تاج المصيرين الفصل 8 — تاج المصيرين 8

اقرأ تاج المصيرين الفصل 8 — تاج المصيرين 8 باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل الثامن حكمةٌ عمياء

بقي الشيوخ السبعة صامتين بعد كلمات يين لينغ. كانت الأوراق أمامه، والطريق الذي عاشوا على خيراته طوال سنوات حاضرًا في أذهانهم جميعًا.

نظر الزعيم إلى الوجوه المحيطة به، ثم قال:

— أعرف أن أحدًا منكم لا يريد التخلي عن الطريق. وأنا أيضًا لا أريد ذلك. لكن واجبنا لا ينتهي عند حماية ما نملكه؛ علينا أن نحمي الذين يعتمدون عليه في حياتهم.

أراح يده على طرف المقعد، وأكمل بنبرة هادئة:

— وراء كل عربة تعبر ذلك الطريق بيت ينتظر ما تحمله. ووراء كل مخزن رجال سيحتاجون إليه عندما تضيق الأيام. إن اتخذنا قرارًا هنا، فلن نبقى وحدنا من يدفع ثمنه.

لم يكن في صوته تردد، لكنه لم يستخف باعتراضاتهم.

— يحق لكم أن تغضبوا، وأن تقلقوا على ما بنيناه. لكن الغضب لا يكفي لاتخاذ قرار. علينا أن ننظر إلى قوتنا كما هي، وإلى ما نحتاج إليه، ثم نختار ما نستطيع تحمّل عواقبه.

كان صغير السن مقارنة بمن يجلسون أمامه. ومع ذلك، حملت كلماته شيئًا من حكمة والده؛ ذلك التأني الذي يمنع صاحبه من جعل انفعاله حكمًا على مستقبل الآخرين.

تنقل نظره بينهم، ثم تابع:

— لن نترك مخاوفنا تدفعنا إلى التسرع، ولن نتجاهلها أيضًا. سنضعها أمامنا، ونتعامل معها واحدة بعد أخرى. أما الآن، فلا ينبغي أن ينسينا أمر الطريق ما يقترب من أراضينا. الناس خارج هذه القاعة ينتظرون منا أن نحسن التصرف، حتى إن لم يعرفوا ما يحدث فيها.

لم يرد أحد مباشرة. ظلت على بعض الوجوه آثار الاعتراض، غير أن الهمس الذي ملأ القاعة قبل قليل انقطع.

التفت يين لينغ إلى لين يان.

كان واقفًا في مكانه، ساكن الملامح، يتابع الحديث من دون أن يبدي شيئًا.

سأله الزعيم:

— هل سلّمت رسالتي إلى زعيم عشيرة هان؟

جمع لين يان يديه أمام صدره في تحية احترام، وانحنى قليلًا.

— بالطبع، يا سيدي. أوصلت الرسالة إليهم، وتأكدت من أن زعيم عشيرة هان وضع يده عليها. وبعدها طلب مني المغادرة.

حل صمت مفاجئ.

بقي لين يان منحنيًا لحظة، ثم اعتدل بهدوء. لم يضف شيئًا إلى جوابه، ولم يحاول تفسير ما أعقبه من سكون.

نظر إليه يين لينغ، ثم قال:

— يين لين يان، يمكنك المغادرة.

انحنى لين يان مرة أخرى.

— حاضر، أيها الزعيم.

استدار واتجه نحو الباب. تبعته بعض النظرات حتى عبر العتبة، ثم أُغلق الباب خلفه.

في الخارج، كانت أولى قطرات المطر تنزل على الدرج الخشبي. بدت بقعها صغيرة ومتباعدة، فيما بقيت السماء مغطاة بالغيوم التي حجبت الضوء عن القرية منذ الصباح.

وقف لين يان تحت طرف السقف لحظة، ثم نزل الدرج.

داخل القاعة، تحرك أحد الشيوخ في جلسته وقال:

— يبدو أن زعيم عشيرة هان كان يخطط لقمع عشيرتنا منذ البداية.

توقف قليلًا، ثم أضاف:

— كنا نتبادل الموارد مع زوي حين كانت خارج نفوذ المملكة. وبعد أن أصبحت تحت سيطرتها، لم يعد التبادل كما كان. والآن يبدو أن الشيء نفسه سيتكرر مع هان.

رفع شيخ آخر نظره إلى الزعيم، بينما عاد القلق إلى وجوه البقية.

قال يين لينغ:

— علينا تسليم الطريق، لكن بشروط تتعلق بالموارد. لا يمكننا أن نتخلى عنه ثم نترك احتياجات العشيرة معلقة.

— وهل ستقبل المملكة بشروطنا؟ سأل أحدهم.

نظر إليه الزعيم.

— علينا أن نضعها أمامهم. نحن بحاجة إلى الموارد الآن، وليس لدينا متسع لاتخاذ قرار اعتمادًا على ما نتمناه وحده.

سحب يده عن طرف المقعد، ومال إلى الأمام قليلًا.

— وحوش الصقيع تقترب. والذئاب والنمور وغيرها من الحيوانات المفترسة تتحرك بأعداد هائلة. إن وصل الخطر إلى أراضينا، فلن يفيدنا أن نكون قد أمضينا هذه الأيام كلها في الخلاف بشأن الطريق.

أطرق بعض الشيوخ، وظل آخرون ينظرون إليه من دون أن يتكلموا.

تابع يين لينغ:

— لا يمكننا رفض التسليم ونحن عاجزون عن تحمّل ما سيأتي بعده. نحتاج إلى ما يحفظ استعدادنا، ويضمن استمرار وصول الموارد إلينا. هذا ما يجب أن نركز عليه حين نضع شروطنا.

ساد صمت قصير، ثم قال:

— ما دمنا مجتمعين هنا، فلنهدأ ولنركز على الأهم. لدينا رجال علينا إعدادهم، ومخازن علينا التأكد مما فيها. لن نحل كل شيء بالغضب، لكن يمكننا أن نستعد لما نعرف أنه قادم.

خارج القاعة، أخذ المطر يشتد.

تلاحقت القطرات على الأسقف، وانحدر الماء من أطرافها إلى الممرات. اختفت البقع المنفردة على الخشب تحت طبقة متصلة من البلل، وبدأت الأزقة تخلو من المارة.

سار يين لين يان نحو مكان سكنه.

ابتلت خصلات شعره الأسود، والتصقت بعضها بجانبي وجهه. ازدادت ألوان ثيابه قتامة تحت الماء، فيما ثقلت أطرافها الطويلة وهي تتحرك خلفه مع خطواته.

لم يبحث عن سقف يتوقف تحته.

واصل المشي بوجه خالٍ من التعبير، وعينين هادئتين، بينما ازداد المطر غزارة من حوله. وعلى جانبي الطريق، انشغل الناس بإغلاق النوافذ وجمع ما تركوه خارج البيوت.

كان صوت الماء يملأ القرية، ويطغى شيئًا فشيئًا على وقع خطواته.

انتهى الاجتماع، وانصرف الشيوخ السبعة تباعًا. خفتت أصواتهم في الممر حتى لم يبقَ داخل القاعة سوى وقع المطر على السقف.

ظل يين لينغ جالسًا في مكانه، ينظر إلى الأوراق أمامه.

خرج مستشاره من الممر الجانبي، وتقدم حتى وقف على مسافة قصيرة منه. انتظر لحظة، ثم سأله:

— ما رأيك فيما فعله يين لين يان، أيها الزعيم؟

رفع يين لينغ نظره إليه.

— يبدو أنه أصبح أكثر عقلانية.

سكت قليلًا، ثم تابع:

— بعد القمع الذي تعرض له، لم يعد يستطيع فعل كل ما يريده. كان عليه أن يفهم أن العشيرة لن تتركه يتصرف كما يشاء إلى الأبد.

استمع المستشار من دون أن يقاطعه.

— تقدّمه لهذه المهمة وذهابه إلى هان بداية جيدة. ربما تكون هذه أول خطوة ليعود فردًا من العشيرة، ويجد لنفسه مكانًا فيها من جديد.

قال المستشار:

— وهل ترى أنه تغيّر بالفعل؟

أجاب يين لينغ بهدوء:

— ما يزال قليل الخبرة. لا ينبغي أن نحكم على كل تصرف يصدر منه وكأنه يعرف تمامًا ما يفعله. لا تقلق؛ قد يحتاج إلى بعض الوقت، لكن ما فعله هذه المرة يدعو إلى الاطمئنان.

مرر الزعيم أصابعه على طرف إحدى الأوراق، ثم أضاف:

— ربما كانت نسبته المئوية وراء بعض تصرفاته في البداية. أن يحمل الإنسان في داخله ما قد يقصّر حياته ليس أمرًا يسهل تقبّله. لعل ذلك جعله يكره الحياة، ويبتعد عن الناس، ويرفض كل ما يُطلب منه.

رفع عينيه إلى المستشار مجددًا.

— أما الآن، فيبدو لي أنه بدأ يفهم وضعه ويستوعب ما يجري حوله. لم يعارض المهمة، وعاد ليقف أمامنا ويخبرنا بما حدث. هذا ما أراه حتى الآن.

أومأ المستشار ببطء.

أعاد يين لينغ نظره إلى الأوراق.

— على كل حال، سيأتي رجال المملكة غدًا من أجل تسليم الطريق. علينا أن نركز على الشروط التي سنضعها أمامهم، وعلى الموارد التي تحتاج إليها العشيرة.

بقي المستشار ينظر إليه لحظات، ثم قال:

— أيها الزعيم، على صغر سنك، فإنك تزن الأمور بعقل حاضر. وما زلت تحمل من الحيوية ما يدفعك إلى العمل، حتى في وقت كهذا.

توقف قليلًا قبل أن يضيف بنبرة أكثر لينًا:

— لو كان والدك حيًا، لكان فخورًا بك.

سكنت يد يين لينغ فوق الورقة. لم يجب مباشرة، وبقي نظره عليها لحظة، بينما استمر المطر في ضرب السقف فوقهما.