تاج المصيرين الفصل 5 — تاج المصيرين 5

اقرأ تاج المصيرين الفصل 5 — تاج المصيرين 5 باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل الخامس ما يخفيه الدم

بقيت الأوراق التي تركها رجال المملكة على الطاولة أمام هان يانغ. لم يمد يده إليها، بل رفع نظره إلى يين لين يان، الذي كان واقفًا على مسافة قصيرة إلى جانب مقعده.

قال الزعيم بهدوء:

— عليك أن تعود إلى عشيرة يين دون أن يلاحظك أحد.

نظر إليه لين يان بملامحه الخالية من التعبير.

— وكيف أعود دون أن يلاحظني أحد؟ لقد أتيت إلى هنا بالفعل. كثير من المزارعين، وبعض رجال المملكة، رأوني في الطريق.

لم يبدُ هان يانغ متفاجئًا بكلامه.

— سنعطيك نهج دم حرباء التخفي. يمكنك أن تتخفى به، فلا يستطيع أحد رؤيتك.

توقف قليلًا، ثم أضاف:

— لكن عليك أن تعرف متى تتخفى، ومتى لا تفعل.

استمع لين يان دون أن تتغير ملامحه. أما هان سول، فانتقل نظره من معلمه إلى ضيفهما، ثم اتجه نحو باب القاعة.

نادى الحراس:

— اصطحبوا يين لين يان إلى غرف الضيوف الرسمية.

دخل اثنان من حراس هان، ووقفا قرب المدخل. تحرك لين يان نحوهما بهدوء، وأطراف ملابسه الداكنة تنساب خلفه. لم يسأل عن النهج، ولم يحاول إطالة الحديث.

انتظر هان سول حتى خرجوا وأُغلق الباب، ثم التفت إلى معلمه.

— أيها المعلم، هل ستعطيه نهج دم نادرًا كهذا؟

رفع هان يانغ عينيه إليه.

تابع هان سول:

— قد لا يعيده إلينا. لا أظن أننا نستطيع الوثوق به إلى هذا الحد.

كان قد اقتنع بصحة ما أخبره به لين يان عن رجال المملكة، لكن ذلك لم يكن كافيًا ليطمئن إلى وضع شيء نادر في يده. صدق الخبر الذي حمله شيء، والثقة به فيما سيحمله معه شيء آخر.

قال هان يانغ:

— المملكة تعلم أن يين لين يان هنا. ما لا أريده هو أن تعلم متى سيغادر عشيرة هان.

أشار إلى الأوراق الموضوعة أمامه.

— أريد منه أن يوصل رسالة إلى زعيم عشيرة يين. رسالة مهمة.

نظر هان سول إلى الأوراق، ثم عاد إلى وجه معلمه.

أكمل الزعيم:

— أما نهج الدم، فلا تقلق بشأنه. سأوثق ملكيته لعشيرتنا، وأجعله يوقّع عهدًا يلزمه بإعادته إلينا.

ثم قال بالنبرة الهادئة نفسها:

— لا تقلق يا هان سول.

لم يعترض هان سول مجددًا. بقي واقفًا لثوانٍ، ثم خفض رأسه قليلًا.

خارج القاعة، كانت خطوات الحراس تبتعد في الممر الخشبي، ولين يان يسير بينهما دون حديث.

وصلوا إلى جناح الضيوف، حيث أُعدت له غرفة واسعة من الخشب والخيزران. كانت جدرانها محكمة الصنع، تتخللها ألواح خيزران مصقولة، وفي أحد جوانبها نافذة تطل على حديقة غطاها الثلج. امتد ضوء الصباح البارد فوق الأرضية الخشبية، وأظهر طاولة منخفضة وفراشًا مرتبًا في الجهة المقابلة.

كانت الغرفة راقية، لكنها احتفظت ببساطة المكان وهدوئه.

جلس لين يان بالقرب من النافذة. استقر شعره الأسود الطويل فوق كتفيه وظهره، وبقيت عيناه هادئتين وهو ينظر إلى الخارج. لم يظهر عليه ضيق الانتظار، ولا رغبة في تفحص ما أُعد له.

بعد بعض الوقت، سُمع طرق خفيف على الباب.

رفع نظره.

دخل هان سول، بشعره الأبيض الطويل المنفرد فوق ملابس عشيرة هان البيضاء، وقال:

— لين يان، تفضل معي، لو سمحت.

نهض لين يان دون أن يسأل، وتبعه إلى الخارج.

كان الصباح قد أعاد الحركة إلى طرق العشيرة. تراكم الثلج فوق الأسطح المنحنية، وعلى أطراف الجسور الخشبية وحواف الممرات. تحرك الناس بين المباني، بعضهم يحمل مؤنًا، وبعضهم يتجه إلى ساحات العمل والتدريب.

سار الاثنان بين البيوت والمباني الكبيرة. ومع كل طريق يعبرانه، ظهرت أمامهما أجزاء أخرى من القرية؛ صفوف من المساكن، ومخازن واسعة، وساحات تفصل بينها ممرات ممتدة نحو سفوح الجبال.

لم تكن عشيرة هان مجرد مقر تحيط به بيوت قليلة. كانت قرية كبيرة، تتصل أحياؤها ببعضها، وتستمر مبانيها بعيدًا خلف ما يراه القادم من البوابة.

قاد هان سول ضيفه عبر ممر جانبي، حتى بدأت أصوات التدريب تصل إليهما.

كانت الضربات تتكرر بإيقاع منتظم، تتخللها تعليمات المعلمين وتصحيحاتهم. وعندما اقتربا، انكشفت أمامهما ساحة المعسكر.

توزع المتدربون في مجموعات، يشرف عليها معلمون ومعلمات. كان معظم الشبان والفتيات في نحو التاسعة عشرة، قريبين من العمر الذي تُقام فيه مراسم نهج الدم. تدرب بعضهم على تثبيت الأقدام، وآخرون على صد الضربات والرد عليها، بينما وقف أحد المعلمين يصحح وضعية ذراع لأحد تلاميذه.

ألقى لين يان نظرة على الساحة، ثم تابع السير إلى جانب هان سول.

لكن خطوات هان سول تباطأت.

في الجهة الأخرى، بين المتدربين، كانت هان شيويه.

تميز رداؤها الأبيض بجودة قماشه ودقة صنعه، بما يدل على مكانتها داخل العشيرة. انسدل شعرها الأبيض حول وجه ناعم وبشرة صافية، وكانت عيناها البنيتان تتجهان نحوه.

ابنة هان يانغ.

توقف نظر هان سول عليها، وهدأت ملامحه أكثر. لم يحتج إلى الاقتراب حتى يعرف أنها رأته؛ كانت تنظر إليه مباشرة، تاركة ما حولها للحظة.

امتدت بينهما الساحة، وعبرها متدربون ومعلمون، لكن نظرتيهما بقيتا متصلتين. لم يبتسم أحدهما ابتسامة واضحة، ولم تُرفع يد للتحية. ومع ذلك، كان في تلك النظرات من الألفة والشوق ما لا يحتاج إلى كلام.

ظل هان سول يحدق بها لثوانٍ، وكأن المسافة الطويلة بينهما قد قصرت.

— هان سول!

لم ينتبه إلى النداء الأول.

— هان سول!

التفت هذه المرة، فرأى هان تشي يقترب منه.

كان شابًا بوجه عادي، لا يُوصف بالجمال ولا بالقبح، وشعر أسود طويل. ارتدى ملابس رمادية بسيطة، خالية من الزخارف اللافتة التي تميز أصحاب المكانة داخل العشيرة.

وقف أمام هان سول، وعلى وجهه فرح لم يحاول إخفاءه.

— بعد أسبوعين ستُقام مراسم نهج الدم!

خرجت الكلمات منه بحماس، كأنه كان ينتظر أن يجد هان سول ليخبره بها.

وكان لذلك الموعد معنى كبير لمن اقتربوا من العشرين.

ففي ذلك العمر تُقام المراسم التي تكشف لون نهج الدم الخاص بكل إنسان، ونسبته الأولية. قبلها، لا يستطيع المرء معرفة لون نهجه على وجه اليقين، ولا مقدار ما وُلد به.

كان اللون يحدد الخصائص التي يمكنه الاستفادة منها عند استخدام نهوج دم أخرى. فليست كل خاصية متاحة لكل إنسان؛ ما يستطيع أحدهم استخدامه قد لا يتوافق مع نهج غيره.

أما النسبة، فكانت تحتاج إلى فهم أدق.

قد يولد الإنسان بنسبة عشرة بالمئة، أو عشرين، أو ثلاثين، وقد تكون أربعين أو خمسين أو ستين. وفي حالات أشد ندرة، يولد بسبعين أو ثمانين أو تسعين، بل بمئة بالمئة.

لكن تلك الأرقام لا تعني أن أصحابها يبدأون حياتهم قادرين على استخدام هذه القوة.

كان الجميع يبدأون من الصفر في الاستخدام والتحكم.

النسبة التي يولد بها الإنسان تشبه طريقًا فُتح أمامه مسبقًا، دون عوائق تمنعه من التقدم فيه. لكنه يظل واقفًا عند بدايته، وعليه أن يقطع المسافة بنفسه.

فمن يولد بنسبة عشرين بالمئة، يكون الطريق إلى ذلك المستوى مفتوحًا له. غير أنه لا يستطيع استخدام العشرين كاملة بمجرد معرفته أنه يملكها. يحتاج إلى تدريب جسده، وتعلم التحكم بنهجه، واكتساب الخبرة اللازمة لاستخدامه.

وينطبق الأمر نفسه على صاحب الخمسين أو الستين. الطريق المفتوح أمامه أطول، لكن موهبته لا تمنحه المهارة جاهزة، ولا تعفيه من الجهد الذي يحتاج إليه لقطعه.

وكان من الممكن تشبيه ذلك بالسباحة.

صاحب العشرة أو العشرين يقف أمام بركة صغيرة. يبدأ تعلم السباحة، ويتقدم فيها حتى يبلغ حافتها. المسافة أقصر، ولذلك يستطيع إنهاء عبورها في وقت أقل بعد أن يتقن السباحة، ثم يعود ويكررها، ويواصل تحسين ما تعلمه.

الوصول إلى الحافة لا يعني أنه فقد القدرة على السباحة. إنه يعني أنه بلغ حدود المساحة المتاحة له في ذلك الوقت.

أما صاحب النسبة العالية، فأمامه مساحة أوسع بكثير. قد يسبح طويلًا، ويبذل جهدًا مضاعفًا، ثم يجد أن الحافة لا تزال بعيدة. يحتاج إلى المثابرة والإرادة والقوة والخبرة حتى يقطع ما فُتح أمامه.

ومهما كانت البركة صغيرة، فلا بد من تعلم السباحة أولًا.

لهذا، قد يحتاج شخص وُلد بنسبة عشرة بالمئة إلى سنتين من التدريب حتى يتمكن من استخدامها كاملة. قِصر الطريق لا يعني أنه يستطيع عبوره دون أن يتعلم كيف يتحرك فيه.

ولم تكن النسبة الداخلية ثابتة طوال العمر.

مع مرور السنوات والتدريب والخبرة، يمكن أن ترتفع نسبة نهج الدم داخل الإنسان، فيمتد الطريق المفتوح أمامه. وفي الوقت نفسه، يزداد مقدار تحكمه وقدرته على الاستخدام.

كان هناك فرق دائم بين النسبة الموجودة داخله، والنسبة التي يستطيع استخدامها فعلًا. قد يمتلك مقدارًا كبيرًا من نهج الدم، لكنه لا يزال عاجزًا عن التحكم إلا بجزء منه.

وكلما تقدم، صار عليه أن يوسع المسافة التي يستطيع قطعها، لا أن يكتفي بمعرفة طول الطريق.

أما النسب المنخفضة، كالعشرة والعشرين والثلاثين، فكانت مناسبة لحياة كثير من الناس. يعيش بعض أصحابها حياة بسيطة بعيدة عن القتال، ويصبح آخرون مقاتلين عاديين داخل عشائرهم.

ومع ذلك، لم تكن تلك النسب حكمًا نهائيًا على مستقبل الإنسان. فقد يصبح المجتهد منهم جنرالًا أو شيخًا في عشيرته، إذا واصل التدريب واكتسب ما يكفي من الخبرة. النسبة التي بدأ بها لا تختصر كل ما يمكنه بلوغه عبر السنين.

وكانت الأربعون والخمسون والستون من النسب التي تدل على موهبة عالية. تمنح أصحابها مجالًا واسعًا للنمو، وتجعل مستقبلهم في القتال أكثر وعدًا، إذا أحسنوا استغلال ما وُلدوا به.

أما من يولد بسبعين بالمئة أو أكثر، فحالته مختلفة.

تلك نسب نادرة جدًا، تحمل خطرًا قاتلًا منذ الأصل. مقدار نهج الدم الكبير داخل صاحبه لا ينتظر حتى يصبح قادرًا على التحكم به، ومع زيادته بمرور الوقت، قد يتحول إلى تهديد لحياته.

ولهذا لم تكن المئة بالمئة أمنية آمنة. قد يولد صاحبها بمقدار هائل من نهج الدم، ثم لا يعيش طويلًا بسبب استمرار ازدياده.

لم يكن الرقم الأعلى وحده كافيًا للحكم على حظ صاحبه. ما يفتحه له من طريق، وما يستطيع التحكم به، وما يفرضه عليه من خطر، كلها أمور سترافقه بعد المراسم.

لكن هان تشي لم يكن يعرف بعد ما الذي سيكشفه دمه.

لم يعرف لونه، ولا نسبته، ولا مقدار الطريق الذي ينتظره.

كان يقف أمام هان سول بفرح واضح، يتحدث عن الموعد الذي اقترب، فيما استمرت أصوات التدريب حولهم.