الفصل السادس أمانه ممزقة
واصل هان تشي حديثه عن المراسم بحماس. كان واقفًا أمام هان سول، قريبًا منه بما يكفي ليسمعه بوضوح، لكن هان سول لم يكن يتابع ما يقوله.
ظل نظره يعود إلى الجهة التي تقف فيها هان شيويه.
تحدث هان تشي قليلًا، ثم توقف عندما لاحظ شروده.
— هان سول، ما بك؟
التفت هان سول إليه، كأنه انتبه أخيرًا إلى صوته. استقرت عيناه عليه، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة.
— سأكون في المراسم لأشجعك.
اتسعت ابتسامة هان تشي.
— أشكرك على حضورك.
ضم قبضته إلى راحة يده الأخرى أمام صدره، ثم انحنى بجسده ورأسه قليلًا، مؤديًا التحية باحترام.
قال هان سول:
— لا داعي لكل هذه الرسمية.
رفع هان تشي رأسه، وبدا عليه شيء من الحرج.
— أعتذر. كان عليّ أن أحييك بهذه الطريقة منذ البداية. فأنت وريث العشيرة.
وقبل أن يتابع، انتبه إلى الشاب الواقف بجانب هان سول.
انتقل نظره إلى ملابس لين يان الداكنة وشعار عشيرة يين عليها. ظهرت الدهشة على وجهه للحظة؛ لم يكن يتوقع أن يرى أحد أفراد يين هنا، يسير إلى جانب الوريث داخل معسكر التدريب.
لكنه لم يجد وقتًا ليسأل.
ارتفع صوت أحد المعلمين من الساحة:
— يا فتى! ما بك؟ تعال إلى هنا!
التفت هان تشي نحو الصوت، ثم عاد بنظره إلى هان سول.
— أعتذر، عليّ العودة إلى التدريب.
أومأ هان سول إليه، فانصرف مسرعًا نحو مجموعته.
تابعه لين يان بنظرة قصيرة، ثم قال بهدوء:
— هل يمكننا الإسراع يا هان سول؟
نظر إليه هان سول.
— هيا، تعال.
غادرا معسكر التدريب، ومرا بعدة ممرات بين مباني العشيرة. أخذت أصوات الضربات والنداءات تخفت خلفهما، بينما استمر الثلج فوق الأسطح وحواف الطرق.
قاد هان سول ضيفه إلى مبنى يختلف عن الأماكن التي عبراها. عند مدخله وقف حراس يرتدون زيًا قتاليًا يجمع بين الأزرق والأسود، ويحمل شعار عشيرة هان. كانت ملابسهم محكمة عند الذراعين والساقين، تسمح لهم بالحركة، وتدل على أنهم مقاتلون.
خلفهم امتد مدخل قبو العشيرة.
قبو نهوج الدم.
تقدم هان سول نحو الحراس وطلب الدخول. أفسحوا له الطريق، فعبر المدخل، لكن لين يان، الذي كان يسير خلفه، توقف حين اعترض أحد الحراس طريقه.
نظر لين يان إليه.
— لدي تصريح من زعيم العشيرة.
لم يتراجع الحارس.
— الإذن الذي مُنح لك يخص تسلّم نهج دم الحرباء. لا يجيز لك دخول القبو.
بقي لين يان واقفًا أمامه، وملامحه هادئة.
كان تصريح الحصول على نهج من القبو مختلفًا تمامًا عن تصريح دخوله.
لم يُسمح لأي شخص من خارج عشيرة هان بعبور ذلك المدخل. وحتى الزعيم نفسه لم يكن يملك أن يُدخل غريبًا إليه لمجرد أنه أراد ذلك.
فالقبو لم يكن مخزنًا لنهوج الدم فحسب.
في أعماقه حُفظ جانب من قوة العشيرة، وما ورثته عبر أجيالها الطويلة. كانت فيه أسرار تتجاوز ما يُعرض في الأسواق أو يُمنح للمقاتلين، وأشياء لا يستطيع الغريب تخيلها من مجرد النظر إلى بابه.
إدخال شخص من خارج العشيرة إليه كان يُعد خيانة. لذلك لم يكن اسم الزعيم وحده كافيًا لتغيير موقف الحراس.
التفت هان سول من الداخل، بعدما لاحظ أن لين يان لم يتبعه.
— انتظرني هنا.
نظر إليه لين يان، ثم بقي قرب المدخل دون أن يجادل الحراس.
اختفى هان سول في الممر المؤدي إلى القبو، وعاد الهدوء إلى المكان.
مر بعض الوقت قبل أن يظهر مجددًا.
كان يحمل في يده نهج دم الحرباء.
مجسمًا صغيرًا وطريًا، أصغر من كف الإنسان، يحتفظ بهيئة حرباء مصغرة. كان جسده بنيًا بالكامل، يحيط به ضوء خفيف يُظهر انحناءة ذيله وأطرافه الدقيقة.
تقدم هان سول إلى لين يان، ومد يده إليه.
— أمسك.
مد لين يان كفه، فتسلّم النهج.
ضغط يين لين يان على نهج الحرباء داخل كفه. انكمش المجسم الطري، ثم ذابت هيئته وتحول إلى دم نهج بني، تسلل عبر راحة يده إلى جسده.
تحرك النهج في الداخل حتى وصل إلى نهج دمه الخاص. استقبله نهج لين يان، واحتواه ضمن نسبته المئوية الداخلية.
فداخل تلك النسبة تستقر نهوج الدم الأخرى التي يدمجها الإنسان في جسده. هناك يُحتفظ بخصائصها، ويتمكن صاحبها من استخدامها عبر التحكم بنهج دمه.
استقر نهج الحرباء داخل نسبة لين يان، وأصبحت خاصية التخفي متاحة له. وحين فتح كفه، لم يبقَ فيها شيء؛ كان النهج قد انتقل بالكامل إلى داخله.
اختلفت طريقة استخدام كل نهج عن الآخر.
فالنهج الذي استخدمه هان سول من الذئب الأبيض دُمج عبر عينيه، بينما استُقبل نهج الحرباء عبر يد لين يان. الهيئة المصغرة كانت الشكل الذي يحتفظ به نهج الحيوان بعد استخراجه، أما طريقة دمجه فكانت تختلف من نهج إلى آخر.
لكن امتلاك التخفي لم يجعل لين يان مستحيل الكشف.
فمن يمتلك نهجًا يسمح له بالرؤية بطريقة مختلفة قد يستطيع العثور عليه رغم اختفائه. رؤية حرارة الأجسام، التي منحها نهج الذئب الأبيض لهان سول، كانت مثالًا على ذلك؛ إخفاء الهيئة لا يمنع تلك الرؤية من كشف حرارة الجسد.
وكان للتخفي حدود وعيوب أخرى كذلك. لم يكن مجرد امتلاك الخاصية كافيًا ليصبح صاحبها آمنًا في كل موقف.
لم يوجد نهج دم مثالي.
قال هان سول، بعدما رأى كف لين يان خالية:
— هيا لنكمل. لدينا ما نفعله.
رفع لين يان نظره إليه. بقي وجهه هادئًا، لكن فكرة أخرى مرت في داخله.
«اللعنة… لم أستطع دخول القبو.»
ألقى نظرة أخيرة نحو المدخل، ثم تابع في نفسه:
«لكن لا بأس. أخذت نهج دم سيفيدني.»
وقبل أن يتحركا، أخرج هان سول ورقة ومدها إليه.
— وقّع هنا.
تناول لين يان الورقة ونظر إلى ما كُتب فيها. كانت توثق أن نهج دم الحرباء ملك لعشيرة هان، وأنه تسلّمه منها، مع تعهده بإعادته إليها.
مرر عينيه على السطور، ثم قال:
— حسنًا.
أخذ القلم ووقّع اسمه في الموضع الذي أشار إليه هان سول. أعاد الورقة إليه دون تعليق، فطواها هان سول واحتفظ بها.
بعد ذلك، اتجها إلى مقر الزعيم.
كان هان يانغ ما يزال جالسًا في القاعة عندما دخلا. تقدم الاثنان نحوه، فأخرج رسالة مطوية ومدها إلى لين يان.
— أوصل هذه الرسالة إلى زعيم عشيرتك.
تسلّم لين يان الرسالة، ثم خفض رأسه باحترام.
— أعدكم أنني سأوصلها إلى زعيم عشيرة يين بأمان. هذا وعد مني أمامكم.
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة هادئة:
— أشكركم على ضيافتكم وعلى ما منحتموني إياه. سأحفظ هذه الأمانة حتى تصل إلى يده.
أومأ هان يانغ إليه، بينما وقف هان سول بجانبه دون أن يقاطعه.
احتفظ لين يان بالرسالة داخل ملابسه، ثم استدار نحو باب القاعة.
وقبل أن يخرج، ناداه هان سول:
— لين يان.
توقف والتفت إليه.
قال هان سول:
— انتبه ألا يراك أحد وأنت تغادر العشيرة. اختر وقتك بعناية، وتذكر ما قاله المعلم عن استخدام التخفي.
استمع لين يان إليه، ثم أومأ بهدوء.
غادر لين يان قاعة الزعيم، ثم سار عبر الممرات المؤدية إلى خارج القرية.
ابتعدت المباني خلفه تدريجيًا. قلّت أصوات الناس، واتسعت المسافة بينه وبين بوابة هان، حتى لم يبقَ حوله سوى الطريق والجبال.
لم يخفف سرعته.
«عليّ أن أبتعد أكثر.»
زاد حذره كلما تقدم. التفت إلى الخلف بين حين وآخر، وتوقف في مواضع تسمح له بمراقبة الطريق الذي قطعه. كان يريد التأكد من أن أحدًا من عشيرة هان لم يخرج وراءه، وأن خطواته لا تُتبع من بعيد.
انتظر قليلًا وهو يراقب الطريق الخالي، ثم واصل السير.
وحين اطمأن إلى ابتعاده، أخرج الرسالة التي سلّمه إياها هان يانغ.
فتحها وبدأ يقرأ.
تحركت عيناه فوق السطور، ثم توقفتا فجأة. اتسعتا بصدمة واضحة، وأعاد نظره إلى ما قرأه.
ظل ساكنًا للحظات، قبل أن تخرج منه ضحكة خفيفة.
— إذن هذا ما يريدون الوصول إليه.
طوى الرسالة، وأعادها إلى داخل ملابسه.
استأنف السير، وهو يقول في نفسه:
«زعيم عشيرة هان ذكي جدًا… لكنه يفتقر إلى الثقة.»
بعد مسافة، ظهرت أمامه قافلة ضخمة.
امتدت عرباتها على الطريق، وبينها رجال وحراس يحملون شعار المملكة. وفي مقدمتها سار فيل هائل، يمتطيه رجل في نحو الخمسين من عمره، يقود القافلة من مكانه المرتفع.
اقترب لين يان أكثر، فتبيّن شخصًا بين أفرادها لم يتوقع رؤيته هناك.
شيونغ لي شين.
ابن الملك الأكبر.
كان وجهه رجوليًا، بفك واضح وعينين واسعتين قليلًا تحت حاجبين كثيفين. انتشر شعر قصير حول ذقنه وفكه، وجُمع شعر رأسه الأسود إلى الأعلى. حمل رمحًا طويلًا، وكانت وقفته ثابتة وهو يراقب الطريق.
رافقته زوجته ضمن القافلة، إلى جانب عدد من الحراس والرجال.
ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه لين يان. أسرع قليلًا، لكن بعد خطوات، وقع نظر شيونغ لي شين عليه.
عرفه الأمير.
تابعه بعينيه، دون أن يناديه أو يأمر الحراس بإيقافه. أما بقية أفراد القافلة، فواصلوا ما كانوا يفعلونه دون اهتمام بالعابر الذي مر بالقرب منهم.
قال شيونغ لي شين في نفسه:
«إذن عاد من أراضي هان بهذه السرعة.»
استمر نظره في متابعة لين يان.
«يبدو أن تحالفًا سيحدث بينهما… لكن هذا التحالف لن يفيدهما.»
قبض على رمحه، ثم أعاد نظره إلى الطريق.
«قريبًا سنُري العشائر ما تستطيع العائلة الملكية فعله.»
واصل لين يان سيره، وأخذ يبتعد عن القافلة. صغرت العربات خلفه، ثم حجبتها تعرجات الطريق، حتى غاب عن أنظار رجالها.
مر الوقت، وحل الليل.
كانت القافلة لا تزال تتقدم عندما التفت شيونغ لي شين إلى أحد حراس المملكة.
— اذهب وأخبر الملك بما رأيناه هنا.
اقترب الحارس ليستمع.
أضاف الأمير:
— أخبره فقط أن يين لين يان عاد من أراضي هان.
— حاضر.
أدار الجندي الفرس الذي كان يمتطيه، وعاد أدراجه، مبتعدًا عن القافلة. تردد وقع الحوافر في الطريق، ثم خفت تدريجيًا.
وفي مكان آخر، كان لين يان قد ابتعد مسافة أكبر.
توقف بعيدًا عن الطريق، وأخرج رسالة هان يانغ مجددًا.
أمسك طرفيها وبدأ يمزقها.
قسّمها إلى أجزاء، ثم مزق كل جزء إلى قطع أصغر، حتى لم يبقَ منها سوى قصاصات دقيقة بين يديه.
انحنى نحو الأرض، وحفر بأصابعه حفرة صغيرة. وضع فيها بعض القصاصات، ثم ردّ التراب فوقها.
لكنه لم يدفن بقية الورق في الموضع نفسه.
انتقل إلى مكان آخر، وحفر حفرة ثانية، ثم أخرى، موزعًا القطع بينها. وبعد أن انتهى، سوّى التراب فوق كل موضع، فلم يبقَ شيء من الرسالة في يده.
نظر إلى الأرض لحظة، ثم ابتسم.
نهض واستأنف سيره نحو عشيرة يين.
وبعد فترة، بدأت أضواء القرية تظهر من بعيد. تبيّنت أسطح مبانيها بين الجبال، والفوانيس المعلقة في طرقاتها تشق عتمة الليل.