الفصل السابع الطريق إلى الخضوع
حين دخل يين لين يان قرية عشيرته، كان الليل قد انحسر، لكن ضوء الصباح بقي ضعيفًا تحت الغيوم.
غطّت السحب السماء بأكملها، ثقيلة ومتقاربة، حتى بدت الجبال المحيطة أكثر قتامة مما اعتاد. لم تظهر الشمس، وكانت الريح الباردة تمر بين المباني الخشبية والخيزران، تحرك أطراف الرايات فوق الطرقات. بدا المطر قريبًا، وإن لم تسقط منه قطرة بعد.
سار لين يان نحو مقر الزعيم.
لم يكن غريبًا عن تلك الطرق، ومع ذلك، لم تمنحه وجوه من مرّ بهم شعور العائد إلى بيته.
رآه رجل يقف عند باب متجر، فتوقفت يده فوق لوح الخشب الذي كان يرفعه. ظل ينظر إليه حتى ابتعد. وعلى الجانب الآخر من الطريق، خفت حديث مجموعة من أفراد العشيرة حين اقترب منهم، ثم تبعته عيونهم بصمت.
لم يسلم عليه أحد.
كانت بعض النظرات تحمل ضيقًا واضحًا، وأخرى بقيت ثابتة عليه أكثر مما ينبغي. حتى الذين أشاحوا بوجوههم فعلوا ذلك بطريقة بدت متعمدة، كأن مروره لم يكن أمرًا يودون الاعتراف به.
لم يسمع كلمة تفسر تلك النظرات.
ولم يسأل.
واصل السير بوجه خالٍ من التعبير، وشعره الأسود الطويل يتحرك خلف كتفيه. لم يبطئ أمام أحد، ولم يحاول استرضاء من راقبوه. اجتاز الطريق المؤدي إلى المقر، ثم دخل من أبوابه الخشبية.
كان هدوء القاعة مختلفًا عن هدوء الخارج.
ضوء رمادي تسلل عبر النوافذ المشبكة، وانعكس على الأعمدة الداكنة والأرضية الخشبية. بقيت المصابيح مضاءة، تمنح المكان ضوءًا خافتًا لا يصل إلى كل زواياه.
وفي صدر القاعة جلس زعيم عشيرة يين.
يين لينغ.
بدا شابًا في عشريناته، بملامح رجولية واضحة؛ وجه متناسق، وفك محدد، وحاجبان يمنحان عينيه البنفسجيتين عمقًا يزيد حين يصمت. انسدل شعره الأزرق الفاتح، القريب من الفضي، على كتفيه وظهره، وتفرقت منه خصل ناعمة حول وجهه.
عند إحدى عينيه امتدت زينة فضية دقيقة، تتخللها قطع بلورية وتتدلى منها بلورة بنفسجية صغيرة. لم تحجب ملامحه، لكنها جعلت نظرة من أمامه تتوقف عند وجهه لحظة أطول.
ارتدى رداءً كحليًا واسعًا، تتوزع على طبقاته نقوش ذهبية هادئة. ظهر هلال ذهبي على صدره، بينما اجتمعت أطراف الرداء حول حزامه الداكن. استقرت يداه، المغطّاتان بقفازين أسودين، بهدوء عند موضع جلوسه.
لم يحتج إلى حركة كبيرة ليُشعر من يدخل بأن المجلس ينعقد حوله.
وكان المجلس منعقدًا بالفعل.
حضر شيوخ العشيرة السبعة. كان بينهم يين مينغ شو، ويين لو تشو، ويين مو تشي، ويين تشنغ شونغ، ويين ليانغ بو، إلى جانب شيخين آخرين.
التفتت وجوههم نحو الداخل حين ظهر لين يان.
تقدم إلى الموضع المقابل للزعيم وتوقف. بقي وجهه كما كان في الطرقات؛ لا ابتسامة ولا انزعاج، ولا أثر يوحي بما جرى له في رحلته.
نظر إليه يين لينغ.
— عدت.
خفض لين يان رأسه قليلًا.
— نعم، سيدي.
تركه الزعيم يتحدث.
بدأ لين يان يروي ما حدث في أراضي هان؛ لقاءه بهان سول، وما دار بينهما بشأن الطريق، ثم وصول رجال المملكة إلى مقر هان يانغ، والأوراق التي حملوها إلى المجلس.
تحدث بصوت ثابت، لا يتعجل ولا يترك بين عباراته صمتًا طويلًا. انتقلت أنظار الشيوخ بينه وبين الزعيم، فيما بقي يين لينغ يستمع دون مقاطعة.
لكن لين يان لم يذكر نهج دم الحرباء.
ولم يذكر الرسالة التي تسلّمها من هان يانغ، ولا ما فعله بها بعد أن ابتعد عن القافلة.
وعندما وصل حديثه إلى موقف زعيم هان، قال:
— زعيم عشيرة هان وافق بالفعل على بيع حصته من الطريق للمملكة.
توقفت إحدى الأيدي فوق مسندها.
نظر يين لو تشو إلى الشيخ الجالس بجانبه، بينما مال يين مينغ شو قليلًا نحو المجلس. خرجت همهمة قصيرة، ثم تبعتها أخرى من الجهة المقابلة.
لم تكن حصة هان جزءًا صغيرًا يمكن تجاهله.
خمسون بالمئة من الطريق.
ومع الثلاثين التي تملكها المملكة أصلًا، تصبح في يد العائلة الملكية حصة تكفي لتغيير ما اعتادته العشيرتان طوال سنوات.
بقي لين يان واقفًا في مكانه.
أما يين لينغ، فقد نظر إليه لحظة قبل أن يتحدث:
— ما الذي تريده عشيرة هان من فعل كهذا؟
رفع يين مو تشي رأسه.
— يبدو أنهم يريدون الاقتراب من المملكة.
ساد صمت قصير، ثم قال شيخ آخر:
— وربما لم يعودوا يرون أنهم بحاجة إلينا.
تحركت نظرات الشيوخ من جديد.
كانت الجملة الأخيرة أشد وقعًا من الحديث عن البيع نفسه. فالطريق حمل تجارتهم ومواردهم، لكنه حمل أيضًا ما اعتاد كل طرف أن ينتظره من الآخر.
قال يين مو تشي:
— إن كانوا يسعون إلى مصلحة مع المملكة، فكان عليهم أن يعرفوا ما يعنيه هذا لنا.
لم يرفع صوته، لكن الضيق ظهر في نبرته.
نظر يين لينغ إلى الوجوه المحيطة به، ثم أعاد عينيه إلى لين يان.
ظل الشاب هادئًا، كأنه لم يسمع شيئًا يستدعي تغيير ملامحه.
وبعد لحظة، قال:
— زعيم العشيرة، اسمح لي بالتحدث.
أومأ يين لينغ.
— تفضل.
رفع لين يان نظره إليه.
— قبل فترة وجيزة، اختفى ثلاثة رجال من عشيرتنا.
خفتت الهمهمات.
كان ذكر المفقودين كافيًا ليعيد انتباه المجلس كاملًا إليه.
تابع لين يان:
— والآن تبيع عشيرة هان حصتها من الطريق للمملكة.
توقف قليلًا، ثم أضاف بالنبرة نفسها:
— يبدو أنهم يريدون إضعافنا.
لم يذكر دليلًا يجمع بين اختفاء الرجال وبيع الطريق. وضع الأمرين أمام المجلس متجاورين، وترك للشيوخ أن ينظروا من أحدهما إلى الآخر.
قطب يين تشنغ شونغ حاجبيه. تبادل يين ليانغ بو نظرة مع أحد الشيخين، ثم عادت الهمهمات أكثر انخفاضًا وقربًا.
صار اسم هان يتردد بين كلمات لم تكن تخص الطريق وحده.
وقف لين يان أمامهم بلا تعبير، بينما أخذ الشك يجد موضعه في الحديث.
نظر يين لينغ إلى الشيوخ واحدًا بعد آخر، ثم قال:
— إن لم نسلّم حصتنا من الطريق غدًا، فسيُفهم موقفنا على أنه معارضة واضحة للمملكة.
توقفت الهمهمات عند صوته، لكن الوجوه بقيت مشدودة.
تابع بهدوء:
— علينا تسليمه. لسنا ندًّا للمملكة حتى نقاومها في وضع كهذا.
مال يين مينغ شو إلى الأمام، غير أن الزعيم أكمل قبل أن يتحدث:
— تبادل الموارد بيننا وبين هان سيتوقف. سنحصل على ما نحتاج إليه من المملكة نفسها، ونتبادل الموارد معها بدلًا من عشيرة هان.
رفع يين ليانغ بو رأسه فورًا.
— وما الذي سيجعل المملكة تتبادل معنا كما كانت تفعل هان؟
نظر إليه الزعيم، فتابع الشيخ:
— كانت هان تحتاج إلى مواردنا كما نحتاج إلى مواردها. كل طرف يمنح الآخر شيئًا ينتفع به. أما المملكة، فلديها مينغ وزوي تحت نفوذها مباشرة. لماذا تمنحنا شروطًا تحفظ مصلحتنا، وهي تستطيع فرض ما تريد؟
لم يبقَ الاعتراض في موضعه وحده.
قال يين مو تشي:
— حين يصبح الطريق كله في يدهم، سيحددون كيف تمر تجارتنا، وما الذي نحصل عليه في مقابل مواردنا. سنبيع بما يقبلونه، ثم نشتري بما يطلبونه.
أضاف يين لو تشو:
— سيستفيدون من الطريق ومن تجارتنا معًا. نحن من سيدفع ثمن هذا التسليم.
تحرك يين تشنغ شونغ في مقعده.
— تسليم حصتنا ليس تنازلًا عن أرض فقط. إنه استسلام صريح.
خرجت كلمة الرفض من أكثر من جهة.
— لا ينبغي أن نسلّمه.
— لا يمكننا ترك كل شيء بيد المملكة.
— سنصبح تابعين لها في كل مورد نحتاج إليه.
كان الشيوخ السبعة يعارضون القرار، وإن اختلفت عباراتهم. بعضهم تحدث عن الثمن الذي ستُفرض به الموارد، وبعضهم عن الطريق الذي لن يعود لهم حق التصرف فيه، وآخرون عن النفوذ الذي سيصل إلى داخل العشيرة بعد ذلك.
قال يين مينغ شو:
— إن قبلنا اليوم لأننا نخشى معارضتهم، فما الذي سيمنعهم من طلب المزيد غدًا؟
تداخلت الأصوات من جديد. ارتفعت يد تشير إلى الزعيم، وأخرى انقبضت فوق مسندها. بقي لين يان واقفًا أمام المجلس، يستمع بملامحه الثابتة.
لم يقاطع يين لينغ أحدًا في البداية.
ترك الاعتراضات تتتابع، وعيناه البنفسجيتان تنتقلان بين الوجوه، حتى قال:
— موي ميان.
انقطع الحديث.
التفت إليه الشيوخ، وسكن من كان يستعد لإضافة اعتراض آخر. بقي اسم الرجل معلقًا لحظة في صمت القاعة.
أكمل يين لينغ:
— تقول الأسطورة إن موي ميان، حين استطاع أن يبصر للمرة الأولى، ترك العصا التي كانت تقوده طوال حياته.
نظر إلى يديه قبل أن يعيد عينيه إلى المجلس.
— بتلك العصا عرف طريقه، وتجنب ما يعترض خطواته، ووصل إلى الأماكن التي أرادها. ومع ذلك، حين تغير حاله، لم يستمر في حملها لمجرد أنها رافقته كل تلك السنوات.
ظل الشيوخ صامتين.
قال الزعيم:
— الطريق جعلنا نعيش طوال حياتنا. عبره وصلت الموارد، وقامت التجارة، وبقيت لنا مصالح مع هان. أعرف ذلك، وأعرف أن تسليمه سيكلفنا الكثير.
توقف قليلًا.
— لكننا الآن أمام موقف لا نستطيع التعامل معه كما تعاملنا مع ما مضى. علينا أن نفعل الشيء ذاته؛ أن نتخلى عما اعتدنا الاتكاء عليه، ونتعامل مع حالنا كما أصبح.
رفع يين ليانغ بو عينيه نحوه، وبقيت ملامحه معارضة، لكنه لم يتكلم.
واصل يين لينغ:
— نحن عشيرة واحدة، في مملكة توجد إلى جانبنا فيها ثلاث عشائر أخرى. مينغ وزوي واقعتان تحت نفوذ العائلة الملكية، وهان، بحسب ما وصل إلينا، اختارت تسليم حصتها من الطريق.
انتقل نظره إلى لين يان للحظة، ثم عاد إلى الشيوخ.
— ماذا سنفعل نحن إن وقفنا وحدنا في وجه المملكة؟
لم ينتظر جوابًا.
— معارضة التسليم لن تجعلنا أقوى منهم، ولن تعيد هان إلى موقفها السابق. ستجعلنا فقط الطرف الذي أعلن رفضه، وعليه أن يتحمل ما يأتي بعد ذلك.
استقرت يده على المسند، وأكمل بنبرته الهادئة:
— تحدي المملكة في وضع كهذا لن يكون في صالحنا.