حلم العملاق الفصل 48 — ضباب

اقرأ حلم العملاق الفصل 48 — ضباب باللغة العربية على مانجا تايم.

منظور أكيوس فانتوموينغ: يتلاشى العالم من حولي في ومضة ضبابية. تجاهد عيناي لتبقيا مفتوحتين بينما هوى نحو الظلام في الأسفل. تملأ الغازات السامة رئتيّ، ثم أتمكن من التنفس مجدداً لثانية واحدة فقط. وما إن يحضر حتى ينتهي متنفسي القصير. ومع ابتسامة أخيرة شبيهة بابتسامة الموت، يغيب وعيي وأنا أغطس في المحيط الأبدي القاسي أدناه. لا يؤنسني في هذا النوم الأخير المخيف سوى أحلامي الوحيدة.

تيارات المحيط الباردة تهزني برفق نحو وجهتي الأخيرة. ربما كان هكذا مأمولاً أن ينتهي كل شيء. ربما كانت تلك هي الخطة التي خبأها لي القدر منذ ولادتي. حسناً، سأتقبل وجهتي، فبعد كل الشرور التي ارتكبتها، هذا ما أستحقه... ومع هدوء جسدي، يزول البرد تدريجياً. ومع كل ثانية تمر، يقل الضغط من حولي. أعجز في حالتي شبه الواعية عن تمييز ما يحيط بي. أبدو كتمثال، مشلولاً تماماً وعديم الإحساس تقريباً.

أستشعر شيئاً يرشدني نحو الأمان، لكن لعلها مجرد آمال واهمة تراودني. تداعبني بحذر لإخراجي من سباتي العميق أصوات ما لا أستطيع سوى افتراض أنه حفيف الرياح بين أوراق الشجر. وببعض الجهد، بالكاد أتمكن من فتح عيناي. وحين تفقد محيطي، يصدمني المنظر حتى الصميم. أستلقي على سهول عشبية، وما زلت نصف مشلول، بينما يخدم صوت أمواج المحيط موسيقى خلفية. يحوم من حولي ضباب أبيض كثيف يحجب رؤيتي.

لا أستطيع سوى رؤية المحيط ورائي لكونه ضمن دائرة نصف قطرها عشرة أمتار من موقعي. ومن واقع ما يمكنني استنتاجه، هناك تفسير واحد فقط لمكاني... أنا على جزيرة! ولأنني ما زلت نصف مشلول، فلا أستطيع سوى رؤية محيطي المباشر وما زلت عاجزاً عن الحركة. مع ذلك، منحني هذا بعض الوقت للتفكير. وكلما طال نظري، أصبحت هذه الجزيرة أكثر غرابة. فمن بين كل الجزيرات التي زارها أبناء قومي من قبل، ومما قرأته عنها، كانت إما جزيرات صخرية قاحلة أو صحاري قاحلة غير صالحة للحياة، لكن هذا المكان مختلف.

يذكرني العشب من حولي بالمتنزهات العامة في وطني. يبدو الهواء منعشاً ونقياً وأستطيع استنشاق أوراق الشجر الطازجة في كل مكان حولي. هذا المكان ليس جزيرة طافية، لكنه قادر على دعم الحياة بنجاح وكأنه جزيرة طافية. المفترض أن أشعر بالحماس إزاء اكتشاف جزيرة جديدة، لكنني لا أستطيع هزيمة شعوري بالرهبة. هذه الجزيرة المعجزة، وفقاً لكل ما تعلمته في الأكاديمية، لا ينبغي أن توجد.

ورغم ذلك، فهي موجودة. وكلما فكرت في الأمر، بدا كل هذا أغرب فأغرب. لا يسعني سوى التنهد لحظي الغريب. لقد حققت هدف إيجاد جزيرة، ومع ذلك مات فريقي بأكمله، ولا أدري أين أنا وكل ما يخص هذه الجزيرة يبدو مخالفاً لمعارف قومي السابقة.

"اهدأ، اهدأ، خذ الأمور خطوة بخطوة"، أقول لنفسي.

هذا خياري الوحيد حالياً. أستطيع الشعور بالشلل وهو يتلاشى ببطء. وحين أستطيع المشي، سأحاول استكشاف الجزيرة، فمن يدري ما سأجد. السماء مظلمة حولي تماماً، لذا يمكنني افتراض أن الوقت ما زل ليلاً، وعندما تشرق الشمس بعد بضع ساعات، سأتمكن أخيراً من فك أسرار هذه الجزيرة. بعد انتظار دام أكثر من خمس ساعات، زال الشلل أخيراً. وغريب أن الشمس لم تشرق بعد. سأتجاهل الأمر للآن. لقد انتظرت طويلاً، وعليّ محاولة إيجاد بعض الطعام أو ما شابه.

ما زلت أضعف من أن أطير، لكن يمكنني المشي. ربما أغدو غداً قوياً بما يكفي لأطير بعيداً عن هذا المكان المرعب. بدفعة واحدة، أنهض عن الأرض وأنجح في الوقوف. لا أسمع حولي الأصوات المعتادة لتزقزق الطيور أو الأصوات الطبيعية لحيوانات الغابة. الصوت الوحيد الملموس هو الرياح الباردة المخيفة وهي تعصف بين أشجار الغابة العالية. هذا المكان يزداد غرابة دقيقة بعد دقيقة... وبينما أخذ نفساً عميقاً لأستجمع شجاعتي، أخطو خطوتي الأولى نحو المجهول.

الضباب من حولي يبقي الرؤية في أدنى مستوياتها، لكنني بالكاد أستطيع تبين الاتجاه الذي أمضيه. العشب الأزرق الناعم رطب وندٍ تحت حذائي العسكري والهواء ينبض بالانتعاش. ولو لم أكن أدري أفضل، لظننت أن هذا هو الفردوس. بعيداً عن كل المشاكل والمحن التي تطارد حياتي. وبينما أشق طريق عبر الضباب، لمحت شجرتي الأولى. كانت أضخم بكثير مما توقعت، متجاوزة بسهولة مئة متر في الارتفاع. تبدو عتيقة، عتيقة جداً في الواقع، لكن لعل هذا مجرد سوء فهم مني، فأنا لست خبيراً بالأشجار.

وبصرف النظر عن الأشجار والعشب، لم أرى أي أشكال أخرى للحياة، بل بركاً ساكنة وغابات خاوية فحسب. مع كل خطوة، أتوغل أكثر فأكثر في الضباب. لا أعلم كم مشيت، لكن هذه الجزيرة تبدو بلا نهاية. ربما أكون وحيداً بحق هنا؟ لا أعلم بعد إن كان ذلك أمراً جيداً أو سيئاً... خياري الوحيد هو المضي قدماً، ومع ذلك لا يمكنني استبعاد أي احتمالات. هذا الظلام محبط، فقد مشيت لساعات، لكنه ما زال مظلماً كليل حالك.

وبعد ما بدا أنه أيام من المشي، لم ينقشع الضباب بعد. لم أجد أشكال حياة أخرى في هذه الغابة اللعينة وأوشك على فقدان صوابي قليلاً. ينتابني شعور مستمر بأن أحداً يتبعني، لكن كلما التفتت، لا أجد شيئاً. يجب أن أرحل عن هذا المكان قريباً، لكنني لا أستطيع مغادرته دون اكتشاف أي شيء. شعور التعقب يشتد ساعة بعد ساعة، وأنا على حافة التخلي عن هذا المكان. أسمع في البعيد خريراً لماء جدول.

سأذهب إلى هناك وأرتاح، ولعل الإرهاق والتوتر هما ما يفقداني صوابي؟ وحين أقترب من الجدول، يبدأ الضباب بالانقشاع. وحين أنظر بعيداً نحو الأفق، تتسع عيناي صدمة. تبدأ قمم الأشجار من حولي بالاصطكاك في حركة نشطة، لكنني أتجاهلها. تظل عيناي مسمرتين على مجمع غريب شبيَه بالحصن، في أفق هذه الجزيرة المستحيلة.