الفصل 102 عندما تبكي السماوات (٧)
ركضنا حتى خدرت رئتاي وشعرت أن قدمي مقيدتان بأثقال. انحدرت تضاريس الجبل الوعرة ببطء لتفسح المجال لمنطقة غابية، وازداد الأمر صعوبة إذ كان عليّ تفادي التعثر والسقوط وسط جذور الأشجار المتناترة التي لا تنتهي. تعددت الجروح والخدوش في غضون دقائق معدودة من الركض ومحاولة شق الطريق في متاهة الشجيرات العالية الكثيفة المليئة بالأشواك والأفرع الحادة التي تغرز في الجلد. لكننا ركضنا.
لحسن الحظ، كل ما كان علينا فعله هو الركض نزولاً اتباعاً ل«ممر»
لا سبيل للضياع فيه. مع أنني يجب أن أعترف، بغضون الألم الحارق الذي يكتوي به كل شبر من جسدي، هناك أمر واحد يفوق ذلك كله—العار. أي عار؟ حسن، أنا أحمل طفلاً، بالتأكيد، لكن لونغ تاو يحمل شخصاً يضاعف عمر الطفل الذي أحمله مرتين، وبالكاد تبدو عليه أي علامة تعب. ويبدو شي تشاو، بدوره، غير مبال تماماً كما كنا عند الانطلاق، أما أنا؟ فأنا غارق عرقاً. أكاد أتذوق سموم الكسل المتبلد العذبة وهي تتشرب مني، مع أنه دفاعاً عني، لم يكن معظمني مسؤولاً عن أغلبها.
لقد كنت أمارس الرياضة بانتظام شبه دائم، أتعلمون؟ بضعة عشرات من تمارين الضغط هنا، وبعض القرفصاء، وقليل من تمارين التحمل، لكن الأمر لم يبدو كأنه يحدث تغيُّراً يذكر. غير أنه متى ما طهّر النظام جسدي، كان التغيير هائلاً—أشبه بممارسة الرياضة لستة أشهر متوالية ورؤية ثمارها فعلياً. استطاعت مخيلتي أن تلتقط ألف أمر—كان الضوء ساطعاً، ساطعاً لدرجة جعلتني أمد يدي غريزياً فوق عيني لايت وأطبق أجفاني بالكاد في الوقت المناسب لئلا تحترقا قليلاً.
انهارت الأرض فجأة من تحتي، وبدأت أسوأ، متعثراً في الظلام لأعثر على الفتاة وأضمها بقوة إلى صدري بينما حاولت توجيه سقوطي نحو الاتجاه المعارض. وحتى خلال الظلام، اخترقت ومضات من الأضواء المتقطعة، كشظايا محطمة من ساعة رملية تتوهج كهرم منشور. تشوشت الخطوط، ووجدت نفسي أشدد إغماض عيني لأزيد الطين بلة بطريقة ما. سقطت بطريقة محرجة نوعاً ما، على ظهري لا على مؤخرتي، ومع ذلك، لحسن الحظ، ارتددت عن شجرة في طريقي نزولاً، مما خفف وقع السقوط قليلاً.
وما إن هبطت حتى بدأت الهزات الفعلية حقاً—اهتزت الأرض بعنف. بصراحة، بدا الأمر كأن هناك شيئاً نائماً بعمق يستيقظ، كأن بركاناً على وشك تفجير قمته وهذه كانت نداءات تحذيره. في غضون ثانية، وجدت نفسي مقذوفاً إلى الأعلى ومندفعاً في الهواء؛ وفي الوقت المناسب، تمكنت من فتح عيني ورؤية الشجرة على بعد أربعة ياردات مني، فدفعت نفسي بقدمي وهبطت مستنداً إليها، لأرتد برشاقة وأقف على إحدى قدمي بعدها.
بصراحة؟ لعلها أقصى مهارة رياضية أظهرتها في حياتي طوال أيامي. وحين نظرت إلى أعلى الجبل مجدداً، لمحت خاطفاً عموداً مرعباً حقاً من الضوء الأخضر الضبابي. نبض كضوضاء مزخرفة للحظة قبل أن يتلاشى، مخلفاً وراءه سماء زرقاء صافية. غير أنه في غمرة ذهولي، غلبت سحب رمادية كالسخام تلك السماء الزرقاء الصافية في غضون لحظات معدودة. وبعد تنفسة واحدة، بدأ مطر أحمر كالدم ينهمر.
"ما هذا ال..."تمتمت، مدركاً للتو أنني رضضت بعض أضلعي في السقوط وأنها تؤلمني.
لكني ابتلعت الصرخة.
"هل أنت بخير؟"
سألت الفتاة الملتفة بين ذراعي.
"أنا بخير،"
أجابت.
"هل الجميع بخير؟"
ناديت، متلفتاً حولِي. لحسن الحظ، كان لونغ تاو وداي شيو بخير، وإن بدا عليهما بعض الارتباك والأوساخ، بينما كان شي تشاو يعرج قليلاً بعد أن التوى كاحله.
"ما الذي حدث؟"
سأل شي تشاو بينما رفعنا جميعاً أبصارنا نحو الجبل.
"... لا أعلم،"
قلت.
"علينا المتابعة."
واصلنا الهبوط، وإن تباطأنا بعض الشيء. في مرحلة ما، استوت تضاريس الجبل الشديدة وتركنا منطقة الغابات، لنخرج إلى منحدر عشبي وديع يمكننا منه رؤية السهول وهي تمتد نحو الأفق المضبب.
"لنسترح هنا،"
قلت، وكات كأني أنهار كلياً. وما إن أنزلت لايت حتى هوت بي السبل تقريباً، وأنا ألتقط أنفاسي بصعوبة بالغة. لم يكن الأمر مجرد تعب، لا أظن ذلك. بل شعرت أن ثقل كل شيء قد بدأ للتو يتسرب إلى الأعماق حقاً. لقد أشرق في وجداني أنني هارب مع الأطفال وأننا بلا مأوى. وأن كل ما عرفته بات مدمراً الآن، وكل من سوى من هنا... قد مات. أو، على الأقل، أُسر. أتعلمون، سيكون من السهل جداً عليّ أن أفقد صوابي في هذه اللحظة بالذات.
أملك ترسانة كاملة من الأعذار، أليس كذلك؟ ومع ذلك، حين أرفع رأسي وأنظر إلى هؤلاء الأطفال، أدرك... لا يمكنني ذلك. لونغ تاو، نعم، إنه بخير، وإن كان ملهوثاً قليلاً. لقد شهد على الأرجح مئات المعارك المشابهة وشارك في ثلاثة أمثالها. لكن ماذا عن الآخرين؟ لقد أخفوا ذلك، بأفضل ما استطاعوا على الأقل. لكنني استطعت تبينه في أعينهم—لم يكونوا بأفضل حال مني. بل، كانوا أسوأ حالا مني حتى.
على الأقل، أمتلك بضعة عقود في جعبتي، مهما كانت قيمتها. تسلل الصمت إلى وسطنا بينما جلس الجميع. أخرجت بضعة أقراص ووزعتها، مبتلعاً بعضها بنفسي. بدأت الجروح تحرق، والعدوى ليست أبداً لعبة ممتعة. عاد ذلك الشعور الراسخ في الروح—القلق. كجذر شجرة، حفر عميقاً، ولن يكون التخلص منه أمراً سهلاً. لكنني أفعّل كل ما بوسعي لأبتلعه كغصة في حلقي، ناهضاً لأواجههم جميعاً. لسوء الحظ أو لحسنه (والأغلب أنه لسوءه)، أنا كل ما يملكه هؤلاء الأطفال.
وليس هناك عودة للوراء، ليس الآن، وغالباً ليس أبداً. من المستبعد أن نغرس جذورنا في أي مكان في أي وقت قريب، مما يعني أننا سنغدو صعاليك لفترة قصيرة. هل أملك أي خبرة في النجاة على تلك الطريقة؟ ممم. لقد تنقلت بحقيبة الظهر قليلاً في أيام شبابي، وكان ذلك بينما كنت مفلساً نوعاً ما وعليّ القيام بأعمال عرضية لأدبر أمور معيشتي. في إحدى المرات، وبينما كنت أحاول معرفة كيف للجحيم سأتحمل تكلفة الوصول إلى جبال الألب لبعض التزلج الشتوي الرائع (معتقداً أن بمقدوري تحمل تكلفته أصلاً)، علقت لما يقارب الشهر في قرية سلوفينية صغيرة تدعى ستانجلي، حيث جرى توظيفي لأقوم بأعمال متفرقة حول حقل عنف.
لم تكن القرية بأسرها سوى حجار ورياح، وكنت أرصف الطوب طوال اليوم، كل يوم، لقبو نبيذ قيد الإنشاء، بينما كنت أنام في حظيرة تفوح منها رائحة التين وغبار الأسمنت. لم تكن المرة الوحيدة—بل وجدت أنني اضطررت مراراً لتثبيت نفسي في القرى الأصغر حيث كان العمل، رغم إرهاقه المروع، حقيقياً. وكان السكان المحليون لطفاء؛ وغالباً ما تقاسموا وجباتي معي، وكانوا يدفعون الأجور في مواعيدها.
ربل أن ذلك ما سيكون علينا فعله—البدء بالتجوال، والبحث عن أعمال عرضية، والبناء في الأماكن الأصغر أثناء السفر شرقاً. ليس فوراً، إذ ما تزال هناك جعبة صغيرة من الموارد في نصيبي من الحلقات المكانية (وخاصة تلك التي أعطاني إياها الشيخ تشين لحظة اندلاع المعركة)، لكنه أمر حتمي، وربما كان من الأفضل أن أجهزهم له فوراً.
"هيتاتكم،"
قلت.
"هل استقررتم على الجديدة؟"