تاج المصيرين الفصل 14 — تاج المصيرين 14

اقرأ تاج المصيرين الفصل 14 — تاج المصيرين 14 باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل الرابع عشر — ثمن النجاة

واصل يين لين يان سيره بمفرده حتى دخل مطعمًا عند جانب الطريق.

كان متوسط المساحة، تتوزع فيه طاولات خشبية، وتصل من خلفه أصوات الأواني ورائحة الطعام المطهو. اختار مقعدًا بعيدًا قليلًا عن المدخل، ووضع يديه على الطاولة.

اقترب منه النادل.

طلب بعض الطعام وشرابًا، ثم جلس ينتظر.

تحرك الناس حوله، وتداخلت أحاديثهم مع وقع الخطوات. لم يحاول متابعة شيء منها. بقي ينظر إلى الموضع الخالي أمامه حتى عاد النادل بالأطباق.

تصاعد البخار من الطعام، وحين انتهى الرجل من وضعه، أخرج لين يان صرة النقود ووضعها على الطاولة.

— أحضر لي طعامًا آخر، لكن ضعه في كيس. أحكم لفّه، فلا أريد أن يسبب لي متاعب حين أحمله.

— حاضر.

همّ النادل بالابتعاد، ومد لين يان يده إلى طعامه.

وقبل أن يضع أول لقمة في فمه، لمح أشخاصًا يقفون بالقرب من الطاولة.

أسرته.

رفع عينيه إليهم لحظة، ثم أعادهما إلى الطبق.

كانوا قد لحقوا به.

لم يشعر برغبة في السؤال عما يريدونه، ولا في تكرار أي كلمة مما دار عند الساحة. كفاه ما حدث في ذلك اليوم. أراد أن يأكل، ويأخذ طعامه، ثم يعود إلى غرفته.

وقف والده في الجهة المقابلة، ووضع يده على ظهر أحد المقاعد.

— هل يمكنني أن آكل معك؟

قالها ببساطة، وبنبرة أقرب إلى رجل وجد صديقه جالسًا وحده. لم يكن في صوته أمر، ولا عتاب ظاهر.

لم يجبه لين يان.

أخذ لقمته، بينما سحب أبوه المقعد وجلس. استقرت أمه وأخوه إلى جانبه، وصار الثلاثة في مواجهته.

انتظر الأب قليلًا، ثم مد يده إلى الطعام.

بدأوا يأكلون.

كانت أمه تراقب وجهه بين حين وآخر، فيما حرّك أخوه أحد الأطباق ليجعله أقرب إلى وسط الطاولة. لم يقل لين يان شيئًا، ولم يرفع نظره إليهم إلا بقدر ما تقتضيه حركة من أمامه.

قال والده بعد بضع لقمات:

— عليك أن تنتبه إلى نفسك.

تابع الأكل وهو يتحدث، كأنه يفتح حديثًا عاديًا لا يحتاج إلى استعداد.

— ما حدث اليوم يكفي. لا تجعل أيامك كلها نزالات وخلافات. لقد عرفت قوتك، وعرفها الناس، فما الذي بقي لتثبته؟

رفع لين يان كأسه وشرب.

انتظر أبوه جوابًا قصيرًا، ثم أكمل حين لم يحصل عليه:

— ابحث عن عمل ثابت. شيء تعرف ما يعود عليك منه، بدل أن تبقى متنقلًا من أمر إلى آخر. وبعدها تزوج، وأنجب، واستقر. لا يستطيع الإنسان أن يقضي عمره كله على هذه الحال.

وصلت الكلمات إلى لين يان واضحة.

كان يعرف ترتيبها قبل أن ينتهي منها.

العمل، ثم الزواج، ثم الأبناء، ثم السنوات التي ينبغي أن تمر وهو يحاول توفير ما يحتاجون إليه.

الحياة نفسها التي عاشها أبوه، مع وجه آخر يشغل مكانه.

أخذ قطعة من الطعام، ومضغها على مهل.

لم يعد مهتمًا بالشخص الذي يريدون منه أن يكونه. كان ما يشغله أبعد من البيت والعمل الذي يتحدث عنه والده: حدود المملكة، وما وراءها، وكيف يستطيع الخروج قبل أن يضيع الوقت المتبقي له.

نظر الأب إلى الأطباق، ثم إلى صرة النقود.

— وما فائدة أن تأكل طعامًا بهذا السعر؟ يمكنك أن تأكل ما يشبعك بأقل من ذلك بكثير.

مرر إبهامه على طرف الكأس، وتابع:

— النقود تنتهي أسرع مما تظن. تحصل عليها مرة، فتشعر كأنها ستبقى معك، ثم تكتشف أنك صرفتها على أشياء كان يمكنك الاستغناء عنها.

أومأت أمه قليلًا.

— أبوك يريد لك أن ترتاح.

ظل لين يان صامتًا.

لم يعد يرى فائدة في شرح ما يعنيه بالراحة، ولا في سؤالهم عما إذا كانت الحياة التي يعرضونها عليه تترك له شيئًا يختاره بنفسه.

كان قد سمع هذا الحديث طويلًا.

ولو أجاب عن جملة، لتبعها شرح أطول، ثم سؤال آخر، ثم عادوا في النهاية إلى ما بدأوا به.

قال أبوه:

— لا تظن أن القوة تكفي لكل شيء. أنت الآن في المستوى الثلاثين، لكن الإنسان يحتاج إلى عقل يدبر به حياته. لقد رأينا من الدنيا ما لم تره بعد.

اعتدل قليلًا في مقعده، وأخذ يتحدث بثقة عن الرجال، وعن القرارات التي ينبغي اتخاذها، وعن الوقت المناسب للتراجع والوقت المناسب للسكوت.

كانت نبرته تزداد يقينًا كلما مضى في الكلام، حتى بدا كأنه يشرح لابنه أمورًا خبرها بنفسه في ميادين لم يدخلها.

لم ينظر لين يان إليه ليتحقق من تعبيره.

حرّك طبقه قليلًا، وأكمل طعامه.

كان يستطيع أن يرد. حضرت في ذهنه كلمات كثيرة، بعضها قاسٍ، وبعضها يكفي لإفساد الجلسة كلها. لكنه تركها تمر.

لم يكن يريد جدالًا، ولا اعترافًا من أبيه بأنه أخطأ في معاملته. لم يعد ينتظر منه جوابًا يغير شيئًا.

انتهى من الأكل، ووضع الكأس على الطاولة.

ظل أبوه يتحدث لحظات أخرى قبل أن ينتبه إلى أنه نهض.

رفع رأسه نحوه.

أما لين يان، فقد أخرج ثمن الطعام ووضعه أمام النادل الذي اقترب منه. ثم أخذ الكيس الذي أُعد له، وتفقد رباطه، ودفع ثمن ما فيه على حدة.

قال للنادل:

— غدًا صباحًا، أحضر إفطاري إلى سكني. لا تنسَ. هل فهمت؟

— حاضر.

ذكر له موضع السكن، وانتظر حتى تأكد أن الرجل عرفه.

خلفه، قال والده:

— لماذا لا تعود لتعيش معنا؟ أليس الإيجار غاليًا؟ غرفتك في البيت موجودة، ولا داعي لكل هذه النفقات.

بقي لين يان ينظر إلى النادل.

— والغداء أيضًا. أحضره إلى الغرفة.

أومأ الرجل.

— حاضر.

أعاد لين يان الصرة إلى ثيابه، وحمل كيس الطعام.

تحرك نحو الباب دون أن يجيب عن سؤال والده، ودون أن يلتفت إلى الطاولة.

خرج إلى الطريق، فبقيت أصوات المطعم خلفه.

لم يسرع، ولم يبطئ متعمدًا. سار بالوتيرة نفسها حتى وصل إلى سكنه، ثم دخل غرفته وأغلق الباب.

وضع الكيس على الطاولة.

ساد الهدوء.

بقي واقفًا لحظة، ثم اقترب من النافذة وفتحها قليلًا.

امتدت أمامه أسطح الأبنية، وبينها طرق يتحرك فيها الناس. رأى رجلًا يحمل ما اشتراه، وآخر يتوقف للحديث مع شخص عند باب، وسمع صوتًا ينادي من مكان لم يستطع رؤيته.

كانت الحياة تمضي من حوله.

استند بيده إلى حافة النافذة.

يعرف أنه يريد المغادرة، ويعرف بعض ما يحتاج إليه: موارد تكفيه، ونهوج تعينه على الطريق، ووسيلة يستطيع بها مواجهة البحر.

لكن حين حاول جمع ذلك في خطة واضحة، بقيت بين أجزائها مسافات لا يعرف كيف يقطعها.

رأى البحر ووقف عند شاطئه مع الصيادين. أما عبوره، فكان أمرًا آخر، أبعد كثيرًا من مراقبة القوارب وهي تعود محملة بالسمك.

لم يملك خبرة رجل قضى عمره في السفر، ولم يكن شديد الذكاء بحيث يجد لكل عقبة حلًا بمجرد التفكير فيها.

حتى البطولة، دخلها وهو يريد النهج، ثم عاد منها بهذه النقود.

ألقى نظرة على الصرة، قبل أن يعيد عينيه إلى الخارج.

كان يستطيع أن يبقى ساكن الوجه، قليل الكلام، حتى يظن من يراه أن كل شيء محسوب في ذهنه. لكن خلف ذلك السكون كانت توجد أمور لا يعرفها، واحتمالات لا يستطيع ترجيحها.

كان قادرًا على ألّا يندفع وراء كل ما يشعر به.

لم تكن ردوده تخرج منه بسهولة. يستطيع أن يسمع ما يزعجه، ثم يترك الكلمات بلا جواب. وإذا تصاعد في داخله غضب لا يريده، عرف كيف يهدئه قبل أن يدفعه إلى فعل يضر بمصلحته.

كانت هذه الخصلة أوضح ما يملكه.

يستطيع أن يتحكم بمشاعره حين يريد، وأن يستحضر منها ما يحتاج إليه. حتى الدموع؛ إذا احتاج إلى البكاء استطاع أن يبكي، ولو لم تكن له رغبة فيه، وإذا أراد أن يكفّ عنه أمكنه ذلك.

لكن هدوءه لم يمنحه خبرة لم يكتسبها، ولم يضع أمامه طريقًا لم يعرفه بعد.

بقي يحدق من النافذة، فيما استقر كيس الطعام على الطاولة خلفه.

في الصباح التالي، أضاءت الشمس أسطح القرية، وامتدت خيوطها عبر نافذة غرفة لين يان.

كان بعض الرجال قد خرجوا من مقر الزعيم، وتفرقوا بين بيوت الفصائل. توقفوا عند الأبواب، وطلبوا حضور الشيوخ ورؤساء العائلات إلى اجتماع عاجل.

من نافذته، رأى لين يان أحدهم يعبر الطريق مسرعًا، ثم يختفي عند منعطف بين الأبنية. بقي يتابعه بعينيه لحظة، قبل أن يبتعد عن النافذة.

وفي قاعة الاجتماع، بدأت المقاعد تمتلئ.

دخل الشيوخ تباعًا، وتبادلوا التحيات القصيرة، ثم جلس كل منهم في موضعه. وُضعت أمامهم سجلات وأوراق تحمل حسابات المخازن، وما يدخل إلى العشيرة من موارد وما يخرج منها.

بقي مقعد يين مو تشي خاليًا.

نظر أحد الحاضرين إلى الباب، وسأل:

— ألم يصل أحد من فصيل مو؟

أجاب الرجل الواقف قرب المدخل:

— رئيس الفصيل لم يحضر. ما يزال منشغلًا بابنه.

مرّ صمت قصير بين الجالسين.

كانت إصابة مو ليان على يد لين يان ما تزال حديثًا قريبًا، ولم يحتج أحد إلى السؤال عن المقصود.

قال يين لينغ:

— سنبدأ.

أشار إلى الأوراق الموضوعة أمام مستشاره.

— ما لدينا الآن، وما سنحتاج إليه إذا وصل المد. نريد أن نعرف مقدار الفرق بينهما، وكيف سنوفره.

فتح المستشار السجل الأول، وبدأ يعرض الحسابات.

كان نظام العشيرة يعتمد على موارد تتوزع بين الفصائل، وأعمال يؤديها المقاتلون، وأجور تُدفع للعمال والخدم، ومؤن تُشترى وتُخزن. وفي الأيام المعتادة، أمكن تدبير ذلك بتأخير بعض النفقات أو تقديم غيرها.

أما الاستعداد لمد الوحوش، فقد أضاف حاجة أكبر من قدرة المخزون الحالي.

لم تكن المشكلة في الطعام وحده.

احتاج المقاتلون إلى نهج ينبوع الحياة؛ ذلك النهج الأبيض الكروي الذي يستعيدون به ما ينفقونه من طاقتهم. كل استعمال للخصائص يأخذ مما يستطيع المقاتل استخدامه، ومع تكرار التدريب والحراسة والقتال، تزداد الحاجة إلى تعويض ما استُهلك.

وقد يملك الرجل نهوجًا قوية، ثم يعجز عن مواصلة استخدامها حين تنفد طاقته.

وكانت إلى جانب ذلك حاجة أخرى لا تقل إلحاحًا: النقود.

القطع الفضية التي تُدفع بها الأجور، وتُشترى بها الحبوب واللوازم، وتُسد بها حاجات البيوت.

لم تكن كلها متساوية القيمة. عُرفت منها عشرة أنواع، تتدرج من الأقل إلى الأعلى، ولذلك كان حساب ما في الخزائن يحتاج إلى معرفة قيمة القطع، لا عددها وحده. وتُداول الذهب والكريستال كذلك، لكن الفضة بقيت العملة الأكثر استعمالًا بين الناس.

المقاتلون يحتاجون إلى ما يعيد طاقتهم، والناس يحتاجون إلى ما يشترون به طعامهم ويواصلون به أعمالهم.

وكلتا الحاجتين تقعان على العشيرة في الوقت نفسه.

انتهى المستشار من عرض الحساب الأول، ثم وضع ورقة أخرى إلى جانبه.

قال أحد الشيوخ:

— وإذا أضفنا احتياج الحراسة والتدريب إلى ما سنحمله للمواجهة؟

أدار المستشار الورقة نحوه.

نظر الشيخ إلى الأعداد، ولم يعلق مباشرة.

مد رجل آخر يده إلى السجل، وتفحص ما كُتب فيه، ثم أعاده ببطء.

كان العجز واضحًا.

قال يين لينغ:

— نحتاج إلى اقتراحات.

اعتدل أحد الشيوخ في جلسته.

— نخفف التدريب الذي يستهلك نهج ينبوع الحياة، ونحتفظ بالمخزون للقتال. لا يصح أن ننفق الآن ما قد نحتاج إليه عند وصول الوحوش.

أجابه شيخ من الجهة الأخرى:

— سيوفر ذلك بعض المخزون. لكننا سنواجه المد بالرجال أنفسهم. إذا أوقفنا استعدادهم، فسنحفظ الطاقة ونخسر شيئًا من قدرتهم على استخدامها.

— لا أقول أن نوقف كل شيء.

— وحتى لو خفضنا الاستهلاك، فلن يتغير مقدار ما نحتاج إليه وقت المواجهة. سنؤخر العجز، ولن نزيله.

نظروا إلى المستشار، فعاد إلى حساباته.

بقي الفرق كبيرًا.

قال آخر:

— تجمع الفصائل ما تستطيع تقديمه من نقود. نبدأ بكبار العائلات، ثم نفرض مساهمة مؤقتة حتى تمر هذه المحنة.

تحركت بعض الرؤوس بالموافقة، لكن أحد الشيوخ سأل:

— وكم سيبقى لدى الأسر بعد ذلك؟

— أقل مما لديها الآن، لكننا لا نتحدث عن أمر عادي.

— وأنا لا أتحدث عن رفاهيتهم. العامل يحتاج إلى أجره ليشتري الطعام، وصاحب الحرفة يحتاج إلى ما يواصل به عمله. ما سنأخذه منهم اليوم، سنحتاج إلى إعادته إليهم في صورة مؤن أو أجور.

تدخل المستشار:

— يمكن جمع مبلغ، لكنه لن يغطي الحاجتين معًا.

عاد إلى السجل، وأشار إلى موضعين مختلفين.

— إن خصصناه لشراء نهج ينبوع الحياة، بقي نقص المؤن والنفقات. وإن غطينا به حاجات القرية، فلن يكفي ما يبقى لإمداد المقاتلين.

تحدث رجل كان صامتًا منذ بداية الاجتماع:

— نبيع بعض ما نستطيع الاستغناء عنه في القبو والمخازن.

أجابه أحد الحاضرين:

— ما نستغني عنه يمكن بيعه، لكن ثمنه لن يسد هذا الفرق كله. والأشياء الأعلى قيمة، أكثرها مما سنحتاج إليه إذا وصل المد.

قال الأول:

— قد يكون البيع أفضل من الاحتفاظ بها ثم العجز عن استخدامها.

— لهذا يجب أن نحسب ما سنخسره معها. كل نهج نخرجه الآن، سنبحث عما يعوضه حين تبدأ المواجهة.

تنقلت الأوراق بين الأيدي.

اقتُرحت مشتريات أقل، وتوزيعات أضيق، وتأجيل لبعض الأجور. وكلما بدا أن بندًا انخفض، ظهر أثره في بند آخر.

يمكنهم تخفيف النفقة، لكن العامل الذي لا يحصل على أجره سيظل بحاجة إلى الطعام. ويمكنهم توفير الطاقة، لكن المقاتل الذي يقف طويلًا أمام الوحوش سيحتاج إلى استعادتها. ويمكنهم بيع بعض الموجودات، لكن ما يبقى للمواجهة سيقل معها.

لم يكن أحد الحلول يوفر ما يكفي وحده.

قال شيخ أخيرًا:

— وماذا عن العشائر الأخرى؟ هل نطلب منها المساعدة؟

رفع رجل مقابل له عينيه.

— مِن مَن؟

— هان، مثلًا. ما زال بيننا تبادل للموارد.

أجاب الآخر:

— وبعد ما وصل إلينا عن الطريق، وقربهم الجديد من المملكة، هل سنبني استعدادنا على أمل أن يتحملوا حاجتنا أيضًا؟

كان يتحدث بمرارة، مستندًا إلى الأخبار التي صدقها عن بيع حصة هان.

تابع:

— وزوي ومينغ منشغلتان بمصالحهما. قد نجد من يبيعنا، لكننا سنعود إلى السؤال نفسه: بماذا سندفع؟

سكت صاحب الاقتراح.

لم يكن لديهم تعهد من عشيرة أخرى، ولا مورد ينتظرون وصوله ويكفي لحل المشكلة. وكل حساب يفتحونه يعود بهم إلى ما في أيديهم.

وخارج القاعة، كان الناس يواصلون أعمالهم.

العمال والخدم وأصحاب البيوت يثقون بأن الشيوخ والزعيم يعرفون ما ينبغي فعله. يهيئون ما يُطلب منهم، وينتظرون صدور التعليمات، مطمئنين إلى أن كبار العشيرة لن يتركوهم دون ما يحتاجون إليه.

نظر يين لينغ إلى السجلات مرة أخرى، ثم قال:

— سأرسل رسالة إلى الملك.

رفعت الوجوه نحوه.

أكمل بهدوء:

— نطلب فيها إمدادنا ببعض الموارد، من نهج ينبوع الحياة والمؤن والمال.

اعترض أحد الشيوخ فورًا:

— لا، أيها الزعيم.

تبعه آخر:

— هذا ما لا ينبغي فعله الآن.

قال يين لينغ:

— لماذا؟

— لأن الرسالة ستخبره بكل ما نحاول ألا يصل إليه. سيعرف أن مخزوننا لا يكفي، وأننا لا نستطيع توفير ما نحتاج إليه وحدنا.

مال شيخ آخر إلى الأمام.

— وإذا أعطانا، فلن تنتهي المسألة عند العطاء. سنصبح محتاجين إلى رضاه كلما نقص شيء. ما يرسله اليوم قد يكون ما يشدنا به إليه غدًا.

قال رجل من الطرف الآخر:

— سنضع أنفسنا بين يديه. بعد ما جرى في أمر الطريق، سنذهب إليه نحن ونطلب مساعدته.

تتابعت الاعتراضات.

بعضهم رأى في الطلب اعترافًا بالخضوع، وبعضهم خشي شروطًا تُفرض بعد وصول الموارد، حين يصير رفضها أصعب. وآخرون لم يثقوا بأن المملكة ستمنحهم ما يكفي دون أن تأخذ في المقابل ما يتجاوز قيمته.

استمع يين لينغ حتى هدأت الأصوات قليلًا.

ثم سأل:

— وما الحل الذي سيطعم الناس ويمد المقاتلين قبل وصول الوحوش؟

لم يجبه أحد مباشرة.

أعاد السؤال، دون أن يرفع صوته:

— الموارد التي حسبناها لن تكفي. ما الذي نضيفه إليها؟

نظر أحد الشيوخ إلى الأوراق أمامه، ثم قال:

— نحتاج إلى وقت لنجد طريقة أخرى.

— وسنواصل البحث. لكن الطلب نفسه يحتاج إلى وقت حتى يصل، والجواب يحتاج إلى وقت ليعود.

ضغط الرجل شفتيه، وسكت.

قال يين لينغ:

— أخشى ما تخشونه. لكن ترك العجز كما هو لن يحفظ لنا قدرتنا على الاختيار. إذا انتظرنا حتى تنفد الموارد، فسنطلب ما نرفض طلبه الآن ونحن في حال أسوأ.

أشار إلى السجل.

— نكتب حاجتنا بوضوح، ثم ننظر في جوابه وما يطلبه مقابلها. لن أعد أحدًا بشيء قبل أن نعرفه.

لم تختفِ علامات الاعتراض عن وجوههم.

كانوا يدركون أن إرسال الرسالة وحده سيكشف للمملكة موضع ضعفهم. ومع ذلك، بقيت الحسابات مفتوحة على الطاولة، ولم يجد أحد ما يغير نهايتها.

التفت يين لينغ إلى مستشاره.

— أعدّ قائمة بما نحتاج إليه. سنرسلها مع الرسالة.

انحنى المستشار قليلًا، ثم سحب ورقة خالية.

نظر الشيوخ إلى القلم وهو يلامسها.

بقيت الحسابات مفتوحة على الطاولة. ولم يكن في إرسال الرسالة ما يضمن أن تصل الموارد، أو أن تستطيع العشيرة قبول الثمن.

أما مد الوحوش، فكان يقترب.