الفصل الحادي عشر ما وراء الشاطئ
مع أول ضوء من الصباح التالي، كان يين لين يان قد عاد إلى قرية عشيرته.
بقيت الطرقات مبتلة، وتجمع الماء عند أطراف الممرات الخشبية. بدأت الأبواب تُفتح، وتحرك بعض أفراد العشيرة نحو أعمالهم، بينما اتجه هو إلى المكان الذي تُعرض فيه المهام.
وقف أمام الأوراق المعلقة تحت السقف.
كانت هذه أول مرة يختار فيها مهمة من المهام العامة للعشيرة. رحلته إلى هان جاءت بتكليف خاص، أما الآن، فقد جاء من تلقاء نفسه، مثل غيره من الذين يبحثون عن عمل يؤدونه باسم يين.
مرّ بعينيه على المهام، حتى استقر نظره على واحدة تتعلق بمرافقة قافلة صيد.
كان على القافلة أن تتجه إلى الساحل، وتجمع الكمية المحددة لها من الأسماك والمواد الغذائية، ثم تعود بها إلى العشيرة. أما المرافق، فكانت مهمته حمايتها من الوحوش خلال الطريق وأثناء جمع الصيد.
يحتاج الوصول إلى البحر يومًا ونصفًا من السفر.
قرأ لين يان الورقة مرة أخرى.
لم يكن قد بلغ البحر بعد، ولم يعرف الطريق إليه كما يعرف طرقات عشيرته. هذه المهمة ستتيح له أن يراه، وأن يتعرف إلى جزء من المسافة التي سيحتاج إلى قطعها لاحقًا.
تقدم إلى الرجل المسؤول عن تسجيل المهام.
— سأرافق قافلة الصيد.
رفع الرجل رأسه ونظر إليه لحظة، ثم سحب السجل أمامه.
— القافلة تستعد للمغادرة هذا الصباح.
— سأكون معها.
دوّن الرجل اسمه، وأخبره بموضع تجمع الصيادين.
غادر لين يان، وملامحه هادئة كما كانت عند دخوله.
«عليّ أن أتصرف بصورة طبيعية حتى تمر المراسم.»
لم يكن قد نسي محاولته السابقة.
كانت له خطة، لم تتمكن العشيرة من اكتشافها كاملة، لكنها عرفت ما يكفي لتفهم أنه لم يعد يريد البقاء واحدًا من أفرادها. وبعد ذلك، ضاقت المساحة التي يستطيع التحرك فيها، ولم يعد قادرًا على فعل ما يشاء.
فسروا جانبًا من تصرفاته بموهبته العالية؛ الثمانون بالمئة التي ظهرت في مراسمه، وما تحمله من خطر على حياته. رأوا أن خوفه من مصيره قد يدفعه إلى الابتعاد والرفض.
لكن تفهمهم لذلك لم يكن يعني أنهم سيتركونه يكرر ما فعله.
أي حركة تثير شكهم الآن قد تعيد القيود عليه.
«سأدع المراسم تمر، ثم أمضي شهرًا أرتب فيه ما أحتاج إليه. لن أكرر المحاولة بالطريقة نفسها.»
وصل إلى العربات المعدّة للرحلة. كانت تحمل صناديق فارغة، وحبالًا وشباكًا، وبراميل سيحتاج إليها الصيادون لحفظ ما يجمعونه.
وقف بينهم، واستمع إلى ما تبقى من الاستعدادات.
لم يتحدث عن الحدود، ولم يسأل أحدًا عن عبور البحر.
حين تحركت القافلة، سار معها بصفته المقاتل المكلف بحمايتها.
وفي جبال هان، كان هان سول وهان جين يسيران على طريق غطى الثلج أجزاءه.
امتدت أشجار داكنة على السفوح، وتدلت من أغصانها كتل بيضاء. ترك الاثنان آثار قدميهما خلفهما، بينما دفعت الريح خصلات شعر هان سول الطويلة نحو كتفه.
نظر هان جين إليه، ثم قال:
— أعرف أنك تحترمها… وأعرف أن الأمر يتجاوز الاحترام أيضًا.
لم يحتج هان سول إلى سؤاله عمّن يتحدث.
— لم يكن بيننا شيء رسمي.
— هذا لا يجعل ما بينكما بلا معنى.
واصل هان سول السير.
— لكنه لا يمنحني حق الاعتراض على كل ما يُقرر بشأنها.
تجاوز هان جين حجرًا برز من الثلج، ثم عاد إلى جانبه.
— هذه أول مرة أرى فيها الزعيم يوافق على أمر بهذا الحجم دون أن يستشير أحدًا.
قال هان سول:
— إنها ابنته. يرى أن له حق اتخاذ قرار زواجها.
نظر إليه هان جين.
— وأنت لا تملك حتى اعتراضًا صغيرًا؟ كبرتما معًا. كانت بينكما نظرات وحديث، وأنت تعرف ما تشعر به.
تباطأت خطوات هان سول قليلًا.
— أعرف.
— إذن؟
التفت إليه بهدوء.
— العشيرة أهم عندي من مليون امرأة، يا هان جين.
ظل هان جين ينظر إليه.
أكمل هان سول:
— لن أضع رغبتي في الزواج منها فوق ما أراه واجبًا تجاه العشيرة. ولو كانت زوجتي بالفعل، لما تغير ذلك.
سكت هان جين، ثم أخرج نفسًا قصيرًا.
— حسنًا.
عاد نظره إلى الطريق، وترك الحديث عند ذلك.
لم يخرجا من العشيرة من أجل المشي وحده.
كانا يجمعان المعلومات المتعلقة بحركة الحيوانات القادمة من الشمال؛ الطرق التي تمر بها، والمواضع التي ظهرت فيها آثارها، وما نقله الصيادون والمسافرون عن الذئاب والنمور والطيور الجارحة.
وحوش الصقيع كانت أشد ما يقلقهما، لكن الأعداد الكبيرة من الحيوانات الأخرى لم تكن أمرًا يستطيعان تجاهله.
توقف هان سول عند آثار ظهرت في بقعة انكشف عنها الثلج. انحنى ليتفحصها، بينما راقب هان جين امتداد الطريق بين الأشجار.
لم تكن تلك الآثار وحدها كافية لمعرفة حجم ما يقترب.
كان عليهما أن يجمعا ما يستطيعان، ثم يقارناه بالتقارير التي وصلت إلى العشيرة، حتى يفهما أين ينبغي تركيز الاستعدادات.
وفي مقر هان يانغ، وقفت هان شيويه أمام أبيها.
كان جالسًا قرب الطاولة المنخفضة، ورداؤه الأبيض الواسع مستقرًا حوله. نظر إليها، ثم قال:
— وافقت على هذا الزواج من أجل مصلحتك، ومن أجل مصلحة العشيرة.
لم تجبه مباشرة.
بقيت عيناها البنيتان ثابتتين عليه، قبل أن تخفضهما إلى الأرض.
أكمل:
— ستعيشين كملكة. سيكون لك بيت ومكانة، ولن ينقصك ما تحتاجين إليه.
قالت بصوت منخفض:
— لكنك لم تسألني إن كنت أريد ذلك.
سكت هان يانغ لحظة.
رفعت وجهها إليه، وقد تجمعت الدموع في عينيها.
— الجميع يتحدث عن الزواج كأنه أمر انتهى. وأنا لم أختره أصلًا.
تحركت يدها إلى طرف كمّها، وضغطت عليه.
— لم يكن لي رأي.
ظل الزعيم ينظر إليها، ثم قال:
— أعرف أن القرار صعب عليك الآن. لكن انظري إلى ما سيمنحه لنا. سنحصل من المملكة على الموارد التي تحتاج إليها العشيرة، وستصبح بيننا رابطة نستطيع الاعتماد عليها في طلب ما ينقصنا.
مسحت شيويه دمعة عن خدها، ولم ترفع رأسها.
تابع هان يانغ:
— بدل أن تبقى احتياجاتنا مرتبطة بعشيرة يين. تبادل الموارد معها لا يجعلها موضع ثقة كاملة، ولا يضمن أنها لن تتخلى عنا حين تجد مصلحة أخرى.
نظرت إليه من جديد.
— وهل هذا يكفي لتقرر حياتي كلها؟
بقي صوته هادئًا.
— أرى أن هذا القرار يحفظ لك مستقبلًا جيدًا، ويمنح العشيرة ما تحتاج إليه. لم أوافق عليه دون أن أفكر فيك.
انحدرت دمعة أخرى، ثم تبعتها أخرى.
كانت تسمع ما يقوله، لكنها لم تجد في المكانة والموارد جوابًا عن الرجل الذي ستعيش معه، أو عن الحياة التي كانت تتصورها لنفسها.
تذكرت هان سول عند بابه، وصوته حين أخبرها أن العشيرة ستبقى أولويته حتى لو تزوجها.
لم يكن لديها وعد تتمسك به، ولا جواب مختلف تنتظره منه.
طال صمتها.
انتظر هان يانغ، بينما حاولت أن تستعيد هدوء تنفسها.
أخيرًا، مسحت وجهها بطرف كمّها، وقالت:
— حسنًا، يا أبي… سأقبل الزواج.
خرجت الكلمات ببطء.
انخفضت عيناها بعد ذلك، وبقي أثر البكاء على وجهها. لم تعد تعترض، لكنها احتاجت إلى وقت حتى تستطيع النظر إليه مجددًا.
وفي عشيرة يين، جلس يين لينغ وحده داخل مقره.
استقر في كفه نهج دم القمر المضيع.
تجمع ضوءه في هيئة مستديرة، مكتملة الحواف، كقمر صغير يضيء فوق راحته. امتد نور خافت على أصابعه، وانعكس على عينيه البنفسجيتين.
كان النهج قادرًا على منح مستخدمه علاجًا وطاقة إضافية، لكن استعماله قد يتركه في حالة من الإرهاق والتعب الشديدين.
فائدته في القتال واضحة، وكذلك الثمن الذي قد يدفعه صاحبه بعد استخدامه.
تأمله الزعيم لبعض الوقت.
ثم سُمع طرق خفيف، ودخل مستشاره.
رفع يين لينغ نظره إليه.
— أريد إقامة بطولة داخل العشيرة، بعد يومين.
توقف المستشار أمامه، وانتقل نظره إلى النهج الذي يحمله.
أضاف الزعيم:
— سيكون نهج دم القمر المضيع جائزتها. أريد أن يقع في يد شخص يستحقه.
فكر المستشار قليلًا، ثم قال:
— سيأتي المقاتلون طمعًا في النهج، وسترى أنت قدرتهم أمامك.
بقي يين لينغ يستمع.
تابع المستشار:
— ستعرف من هم أقوى أفراد العشيرة بعدك، ومن يستطيع الاعتماد على نفسه حين يُوضع تحت الضغط.
أراح الزعيم يده قليلًا، وبقي الضوء مستقرًا فوقها.
— نحن نعدّ أنفسنا لما يقترب من أراضينا. معرفة ما يستطيع رجالنا فعله أمر نحتاج إليه.
أومأ المستشار.
قال يين لينغ:
— أبلغهم بالبطولة. المشاركة لأفراد عشيرة يين وحدهم.
انحنى المستشار، ثم غادر ليبدأ الترتيبات.
أما قافلة الصيادين، فواصلت رحلتها بعيدًا عن القرية.
مضى لين يان معها عبر الطرق، يراقب ما يحيط بالعربات، ويتوقف معها حين يحتاج الرجال إلى الراحة. بقي منتبهًا للممرات بين الأشجار، وللمواضع التي قد تقترب منها الحيوانات.
لم ينشغل بالشباك أو بالصناديق.
كانت له مهمة محددة، وكان يؤديها.
وبعد رحلة استغرقت يومًا ونصفًا، ظهرت المياه أمامهم.
البحر.
وصلت إليه رائحة الملح قبل أن يبلغ الشاطئ. امتدت المياه بعيدًا، حتى لم يجد في الأفق ما يحدد نهايتها. تحركت أمواج فوق أمواج، وانكسرت عند الصخور تاركة رغوة بيضاء تراجعت سريعًا.
توقف لين يان للحظة.
كان قد فكر في البحر كثيرًا، لكن الوقوف أمامه منحه إحساسًا مختلفًا بالمسافة التي يريد عبورها.
بدأ الصيادون بإنزال أدواتهم، وتجهيز القوارب التي سيستخدمونها. تحرك الرجال بين الشباك والحبال، وكل منهم يعرف ما عليه فعله.
ظل لين يان يراقب المكان.
تابع الطريق المؤدي إلى الشاطئ، والمواضع المحيطة بالقوارب، ولم يمد يده إلى شبكة.
وحين عاد الصيادون بأول ما جمعوه، ساعد بعضهم بعضًا في نقل الأسماك إلى الصناديق. تحركت أجسادها اللامعة تحت الضوء، ثم هدأت شيئًا فشيئًا بين أيدي الرجال.
كانت هناك أسماك صغيرة، وأخرى أكبر منها.
نظر لين يان إلى الصيد، ثم إلى القوارب فوق الماء.
مرّت في ذهنه فكرة:
«البحر يشبه الحياة.
الأسماك الصغيرة كالأجر الذي نعود به كل يوم؛ نعمل، ونأكل، ثم نستيقظ لنعيد ما فعلناه. يبقينا ذلك أحياء، لكنه قد لا يكفي لنصل إلى الحياة التي نريدها.
أما السمكة الكبيرة، فقد تشبه فرصة واحدة تغيّر ما بعدها كله.
وكلما ابتعد القارب، اتسعت المياه أمامه، وازداد ما يحتاج إليه صاحبه من قوة ومؤن وحسن تقدير. لا يكفي أن يريد الذهاب بعيدًا؛ عليه أن يكون قادرًا على تحمّل الرحلة.
لكن بعض الناس لا يكتفون بما تصل إليه شباكهم من السطح.
يريدون أن يعرفوا ما تخفيه الأعماق، فيغوصون إليها.
قد يبلغ أحدهم القاع ويعود بما يغيّر حياته، وقد يموت في الطريق فلا يرى ما خرج من أجله. وبعضهم يصل، ثم لا يستطيع العودة.
ومع ذلك، يكون قد بلغ ما لم يبلغه الذين أمضوا حياتهم عند الشاطئ.
البحر لا يضمن لأحد أن يعود.»
رفع لين يان عينيه عن الصناديق.
بقيت القوارب أمامه، والبحر ممتدًا خلفها إلى ما لا يستطيع رؤيته.