الفصل الثالث عشر — حياةٌ لم يخترها
الفصل الثالث عشر
بقيت الأنظار معلّقة بيين لينغ.
كان مو ليان يقف خارج الدائرة، يسند ذراعه المصابة بيده السليمة، بينما يتولى أحد رجال العشيرة تثبيتها. لم تهدأ الهمسات حول الساحة؛ تكرر بينها اسم لين يان، ثم المستوى الذي اعترف به، ثم عاد الكلام إلى الذراع المكسورة.
رفع الزعيم يده، فانخفضت الأصوات القريبة من مقاعد الشيوخ، وتبعها الباقون.
نظر إلى لين يان.
— المشاركة مخصصة لأصحاب المستويين العشرين والخامسة والعشرين. لماذا شاركت وأنت تعلم أن مستواك أعلى من ذلك؟
وقف لين يان في موضعه، ثم ضم يديه أمامه وانحنى قليلًا.
— رغبت في المشاركة بدافع المنافسة، أيها الزعيم.
لم تظهر على وجه يين لينغ علامة تدل على اقتناعه أو رفضه.
تابع لين يان:
— أما ما حدث بيني وبين مو ليان، فلم يكن متعمدًا. وأنا مستعد لإكمال المباريات باسمه، وإذا فزت فسأسلّمه الجائزة.
تحركت نظرات الشيوخ نحوه.
كان يين مو تشي ما يزال واقفًا عند حافة الدائرة. ألقى نظرة على ذراع مو ليان، ثم أعاد عينيه إلى لين يان.
أما لين يان، فانتظر جواب الزعيم بهدوء.
تذكر بوضوح كيف أمسك المعصم، وكيف اختار موضع الضربة، وكيف أبقى الذراع ثابتة حتى حطمت ضربته دفاع الشرنقة وكسرت عظم الساعد. لكنه لم يكن ينوي منح المجلس اعترافًا آخر إلى جانب اعترافه بمستواه.
وكان عرضه إكمال المباريات باسم خصمه يترك له سبيلًا إلى الجائزة.
نهج دم القمر المضيع ما يزال في العشيرة، ولم يُسلّم إلى أحد بعد.
رفع رأسه قليلًا، وأضاف:
— لقد كُسرت ذراعه، وانكشف مستواي. إذا أخرجتموني الآن وعددتموه فائزًا، فسيكون عليه العودة إلى المنافسة، وهو لا يستطيع القتال بهذه الحال. فما الحل الذي ترونه، أيها الزعيم؟
ترك السؤال أمامهم، وانتظر.
كان يحاول توجيه الحديث إلى النتيجة التي يريدها. فبدل أن يبقى الكلام محصورًا في مخالفته شرط المشاركة، صار عليهم النظر إلى مو ليان، وإلى موضعه في البطولة، وإلى الجائزة التي تنتظر الفائز.
ومع ذلك، كانت الأنظار حوله قد تغيرت بالفعل.
بعض من استقبلوا دخوله بالهمس كانوا يتأملون يديه الآن، وآخرون ينظرون إليه ثم إلى الشيوخ، كأنهم يقارنون للمرة الأولى بين رجلين كانا، في أذهانهم، بعيدين عن بعضهما.
المستوى الثلاثون.
قوة تضاهي قوة شيخ من شيوخ العشيرة.
كان واحدًا منهم، يسير في الطرق نفسها ويعبر البوابة نفسها، ومع ذلك اعتادوا رؤيته من خلال ما يقال عنه. أما ما أظهره داخل الدائرة، فلن يستطيعوا محوه من ذاكرتهم بالسهولة ذاتها.
أراد أن يكسر تلك الصورة.
وقد فعل.
بقي النهج.
قال يين لينغ أخيرًا:
— لا بأس.
اشتد انتباه لين يان.
اعتدل الزعيم في جلسته، ثم رفع صوته حتى يسمعه الواقفون حول الساحة.
— يُمنح يين لين يان جائزة مالية، وتنتهي مشاركته في البطولة.
توقفت عينا لين يان على وجهه.
أكمل يين لينغ:
— ويُمنح يين مو ليان نهج دم القمر المضيع، ويخرج من المنافسة كذلك.
ارتفعت همسات جديدة، لكن الزعيم تابع قبل أن تتداخل الأصوات.
— أما المتنافسون الباقون، فسيستكملون نزالاتهم. وستختار العشيرة نهج دم آخر ليكون جائزة للفائز بينهم.
ساد صمت قصير.
نظر مو ليان نحو مقاعد الشيوخ، وكأن الألم أفسح في وجهه موضعًا للدهشة. مال يين مو تشي نحوه، ثم عاد بنظره إلى الزعيم.
كان القرار قد أخرج المصاب من بقية النزالات ومنحه النهج، وأبقى للمتنافسين الآخرين جائزة يتقاتلون من أجلها. أما لين يان، فقد نال المال وانتهى كل ما يستطيع فعله داخل الدائرة.
ظل ساكنًا.
كان عرضه قد أبقاه، في تصوره، قريبًا من النهج. ثم جاء جواب الزعيم وأبعده عنه بكلمات قليلة.
قال لنفسه:
«المال؟»
ضاقت عيناه لحظة، ثم عادت ملامحه إلى هدوئها.
لم يكن يجهل نفع المال. يحتاج إليه في الطعام والسفر وشراء ما يستطيع الوصول إليه من موارد. لكنه أراد قدرة يحملها معه؛ شيئًا يبقى نافعًا حين يبتعد عن الأسواق، وحين لا يجد من يشتري منه ما يحتاج إليه.
كلما كثرت النقود في يد صاحبها، بقي السؤال نفسه: إلى أي شيء يستطيع تحويلها؟
لم يكن نهج القمر المضيع معروضًا للبيع أمامه.
اقترب المسؤول من الساحة، يحمل صرة نقود. توقف أمام لين يان، ومدها إليه.
نظر لين يان إلى الصرة، ثم أخذها.
لامست أصابعه عقدتها، وشعر بثقلها يستقر في يده. لم يفتحها ليعد ما فيها، ولم يسأل عن مقدار الجائزة.
ضم يديه وانحنى نحو الزعيم.
— شكرًا، أيها الزعيم.
لم يضف شيئًا.
خرج من الدائرة، وترك خلفه الوجوه التي ما تزال تتبعه. تنحى بعض الواقفين ليفتحوا له الممر، فيما واصل آخرون حديثهم بصوت منخفض.
سمع اسمه مرة أخرى، لكنه مضى دون أن يلتفت.
بدأ المشرف يجمع المتنافسين الباقين، ويطلب من الناس إخلاء حدود الساحة. لم يهتم لين يان بمن سيُستدعى بعده، أو بمن ستؤول إليه الجائزة الجديدة.
شد يده على الصرة قليلًا، ثم دسها في ثيابه.
عند طرف الطريق المؤدي بعيدًا عن الساحة، وجد أسرته.
كان والده واقفًا إلى جانب أمه، وخلفهما بقليل وقف أخوه الأصغر.
توقفت خطواته.
رفعت أمه عينيها إليه، ثم تقدمت نصف خطوة.
— هل أُصبت بشيء؟
— لا.
تفحصت وجهه وذراعيه، وكأنها تريد الاطمئنان بنفسها. بقي في نظرتها ذلك اللطف الذي يعرفه، بينما كان والده يراقبه بصمت أطول.
قال أخوه:
— لم أكن أعرف أنك بلغت المستوى الثلاثين.
— بلغته.
خرج الجواب قصيرًا، فبقي أخوه ينظر إليه.
كان أصغر منه بعام واحد. لم يكن بين أقوى رجال العشيرة، ولم يكن عاجزًا أيضًا. عرفه الناس بحسن المعاملة، وبالتحية التي يلقيها على من يقابلهم، وبالاستعداد للمساعدة حين يُطلب منه شيء.
وحين يذكرون اسمه، تأتي الكلمات سهلة: رجل طيب، محترم، حسن السيرة.
كان اسمه يترك في المجالس أثرًا مختلفًا عن اسم لين يان.
قال والده:
— كان ينبغي أن تخبرنا بمستواك.
نظر إليه لين يان.
رجل بملابس عادية، ووجه ألفه منذ طفولته. لم يستطع بلوغ المستوى العاشر، ولم يكن لاسمه وزن في قرارات العشيرة أو مجالسها. عاش بين العمل والنفقات وما يستطيع تحصيله من مال، حتى صارت تلك حدود الحياة التي يعرفها.
قال لين يان:
— لقد عرفتم الآن.
عقد والده حاجبيه قليلًا، ثم ألقى نظرة نحو الساحة.
— ومع ذلك، دخلت بطولة لا يسمح لك مستواك بدخولها.
— وانتهت مشاركتي.
ساد بينهما صمت غير مريح.
تحركت أمه، وكادت تتكلم، ثم نظرت إلى زوجها وانتظرت.
عرف لين يان تلك الحركة.
كانت تأتي دائمًا في الموضع نفسه.
منذ طفولته، كانت تخاطبه بلطف، وتنتبه إلى تعبه، وتسأله إن كان قد أكل. وحين يعود متأخرًا، يكون في صوتها قلق صادق. لكنه متى تعلق الأمر بقرار والده، انتهى الحديث عند موافقتها.
«أبوك يعرف مصلحتك.»
سمع هذه العبارة مرات لم يعد يحصيها.
كان والده يطلب منه العمل، فيعمل. وما إن ينتهي من شيء، حتى يجد شيئًا آخر ينتظره. وإذا عاد بأجره، امتدت يد أبيه إليه، ثم توزعت النقود على حاجات يقررها وحده.
لم يكن يأمره بالصراخ. كان يتكلم بهدوء، وأحيانًا يشرح له مصاعب العيش، ثم يختم حديثه بما يجب فعله في اليوم التالي.
وكان لين يان ينهض في الصباح ويفعله.
كلما أراد أن يحتفظ بشيء من وقته، ظهر عمل أهم. وكلما حاول أن يختار لنفسه أمرًا، قيل له إن الوقت لم يحن بعد.
كبر وهو يعرف ما يُطلب منه أكثر مما يعرف ما يريده.
لم تكن لديه غاية واضحة يسعى إليها. كان يظن أن إرضاء والده يكفي، وأن الأيام التي يقضيها في العمل ستقوده، بطريقة ما، إلى حياة يستطيع أن يرضى عنها هو أيضًا.
لكن الأيام كانت تنتهي، وتأتي غيرها، ويجد نفسه في الموضع ذاته.
نظر إلى يد والده.
كم مرة وضع أجره فيها، ثم عاد إلى عمله دون أن يسأل عما بقي منه؟
قال والده:
— كم أعطوك؟
بقي لين يان ينظر إليه لحظة.
— ما يكفيني.
رفع الأب عينيه إلى وجهه.
لم يتبع لين يان جوابه بشرح، ولم يخرج النقود.
كان شيئًا بينهما قد تغير منذ زمن، وإن لم يجد له أحد اسمًا.
في العشرين من عمره، وقف لين يان في مراسم نهج الدم، وانكشفت نسبة موهبته.
ثمانون بالمئة.
كان يمكن للرقم أن يبدو وعدًا بحياة مختلفة. طريق واسع أمامه، وقدرة يستطيع أن يبني بها لنفسه مكانًا لا يضطر فيه إلى انتظار قرار غيره.
ثم عرف ما تعنيه هذه النسبة لجسده.
عرف أن انفتاح الطريق لا يضمن له الوقت الكافي للسير فيه، وأن ما ينمو داخله قد يسبقه، حتى يعجز عن احتوائه.
منذ ذلك اليوم، أخذ ينظر إلى الأشياء التي اعتادها، ويسأل عما وراءها.
إلى العمل الذي يسمونه واجبًا.
وإلى الطاعة التي يسمونها احترامًا.
وإلى العمر الذي يتحدثون عنه كأن أمامه منه ما يكفي لكل شيء.
صار الوقت في عينيه مختلفًا. اليوم الذي يمر لا يعود مجرد يوم آخر يستطيع تعويضه لاحقًا. وكل تأجيل يفرضه عليه أحد، يأخذ جزءًا مما لم يعد يملك الاطمئنان إليه.
نظر إلى أسرته الواقفة أمامه.
كان يعرف وجوههم، وأصواتهم، وعاداتهم الصغيرة. ومع ذلك، لم يجد في نفسه الشعور الذي يفترض أن تمنحه له رؤيتهم.
أبوه ينتظر جوابًا أكثر مما حصل عليه.
وأمه تتنقل بعينيها بينهما، قلقة من صمت قد يتحول إلى خلاف.
وأخوه يقف على مسافة قصيرة، مألوفًا لدى الناس، مرتاحًا بينهم أكثر مما كان لين يان يومًا.
تساءل في داخله:
«إن كان أبي يحبني، فما الحياة التي أرادها لي حين أنجبني؟ أن أعمل كما عمل، وأقضي عمري في تلبية ما يراه ضروريًا، ثم أترك خلفي ابنًا يفعل الشيء نفسه؟»
لم يكن يتذكر سؤالًا واحدًا طويلًا سأله أبوه عما يريده من حياته، يشبه الأحاديث الطويلة التي كان يلقيها عليه عما ينبغي فعله.
ومن وراء أسرته، امتدت أبنية العشيرة.
سقوف يعرفها، وطرق سار فيها منذ صغره، وساحة ما تزال تصل منها أصوات الناس.
كم مرة سمع أن العشيرة بيت أبنائها، وأن قوة الواحد منهم قوة للجميع؟
«وحين تأتي الحرب، من سيُرسل إلى مقدمتها؟»
كان يفكر في أصحاب الأسماء الصغيرة، وفي الرجال الذين لا يصل كلامهم إلى مجلس الشيوخ، وفي الضعفاء الذين يُطلب منهم أن يحموا ما لا يملكون رأيًا فيه.
إذا كانت العشيرة تحبهم جميعًا، فلماذا تختلف قيمة حياتهم حين يحين وقت التضحية؟
ثم عاد السؤال إليه.
وإلى دمه.
«وإن كان لي في هذا العالم نصيب من الرحمة، فلماذا مُنحت قوة قد تقتلني قبل أن أتعلم استخدامها؟»
بلغ المستوى الثلاثين، فصار الناس ينظرون إليه بدهشة. لكنه لم يستطع أن يشتري بتلك الدهشة عامًا إضافيًا، ولم تتوقف النسبة في داخله لأنهم أدركوا قوته أخيرًا.
احتاج إلى سنوات ليبلغ ما وراء مستواه الحالي.
وكان ما تبقى له من العمر أقل من ذلك.
ما الذي ينبغي له أن يفعله إذن؟ أن يواصل إرضاء أبيه، وأن يرفع اسم عشيرته، وأن ينتظر النهاية في المكان الذي اختاره الآخرون له؟
لأجل ماذا؟
قالت أمه بصوت خافت:
— لين يان…
أعاد نظره إليها.
فتحت فمها، ثم قالت:
— انتبه إلى نفسك.
أومأ قليلًا.
— سأفعل.
تحرك من أمامهم، فلم يطل وقوفه، ولم ينتظر أن يعود الحديث إلى النقود أو البطولة.
سمع أصواتهم خلفه، لكنها اختلطت بضجيج الطريق.
مضى بين الأبنية، والصرة مستقرة تحت ثيابه. من بعيد، ارتفع هتاف جديد من الساحة. لا بد أن نزالًا آخر قد بدأ، وأن عيونًا كثيرة صارت تتبع مقاتلًا آخر.
لم يتوقف.
كان هذا العالم مليئًا بالأبطال؛ بأبناء العائلات العريقة، وبأصحاب الأسماء التي تنتظرها المجالس، وبمن تُبنى حول مستقبلهم الآمال والخطط.
أما هو، فلم يجد لنفسه مكانًا في تلك الحكايات.
ابنًا يعمل، وفردًا يطيع، ومقاتلًا يُستدعى عند الحاجة.
كان يين لين يان، في الحكاية التي أرادها الآخرون له، مجرد شخصية ثانوية في عالم مليء بالأبطال.