الفصل 101 عندما تبكي السماوات (س)
ظهر هوا في أعماق الأرض، محتملاً أناشيد الموت الرنانة الهابطة من علٍ وهو يشق طريقه في النفق. لم يملك من الوقت إلا نزراً يسيرًا، دقيقة واحدة لا أكثر، ولم يكن ليتحمل ضياع ثانية واحدة منها. استغرق وصوله إلى قاعة واسعة ومستديرة أقل من بضع ثوانٍ، فشعر في مركزها بنبضات قلب تتفتح. بذرة صغيرة محبوسة داخل ما يُسمى أصابع الروح، كانت تنبض كأنها تولت للتو. مع كل موت في الأعلى، كانت الأرواح التي افترض بها بلوغ النجاة تُساق إلى هنا، لتُشَوَّه وتُفتل في خَلْقٍ مدنس.
لم يختلف كثيراً عن إخوته وأخواته، فقد قضى معظم حياته حارساً ورعاً، ولد هناك أيضاً، وكان أبوه شماساً للمكان لقرون. طوال حياته، تَبَرْمَجَ على أن البذرة مقدسة وجميلة، وأن الحراس هم المباركون المختارون لتَعَلُّم سبل استحضارها ومعالجتها. فهي أثرية بالغة القوة، وما كان ينبغي لها أن تُستَخدم إلا من قِبَل الخلائق النبيلة، كبقية الأشياء على حد زعمهم. لكنه الآن، إذ وقف أمامها، بَرَدَ شيء في صدره.
ناظرًا إلى الذرّات الرمادية للحياة وهي تلتوي محاولة تحريرها، لتنتهي مسحوقة بلا هوادة وتُساق إليها… بَدَتْ أقل شأناً من أثرية نبيلة مقدسة يُفترض بالمخلوقات النبيلة استخدامها، وأقرب إلى أداة شيطانية صنعها مَن اتخذوا موقفاً فظاً من الحياة. ويا لسخرية القدر، إذ كان مفترضاً غرسها يوماً في الفتاة الصيفية. كان الحارس الأبدي مستميتاً من أجل البذرة، لكنه استمات في الظاهرة فحسب.
إذ امتلكوا غيرها الكثير، مخبأة في أعماق الظلام المخملية لوجودهم الآثم. تماماً مثلما امتلكوا أكثر من طفل جُهِّز خصيصاً ليكون الوعاء. ربما امتلكت داي شيو الجسد الأكثر مثالية على مدار قرون، لكنهم سيجدون غيرها. فهم يفعلون ذلك دائماً. دنا منها وتوقف، مسمّراً نظراته الخاوية على الشيء الذي نسج خيوطه عبر سعة شاسعة من الزمان والمكان. كثرت الآثار وبقايا الداو المتناثرة عبر السماوات السبع، حتى صعُب تصديق أن شيئاً ضئيلاً كهذا قد يكون نجماً تدور حوله آلاف النجوم الأخرى.
وحين مدّ أصابعه نحوها، تفاعلت الأغصان الشبيهة بالمحاليق مانعة إياه من لمسها. عجز عن التحكم بها، فهو مجرد حارس في نهاية المطاف. وعجز عن تدميرها بالطريقة الطبيعية، أو إغفائها في سبات، أو فعل أي شيء يذكر حقاً. لم يملك سوى سبيل واحد، الاندماج بها وإفنائيهما معاً. حتى مع قوته الحالية، عدّ النجاح إنجازاً خارقاً، ومع ذلك وجب عليه المحاولة. استحال عليه السماح لأي كان بوضع يديه على البذرة المكتملة، لا سيما وقرب داي شيو منه ما زال قائماً.
ورغم ثقته بالفن الذي جلبه لو تشي، فالحذر واجب. وحين تختفي البذرة، فلن يتبقى سوى القليل ممن يهتمون بالعثور على المضيف. تجاهل جلد الأغصان وهو ينهش جلده، متوغلًا بعمق أكبر كلما اقترب من البذرة. وحين التفتت أصابعه حولها، لم يتبقَ من جلده شيء، وتلألأ البياض الناصع للعظام. تجاهل الألم وأحكم قبضته عليها. كان الارتداد عنيفاً، كأن مرجلًا من طاقة تشي متفجرة أُشعل أمامه مباشرة.
ونافس حجم الطاقة المنطلقة أضعاف مخزونه الحالي من تشي بعشر مرات. ورغم ذلك، تحَمَّل. شرعت طاقة تشي الشبيهة بتسونامي في تآكل مساراته، متسربة إلى عروقه وأوعيته الدموية. انطلق الدم رذاذاً، وبدأ الجلد يتسلخ في مشهد مرعب مخيف، فيما واظب على إحكام قبضته، مجدداً يده مراراً وتكراراً بينما واصل شق طريقه عبر سطح البذرة، محاولاً حقن طاقة تشي في قلبها والاندماج معها. ولم يمر وقت طويل حتى تحول ذراعه اليمنى بأكملها، صعوداً إلى الكتف، إلى كومة طويلة من العظام، وفي نهايتها يد تحترق مراراً وتكراراً.
أخذت عيناه تتوهجان بضياء أخضر، وطاقة البذرة المفسدة تنخره ببطء بالكامل. كان ميتاً بالفعل من جراء هذا وحده، ولو أفلتها لسقط ومات في غضون ثوانٍ. لكنه تحَمَّل. بدأت الأصوات تعوي، أصوات الموتى المتسربة من البذرة. تضرعت، وتوسلت، واسترحمت، وبكت طلباً للحرية، لكن قبضته ازدادت إحكاماً لا غير. لم يكن الأمر سوى كذب. تحولت الأرواح المبتلعة من البذرة إلى طاقة تشي، ولا شيء غير ذلك.
مُسِحَت هوياتهم بالكامل، ولم يتبقَ سوى بقايا الطاقة داخل السطح الصلب. وحينها شعر بها، تصدّعاً. شقاً دقيقاً في سطح أملس ومثالي لولا ذلك؛ ومثل نمر انتظر طريدته طوال هذا الوقت، انقض على الفرصة ووسع الفتحة الضيقة محقناً كتلة من طاقة تشي التي احتفظ بها محبوسة بإحكام داخل أصابعه. اختفت البذرة فجأة حين شعر بصدره يلتهب. احترقت الثياب، وتوهج عظمه الصدري بزمرد حارق. وبدت الأوردة واضحة وهي تنبض وتتلوى كالديدان، وألم يغمر كل شبر منه.
- طريق الأشباح في الموت. تمتم بها بينما أطلقت عيناه أشعة من ضوء أخضر فولاذي متوهج، وبدأ جسده يتفكك عند دروزة. انطلقت عملاق طاقة ناشئة كبركان خامد، مخترقة السقف في جزء من مليار من الثانية لتنطلق نحو السماء في اللحظة التالية. تمددت بسرعة وعنف، كأنها رياح الهاوية العاتية، ممزقة كل شيء صعوداً في وجود متسلسل صامت. التهمت كل ما في طريقها، لحماً وتراباً وحجراً، ومزقته من الوجود محوّلة إياه إلى عدم.
ومن قلب العمود، انطلقت ظلال ضئيلة شفافة وتحررت، متناثرة في السماوات الواسعة، غير مرئية كالأطياف. وفي غضون ثانية، اختفى نصف الطائفة، مسوًى بالأرض ليصير منخفضاً دائرياً. وفي الثانية التالية، لحق به النصف الآخر. وفي غضون ثلاث ثوانٍ، اختفى عمود الطاقة، وتحولت السماء إلى زرقة حالكة، وانطفأت... الحياة. أصبحت القاعة التي آوت البذرة مدفونة الآن تحت عشرات الطبقات من الأنقاض والمباني والجثث، رغم بقائها على عمق ضحل.
سقطت صخرة عديمة اللون بحجم حصى وتدحرجت على التراب، بادية كأنها لا تحظى بأي أهمية تذكر، لتتوقف بجوار هيكل عظمي أبيض متشقق النصف. دارت في مكانها لحظة، محدثة جعجعة في الصمت والظلام، قبل أن تتوقف وتغرق في صمت مطبق. في الأعلى، لم يكن هناك شيء. لا حياة ولا موت. لا رماد ولا أنفاس. على مسافة من الطائفة، وقف أولئك الذين تخلفوا لضعفهم عن المشاركة في الغزو، مشدوهين ومرتعبين في صمت أمام الأرض المسطحة الخالية من كل شيء.
قبل ثانية واحدة، شاهدوا أسيادهم وشيوخهم يتقدمون بخطى حثيثة، على بعد بوصات قليلة من النصر. وفي اللحظة التالية، لم يكن هناك شيء. ولا حتى نصل عشب. مجرد تراب، قبر أبدي لن يعرفه أحد. فجأة، تحولت السماوات الصافية إلى رماد بفعل الغيوم، وبدأت السماء تمطر. لكنها، على نحو مرعب، أمطرت دماً أحمر. وما زاد الأمر رعباً، أن المطر اقتصر على المنخفض الدائري المسطح دون سواه، كأن السماوات نفسها كانت توسم هذا المكان بصفة تحظر على أي كائن حي بلوغه.
صامت إلى الأبد. وحيد إلى الأبد.