صاحب المنظور: الراوي "حقا؟! أيمكنني العودة إلى بيتي؟"
يهتف أكوس بحماسة مباغتة. لكن مزاجه المرح ينقلب إلى كآبة في ومضة.
يرن في عقله سؤال ملح وواضح كالجرس: "أما زلت أريد العودة إلى بيتي؟".
تداعب نسيمات رقيقة بحر الزهور في المحيط. وعلى عكس هذه السكينة، يمتلئ عقل أكوس بالشكوك. يحدق وجهه ببلادة نحو هيئة زوهن الشاهقة. يغيم التردد في قلبه.
"لقد غدت هذه الجزيرة بيتي الجديد، لكن يتعين علي التأكد من أن كل شيء على ما يرام هناك".
يرتسم عبوس خفيف على وجهه.
يسأل بصوت خافت: "أود زيارتها، لكن هذا المكان هو بيتي الجديد. إن ذهبت، أيمكنني العودة إلى هذه الجزيرة؟".
تختبئ ابتسامة لطيفة بين لحية زوهن البيضاء.
"بالتأكيد، لكن إن كنت تنوي العودة، فأنا أحثك على فعل ذلك في غضون عام. أستشعر تغيرا في الجو ولا شيء مضمون".
يغطي الارتباك أفكار أكوس، وقبل أن يستزيد في الأسئلة، يتابع زوهن: "مباشرة نحو الشرق، أستشعر جزيرة طافية، وسواء أكانت جزيرتك أم لا فهذا أمر غير مؤكد. بسرعة طيرانك، ستتمكن من بلوغها خلال شهرين. وما تنوي فعله بهذه المعلومة ليس لي أن أقرره".
وبدون إنذار، يتبخر زوهن في الهواء. يمر النسيم اللطيف بهيئة ذات الجناحين الساكنة. تتجول عينا أكوس عبر بحر الزهور. يطل حزم مألوف على عقله ليفرض نفسه. يشتد صلابة تعبيره. إنه يعرف ما يجب فعله، لكن كآبة غريبة ما زالت تزهر في الأعماق. من مسافة بعيدة، يراقب زوهن هيئة أكوس المغادرة. تتدفق تنهيدة طويلة بحرية من شفتيه. يبدو وجه زوهن كأنه شاخ عشراً من السنين، وتتلاشى ملامحه الحازمة.
يتحدث كمن لا يخاطب أحدا بعينه: "طالما حسدت تفاؤلك اللامحدود أيها الصديق القديم. طوال مدة طمحت إلى الحفاظ عليه، لأبقيك طاهرا من فساد هذا العالم...".
ينقلب تعبير زوهن إلى الأسى.
"أيها الصديق القديم... أخشى أنني لن أعود كافيا. شيء ما يحذرني مما هو آت، وهذا يرعبني. أستطيع استشعاره. خلال عام، سيأتون... أنا آسف أيها الصديق القديم، لقد خذلتك. أنا أعرف ما يجب فعله، لكن أيمكنك مسامحتي بعد ذلك؟".
يرفع زوهن عينيه نحو السماء، لكن رده الوحيد هو لمسة الريح الرقيقة. ببطء، يغمض عينيه ويتلاشى في العدم. في سماء المحيط الأزرق الممتد بلا نهاية، تحوم هيئة أكوس المبسوطة بكل سهولة.
يفكر مع نفسه: "يجب أن أكون قريبا منها الآن. لقد كانت هذه الشهور الماضية هادئة وسلسة، فعادة لم أكن لأستطيع السفر بسرعتي الحالية، لكنني نمت قوة بشكل ملحوظ على الجزيرة".
عبر الأفق، يلمح أكوس كتلة الجزيرة العائمة.
يقول متعجبا: "إنها حقا الجزيرة ذاتها! أستطيع التعرف عليها بسهولة".
يقترب من الجزيرة بحذر. بينما تختفي هيئته في الغيوم، يراقبها باهتمام. يحفر عبوس عميق نفسه على وجهه. على الجزيرة في الأسفل، لا يُرى أي حراك. كل شيء ذابل ولا يوجد أثر لقصاصة حياة واحدة. وحين يطير أقرب، يتجلى الوضع بوضوح.
يقول أكوس بصوت أجوف: "لقد نفد وقتنا، ولحق بنا الشتاء أخيرا".
ودون أن يلقي نظرة ثانية، يلتفت أكوس ويبدأ بالطيور عائدا.
يخفق قلب أكوس ببرود بينما يجمع أفكاره: "لا يمكنني القول إن هذه النتيجة لم تكن متوقعة. لقد شهدت الظلام الحقيقي لمجتمعي وما نجوت منه إلا بطبيعتي الجبانة. لا أعر بالحزن أو الغضب إزاء ما حدث، بل بالامتنان لأنني نجوت من الانقراض. إنها نهاية ملائمة لشعب محطم...".
على وجهه الساكن، تنحدر دمعة صامتة.
"لا يسعني سوى التطلع إلى المستقبل. ربما... ربما لو عدت مبكرا فحسب... لا! لا يوجد شيء كان بإمكاني فعله..."
يمتلئ قلب أكوس بالذنب، لكنه لا يلتفت وراءه، فهو يعلم أن الماضي لا يمكن تغييره، ليس في هذا العالم القاسي على الأقل. على الجزيرة، يراقب زوهن هيئة أكوس المقتربة. وما إن يصل أكوس، حتى يطير مباشرة نحو حقل الزهور. هناك، يجثو بصمت ويراقب كل زهرة ملونة على حدة. إنه لا يقول شيئا، لكن أفعاله تعبر أعلى من الكلمات. لا يزعجه زوهن.
يخلص زوهن بعبوس: "يبدو أن مخاوفّي قد تأكدت. لقد تسارع كل شيء وصار رفاهية الوقت أمرا لا يمكن تحمله".
يشكل زوهن رمحه في يديه ويتأمله باهتمام.
تهيم أفكاره عائدة إلى الماضي: "هذه الدائرة الشريرة للحضارات لم تكن منطقية قط بالنسبة لي. إنها تدمر وتخلق بلا ندم. لا يبدو أن الأمر يزعج كول، لكنني لا أظنه يدرك حقا المغزى؛ وربما كان ذلك للأفضل".
يتنهد زوهن ويتابع: "طالما كنت منفصلا عن العالم. صحيح أنني أساعد الناس أحيانا، لكن ذلك للسهولة أكثر من الكرم. يمكنني الاستمرار في تجاهل إبادة العالم من حولي، لكن هل ستنتهي هذه الدائرة يوما؟ لقد عشت طويلا وشاهدت الكثير، ولكن طالما كان كول موجودا، فلا مانع لدي من مواجهة العالم وكل أهواله".
يصلب زوهن عزيمته ويقول لنفسي: "لا يمكنني البقاء مكتوف الأيدي بعد الآن ويجب اتخاذ الاستعدادات. للأسف، قد يكون هذا هو السبيل الوحيد نحو الخلاص. مهما تكن النتيجة، سأبقى إلى جانبك إلى الأبد أيها الصديق القديم".
بجانب الزهور، تقترب آيا بهدوء من هيئة أكوس الصامتة.
ودون أن تتوقف، تحيط أكوس بعناق وتقول: "لا بأس يا أكوس، لا تحبس مشاعرك في الداخل. أنا هنا تماما، فلا تكن وحيدا".
يعانق أكوس آيا بقوة فجأة.
تتدفق من عينيه دموع لا تحصى، وبصوت محزون يقول: "كل هذا خطبي، لو أنني كنت أقل جبنا بقليل، لكنت ربما عدت وأنقذت الجميع!".
تستقر على وجه آيا ابتسامتها المعتادة وتقول: "ما زلت تمتلكني، لذا لست بحاجة لأن تكون حزينا".
وبصوت خافت بالكاد يُسمع، يرد أكوس من خلال دموعه: "شكرا لك".