات، اندفعنا جميعاً نحو الشجرة الوحيدة وجلسنا في ظلها، نتنفس بصعوبة ونعرق بغزارة. لقد كانت جحيماً حقيقياً، وكانت التضاريس المنبسطة عبارة عن عشب بطول الركبة مع لدغات حشرات متواصلة ودون شجرة واحدة في الأفق. ولم يكن هناك حتى نهر؛ واللعنة، ولا حتى شجيرة أكبر بقليل من المعتاد. مجرد حقل لا نهائي لم يمش فيه أحد منذ عقود، بوضوح. لذا، وحين لمحنا شجرة على بعد ميل تقريباً منا، ركضنا جميعاً كالمجانين وأزلنا العشب حولها سريعاً، وجلسنا في ظلها.
"... عائلتي ستُبيد على الأرجح، أليس كذلك؟"
لم تمض ثلاثون ثانية حتى سمعت الكلمات التي بعثت القشعريرة في أوصالي. والتفتُّ إلى جانبي، فرأيت شي جاو دافناً رأسه بين ركبتيه، بينما كانت هاتان الأخريان تضغطان بقوة على صدره.
وكان صوته يتصدع: "إنهم معارف معروفون، وقد... وقد أعلنوا بفخر حين قُبلت..."
لقد بدا لي غريباً، بصراحة، كم... كان شي جاو مكبوتاً حين ذهبنا إلى بلدته. وفي خضم الفوضى، نسي حتى عائلته للحظة. وهو ما جعلني أعتقد أنه لم يكن مقرباً منها خصيصاً، وربما كان مجرد طفل يحاول التظاهر بالقوة. وهي هيئة مألوفة أيضاً. لم تكن في جعبتي كلمات مواساة لأنه ربما كان محقاً — ففي حرب الإبادة، لا يُؤخذ أسرى إلا ذوو المكانة الرفيعة للغاية. عائلات مساعدة توفر أثواب التلامذة؟
كلا. بل تُعدم بوحشية لترسل رسالة. وربما وصلهم الخبر فهربوا، رغم أن ذلك مستبعد. فمعظم أفراد عائلة شي جاو كانوا من البشر الفانين، وحتي لو منحوا شهر تقدم، فلن يقطعوا مسافة بعيدة قبل أن يُقبض عليهم.
وقفت لايت دون غيرنا وقتربت، تربت على رأسه قائلة: "لا بأس. سيعتني أمي وأبي بهم، أعدك بذلك".
وحاول كبح نحيبه، وتظاهر بقية منا بأنه نجح. وفي مثل هذه اللحظات أدرك دائماً كم أنا غير مؤهل لكل هذه اللعنة برمتها. أعني، هناك طفل يتألم هناك، وأنا أجلس هنا بارتباك كأن عصاً مغروسة في دبري بدل أن أقدم شيئاً — ولو مجرد كلمات مواساة فارغة.
تمكنت أخيراً من فتح فمي والنطق: "سنقضي هذا الدين. بغض النظر عن المدة التي يستغرقها".
ولم أكن أدري كم كانت تلك الكلمات مواسية، إن كانت كذلك أصلاً. لقد... شعرت فحسب أنه يتوجب علي قولها، حتى لو كانت لمجرد حركة فارغة.