قال مونتغمري وهو يقطب حاجبيه عبر نافذة غرفة القيادة الأمامية: "أحقّاً هذا حقيقي؟".
كانت أضواء أبراج الإرساء تومض باللون الأخضر الداعي إلى الاطمئنان، لتؤكد أنها مفتوحة ومستعدة لاستقبال السفن، وبدا واضحاً عبر المنظار البسيط وجود أشكال بشرية تتحرك في المكان. لم تمرّ كطأة سفينة الإنديفور مرور الكرام، وكان الميناء يستعد بوضوح لرسوها.
قال جوناثان بيقين: "إنه حقيقي".
كان يدرك أنه ليس مجرد وهم، مع أنه لم يصدق بأي حال من الأحوال أنه أصيل. إن بلدة نظيفة ومضيئة وذات معالم متكاملة لا تنبت في العراء هكذا في غضون بضعة أعوام، سيما دون أي إشارة إلى مشروع كهذا في بيكون.
قال أنطوماين، واضعاً يديه خلف ظهره ومسدداً نظرات حادة نحو الحجارة النظيفة والمصابيح المتألقة: "ربما يكون حقيقياً، لكنه لا يمكن أن يكون شرعياً. من أين أتى هؤلاء القوم وهذه المؤن؟ إن إنشاء مستوطنة ليس بالأمر الهين، فما بالك بمكان تتطلب كل رطل من حجارته ومعادنه أن تُنقل جواً".
قال مونتغمري، وهو يدكّ تبغ غليونه ويشعل عود ثقاب: "حقّاً".
أخذ ينفث الدخان بينما اشتعل الغليون ببطء، ناظراً بريبة إلى تلك البلدة المستحيلة. حافظت الإنديفور على موقعها، وأرجئ اقترابها ريثما يتم اتخاذ قرار حاسم.
"المسألة هي أننا بحاجة إلى الزينت وغاز الرفع. لا أظن أن أمامنا خياراً سوى التوقف هنا، ولكن ما مدى أمان هذا المكان؟".
سأل أنطوماين، محيلا الأمر إلى تقدير جوناثان: "سيد هايتس؟".
أجاب جوناثان وهو ينقر بأصابع يديه على رأس عصاه: "كما قلت، ليس أمامنا خيار يُذكر. إن محاولة بلوغ أي من الخيارات الأخرى ستجعل مخزوننا من التيرستريت المقطر ينفد إلى حد خطير، أليس كذلك؟".
رفع جوناثان حاجبيه متسائلاً لمونتغمري الذي هزّ رأسه برصانة.
"إذن سيتعين علينا ببساطة التزود بالؤن من أي شيء يكنّ هذا المكان. سنكون حذرين، وسنكون يقظين، وسنفحص كل شاردة وواردة. لكن ما لم يكن هذا ملاذاً آخر لعبدة الأوثان، فهو خطر أقل يقينية من المضي قدماً".
قال مونتغمري بجهامة: "سيد أنطوماين، سيد هايتس، أرجو أن تقوما بتقييم الوضع قبل أن أسمح لأي من رجالي بالنزول إلى البرّ. هذا أمر يفوق قدراتنا".
تطوعت إليانور بالقول: "سأذهب أنا أيضاً".
فأومأ جوناثان برأسه إذ كان يعلم أن أساليب تحرياتها ستختلف تماماً عن أساليبه.
أذعن جوناثان: "بالتأكيد. هل سبق لك استخدام بدلة طيران يا سيد أنطوماين؟".
رد أنطوماين بابتسامة شبابية: "منذ مدة طويلة. لكني أستطيع التعامل معها".
كانت نظرة جوناثان لبدل طيران متدنية، رغم ضرورتها على متن السفينة الهوائية وكونها الوسيلة الوحيدة للهبوط دون إحضار السفينة إلى مسافة قريبة بشكل غير مقبول. ومع ذلك، هبط إلى السطح السفلي وارتدى واحدة، ملاحظاً عابرًا أن هذا الطراز المخصص قد أُخذ بوضوح من المرتزقة بدلاً من أن يكون جزءاً من طاقم الإنديفور الأصلي. حرص جوناثان على ألا تفسد البدلة ذات الأجنحة هندامه المعتاد، وتفقد سلك التحكم حيث يشبك عبر كم بدلة الطيران، قبل أن يلتفت للاطمئنان على أنطوماين.
لم ترتدِ إليانور بدلة طيران، لكن جوناثان كان على يقين من أنها ستستعين بمواهبها الخاصة لتشق طريقها. وبدا الرجل، وقد توارت عيناه الغريبتان خلف النظارات الواقية، أصغر سناً من المعتاد. كان وجهه مشحوناً بالحماس، ولم يتردد في خطو خطوة خارج الباب. تبعه جوناثان باسطاً ذراعيه ليلتقط النسيج الريح، بينما وفر له محرك الزينت على ظهره القدر الكافي من الرفع ليمنعه من السقوط المباشر عبر الهواء.
انطلق اثناهما نحو أبراج الإرساء، ليحطا عند قاعدة مبنى ضخم حيث يفترض وجود مدير الميناء. بدا الناس الذين رآهم جوناثان في طريقه عاديين تماماً، وربما كان ذلك مريباً بعض الشيء. لقد بداو نظيفين وسعداء وأصحاء تحت ضوء الزينت الوافر، رافعين أيديهم للتلويح للإثنين. كان الجميع منغمسين في أعمالهم، يمارسون مهام الصيانة والإصلاح وكأن الإنديفور هي السفينة الوحيدة الراسية في الميناء حالياً.
كانت العربات تقرقر فوق بلاط الشوارع الملساء والمنظمة، ولم تحمل المدينة في طياتها أي رائحة من روائح المستوطنات الأقل تحضراً. لقد كانت بلدة بالغة اللطف، وهذا ما أثار ريبة جوناثان أكثر فأكثر. وما إن حطا رحالهما حتى تقدم مدير الميناء لاستقبالهما. كان جبلاً من الرجال، طويل القامة وعريض المنكبين، حتى كادت دروز زيه تمزق، وكان يشرق بابتسامة من وجه خطته دفقات من الحيوية طوال حياته.
جاء صوته خشناً لكنه ودود وهو يمد يده، محموماً بالبحة الخشنة لمدخن قديم.
"أهلاً بكما أيها المسافران في تيرمينوس!".
ابتسم وصافح يد جوناثان، ثم يد أنطوماين، وكانت قبضته حازمة دون أن تكون ساحقة.
"تلك السفينة التي تملكانها جميلة حقاً! لا تترددا في إرسائها في أي مكان، فكونا على واثقين من أننا سنعتني بها جيداً! أه، دعوني أعرفكم بنفسي. أنا كونور فريمان، مدير الميناء هنا في تيرمينوس. بمن تشرفني مخاطبته؟".
ترك جوناثان أمر التعريفات لأنطوماين، مركزاً بدم غلبه على محاولة العثور على أي شيء قد يوشي بالطبيعة الحقيقية لتيرمينوس. كانت عمليات تعدين الزينت في الأفق تُصدر أصوات قرقعة خافتة، وتصدر معدات التقطير طنيناً هادئاً. كانت الأصوات ترتفع وتخفت بينما يتحدث الناس، وفي البعيد ضحك أحدهم ببهجة ودون اكتراث. لم يكن هناك أي شيء يثير حواسه على الإطلاق، وكان هذا وحدة ما يكفي لإثارة قلقه.
سأل أنطوماين: "منذ كم بالضبط تأسست تيرمينوس يا سيد فريمان؟"، فضحك مدير الميناء.
"قبل عصري، هذا ما يمكنني تأكيده لك!".
لم تهتز ابتسامة كونور على الإطلاق.
"لكننا مواكبون للعصر، أؤكد لك ذلك".
ضرب جانب مبنى الميناء بحنو.
"لا تقلقا، فلابد أننا قادرون على التعامل مع أي إصلاحات أو مؤن تحتاجان إليها. نحن نفخر بحسن ضيافتنا هنا. فالناس الأخيار والأبرار يجب أن يكونوا سراجاً للآخرين، بعد كل شيء!".
التقى بصر جوناثان بعيني أنطوماين، فاومأ المحقق برأسه ببساطة. لم يستطع أي منهما رصد أدنى أثر للكذب في قول أو فعل، ورغم أن جوناثان لم يكن مرتاحاً البتة للمكان، فلم يكن هناك ما يبرر الرحيل. لا شيء سوى استحالة وجوده المحض، مع أن ما قد يعتبر ممكناً أو غير ممكن في الشرق كان أكثر مرونة منه داخل أسوار بيكون.
قال جوناثان، متردداً لا لشيء إلا لأنه لم يجد سبباً لتجنب ذلك: "أظن أنه يتوجب علينا إعطاء إشارة للقائد مونتغمري بالرسو".
لم يكن يصدق أن تيرمينوس خالية من العيوب، غير أنه لم يلمس أي مرأى أو صوت أو أريج لما يريب. بدا أنطوماين متردداً بالمثل، لكنه اضطر للموافقة.
سأل أنطوماين: "هل تقبلون الذهب مقابل السلع؟"، فأطلق مدير الميناء شخير ضحك.
"طبعاً نفعل! لست همجاً هنا".
هز كونور رأسه الضخمة نفياً للاستفسار.
"سأعطيك سعراً عادلاً أيضاً، دون جشع. أفضل مما ستجده في أغلب الأماكن، أليس كذلك؟".
ضحك مرة أخرى ولوح نحو الإنديفور التي كانت تبدو بوضوح عبر كشافاتها الضوئية.
"لدينا وفرة من غاز الرفع والتيرستريت للخزانات، لا تقلقا".
أزال جوناثان فانوس الشعاع من موضعه المثبت على بدلة طيرانه وتأكد من تحويل عدسته إلى اللون الأخضر، ثم رفعه باتجاه الإنديفور وأومض به عدة مرات. بعد نحو ثلاثين ثانية من الانتظار، أومضت أضواء الإنديفور مرة واحدة رداً على ذلك، وتوهجت المحركات حين شرع مونتغمري في مناورة السفينة نحو الميناء. راقب كونور باهتمام ثم ضرب على كتف أنطوماين قبل أن يفتح باب المكتب.
"تعالوا، سنجعل معلومات رسوكم جاهزة ومن ثم يمكنكما الاسترخاء. صدقاني، ستعجبكما تيرمينوس. وربما تقرران البقاء حتى!".
رمق جوناثان تلك الجملة الأخيرة بنظرة حادة، لكن كونور لم يكن يحمل سوى حسن نية بريء وفخر ببلدته. رغم شكوكه، سمح جوناثان لنفسه بأن يُقاد إلى الداخل، إلى مكتب نظيف ومرتب ومنظم، حيث دفع كونور سجلاً أمامه ليوقعه. كانت هناك إدخالات أخرى فيه، بخطوط مختلفة تحمل أسماء سفن متفاوتة، لكنه لم يتعرف على أي منها. تقبل كونور عملات جوناثان المسكوكة في بيكون دون تردد، وعرضها على الأب الموكل وهو يمطر أسماعهم بمدائح المناظر والمعالم الجذب في تيرمينوس.
استقلا المصعد إلى مستوى الإنديفور بينما كان رجال الطيران يشدون خطوط التثبيت ويحكمون السفينة في مكانها، ناشرين الجسر الحبلي لربط السفينة بالبرج. بدا عمال الميناء جميعاً عاديين تماماً، مرتدين سراويل خشنة ويسحبون الحبال بأيد متصلبة. عبر جوناثان الممر العائم عودة إلى السطح السفلي وتخلص من بدلة الطيران بارتياح، مسلماً إياها إلى أحد رجال الطيران ومستعيداً عصاه. وصل مونتغمري بينما كان جوناثان يضبط بدلاته، نافضاً الأكمام ومعدلاً ربطة عنقه.
"حسناً؟ كيف يبدو الأمر هناك؟".
اعترف أنطوماين: "ليس هناك ما يريب في أي شيء رأيناه".
"لا أجرؤ على اقتراح إجازة شاطئية بعد، ليس قبل أن نقضي بعض الوقت في تفقد بقية البلدة".
نظراً لما بعدهم نحو المستوطنة المضيئة والنظيفة والآسرة، قال مونتغمري: "يمكنني منحكم يوماً لذلك ربما. يدرك الرجال أن ثمة خطباً ما هنا، لكن نظراً للأسبوعين الماضيين فسيرغبون في قضاء بعض الوقت على اليابسة".
قال جوناثان متبعاً نظرة مونتغمري: "فور عودة إليانور، أظن أنكم ستجدون إجابتكم. وإن كان كما قال أنطوماين، فلم نعثر على أي شيء مريب".
تساءل مونتغمري بصوت عال: "إذن ما هي الخدعة؟".
اعترف جوناثان: "تلك هي المسألة. دعنا نستغل أي حسن ضيافة نلتقيه لنصلح أنفسنا ونعشها. سأحاول اكتشاف الأخطار التي قد تكمن هنا في تيرمينوس، لكنني أنصحك بأن تكون مستعداً لأي طارئ".
مضغ مونتغمري الكلمة وقال: "أجل"، والتفت لإصدار الأوامر.
عاد جوناثان إلى مقصورته لاسترداد أموال سائلة إضافية — فقد بدأ رصيده ينفد تماماً، إذ لم يكن يتوقع الاحتجاج بنقود فعلية في مكان شديد الشرق هكذا — ولإحضار قبعته. كانت الأدوات التي جمعها للدفاع عن السفينة لا تزال على مكتبه، إذ لم تكن حاجة إليها لهذه المهمة. تأملها للحظات ناظراً بعصاه وهو يفكر، ثم تركها وراءه وعاد إلى السطح السفلي. أومأ جوناثان برأسه لطيراني المرابط عند المخرج وعاد إلى المصعد، منتظراً المنصة ليصعد عليها.
كان بالإمكان الاعتماد على أنطوماين وإليانور للتحري عن جوانب محددة، لكنه كان بحاجة لرؤية البلدة بنفسه. وحقيقة أن شيئاً فيها لم يزعج أحشاءه أو يثير شكوكه كانت في حد ذاتها مثيرة للريبة إلى درجة جعلته يشعر بالاضطرار للتحقيق بمزيد من التعمق. إن وُجد شيء يهدد البعثة، فعليه معرفته. خارجاً إلى شوارع تيرمينوس، شرع جوناثان يسير باتجاه مركز المدينة، وعصاه تطرق الشوارع الحجرية وعيناه حادتان.
تسلقت كروم خضراء وزرقاء سواعيد المصابيح، مشذبة بعناية فائقة لتضفي لمسة زاهية من الألوان على الحجر الرمادي الأبيض للبلدة. تدلت نقوش صغيرة من كل عمود إنارة، معلنة عن أسماء الشوارع أو حاملة ببساطة نحتاً لبضعة مبان مع اسم البلدة في الأسفل. كان المشاة الآخرون يومئون بأدب، أو حتى يبتسمون ويلوحون، ووقف مرة أو مرتين جانباً ليدع عائلة تعبر، وسط حشد من الأطفال يحيطون بوالديهم.
وضعه المنظر بقوة، مذكراً إياه بأيام قضاها مع أبيه في زمن يسبق البعثات الطويلة. لم يوفق أبداً في إيجاد وقت لعائلة تخصه — لكنه نفض تلك الأفكار عن رأسه ومضى قدماً. تدلت لافتات أخرى من المبان معلنة عن المتاجر والأعمال التجارية، وكل منها صنع بيد ذكية. وتنوعت شتى الأنواع من الملابس والسيجار إلى الصحف والحلويات. توقف عند مكتبة مستذكراً النوادر التي وجدها في قبضة دانر، وبعد هنيهة خطا إلى الداخل.
"أهلاً بك!".
كان صاحب المتجر شاباً، بشعر أشعث ولحية محددة، وعيناه براقتان وفضوليتان وهو يرفع بصره عن الكتاب الذي كان يتصفحه. كانت رائحة الداخل تعبق بالجلد والكنفاس دون أي عفن أو غبار لكتب مصانة سيئاً، وكانت الرفوف التي تصطف على الجدران مرتبة ومنظمة.
تابع صاحب المتجر وهو يعلم مكانه بفاصل كتاب جانباً: "لا بد أنك من تلك السفينة التي وصلت لتوها. هل من شيء أستطيع مساعدتك في العثور عليه؟".
أقر جوناثان، محساً بانزياح طفيف يكاد يزعجه لعادية كل شيء، لكنه مفتون بما تقدمه تيرمينوس: "ربما. هل هناك أي شيء غير معتاد، قد لا يوجد إلا هنا؟ سواء فيما يخص تيرمينوس ذاتها، أو هذه المنطقة. نحن قادمون من الغرب بما يكفي لنجهل الكثير عن النطاق المحلي"، قال مختبراً رد الفعل الذي قد يجنيه.
"أه، باحث! هبّ صاحب المتجر من خلف المنضدة ومتجهاً نحو الجدار البعيد. كانت كعوب الكتب هناك بلغات عديدة، لم يفهم جوناثان بعضها، لكن صاحب المتجر اختار العديد منها بلغة أكثر شيوعاً ومدّ بها ليتناولها جوناثان. قال: "أظنك ستجد هذه مثيرة لاهتمامك يا سيدي الفاضل". تناولها جوناثان وفحص أغلفتها. كان أحدها تاريخاً موجزاً لتيرمينوس، وعنوان آخر أطلال مهام كوروييد. وكان الثالث كتاباً مبدئياً للغات لعدة ألسنة سبق أن رآها جوناثان، ولكن في شظايا فقط. تصفحها بسرعة، ليجد أن كل منها مطبوع بوضوح، وأسلوب المؤلف مفهوم بوضوح وبالتالي بخلاف الكثير من الكتب التي اضطر جوناثان للاعتماد عليها طوال حياته. دفع حفنة صغيرة من الفضة ثمناً للكتب فربطها صاحب المتجر في حزمة بخيط متين. غادر جوناثان المكتبة بشعور غريب بالألفة، بإحدى يديه عصاه والأخرى ممسكة بالخيط. استدعت التجربة بأسرها بقوة الأيام الخوالي عندما كان مجرد مكتشف للأسرار والتواريخ، يغوص في الأرفف المنسية على أمل العثور على تلميح مراوغ. لقد كانت ذكرى قوية بما يكفي لتجعله يتوقف للحظة — ثم ذكره ضوء الشمس المشتعل في روحه بمدى خاوية تلك الأمور بالمقارنة. التفت حوله امرأة تمشي بحيوان أليف مكسو بالفراء له ست سيقان صغيرة وست عيون خاوية، ناخرة باستعلاء، وبدت منزعجة بوضوح من عرقلة شكله لطريقها. راقبها جوناثان وهي تبتعد ورفع الكتب بتفكر، مواصلاً سيره في شوارع تيرمينوس. لقد علم أن ثمة خطراً يكمن في مكان ما، لكنه عجز عن العثور على أي تلميح له. راح يهيم لفترة في الشوارع المضيئة، متفرساً في الأزقة والنوافذ ليجد فقط ما يُتوقع من بلدة صغيرة قريبة من بيكون. كان هناك بشر سعداء وتعساء، وبعض السكارى العرضيين، لكن النظام كان محفوظاً جيداً والمدينة نظيفة. بدأت الساعات تدق لإعلان الساعة بجوقة متقطعة، معلنة نهاية اليوم. ومع ذلك، لم تزدد كل قطحة من العادية الودود إلا قناعة بأن أي شيء يتربص في تيرمينوس كان ألطف وأرهب مما تخيل. حين عاد إلى السفينة، لم يكشف أي شيء عن نفسه سوى شوارع مألوفة وآمنة وبريئة. لقد كره كل شبر منها، ولكن لم تكن هناك تفصيلة واحدة يمكنه الإشارة إليها بوصفها تنذر بالسوء بأقل قدر — سوى الاستحالة المحضة لوجودها أصلاً. كان الطاقم يحدق شوقاً إلى الشوارع النظيفة الحافلة بالحانات والنزل و— بلا شك — دور البغاء، بينما انتظر مونتغمري منه السماح لهم بالنزول. كان أمراً محسوماً بعد أن عاد جوناثان سالماً ومثقلاً بمشترياته. قال جوناثان بشيء من الممانعة: "لا أرى سبباً يمنعك من منح إجازة شاطئية.
ربما يعارضني أنطوماين أو إليانور، لكنني لا أستطيع العثور على خطأ واحد في البلدة". أنب مونتغمري الطاقم: "أسمعتم ذلك؟
آمنة لكن هذا ليس ميناء الوطن.
لا تجوال بمفردكم وأبلغوا عن أي مشكلة، حتى لو كانت شجار حانة". وكان ذلك كافياً لرجال الطيران غير المنخرطين في عمليات الإصلاح، وسرعان ما اختفى عدد منهم في الميناء. ترك جوناثان مونتغمري لشؤون المؤن وعاد إلى السطح العلوي بغنائمه. كان لا يزال يقلب الكتب الثقيلة حين عاد أنطوماين، ويبدو متفكراً. وقف الشاب المحقق عند نوافذ غرفة المراقبة، مطلّاً على تيرمينوس، ولم يصدر صوتاً لفترة طويلة. سمح له جوناثان بأخذ وقته، مدوناً ملاحظات من المعجم اللغوي ومالئاً الصمت بالحفيف الهادئ للقلم. قال أنطوماين مطولاً: "الأمر ليس مثالياً حتى.
كنت أنتظر، لو كانت هذه مسرحية كبرى، أن تفتقر إلى كل العيوب والنقائص التي تميز البشر الحقيقيين والأماكن الحقيقية. إنها مستوطنة جيدة، لدرجة أنها قد تنافس بيكون عملياً، ومع ذلك ليست مثالية.
ممتعة، ولكنها ليست غير واقعية". جعد أنفه. "إن الفرع المحلي للتفتيش دقيق إلى حد ما، وحسب ما يمكنني تقدير، يقظ لمهامه". دعت إليانور بغتة، مقتحمة غرفة المراقبة: "ربما الطف من بيكون.
القليل من العالم السفلي.
لا مجلس منعكس ليخبرني بما أفعله". قال جوناثان، معلماً مكانه ورافضاً بصره عن كتابه: "أنا قلق لأننا لا نرى الخدعة.
يمكننا الراحة والتزود بالوقود هنا، لكن ما هي التكلفة الخفية؟".
سألت إليانور: "أيعقل أنها مجرد مستوطنة ضائعة؟ مثلما عبرنا للتو فوق مدينة نُقلت إلى هنا بطريقة ما، وبالتأكيد لم ينج الناس حقاً من ذلك. ربما يكون هذا المكان مختلفاً".
رد أنطوماين، مستديراً من المنظر ليطالع إليانور: "ذلك أمر مستبعد إلى أقصى حد. أي يد تبذل الجهد لاستخراج بلدة صغيرة سليمة والتأكد من عدم وجود سجلات لوجودها، لن تسخر تلك البلدة بعد ذلك لأغراضها الخاصة؟ أي قوة تستطيع إيواد الناس هكذا في عمق تحصينات الشرق تفعل ذلك دون طلب ثمن؟".
قالت إليانور بعد توقف متأمل: "حقاً، حسناً، يصعب المجادلة في ذلك. مع ذلك، أصوت بأن نستمتع بها طالما أمكننا. إن كنا هنا فسنصطدم بالمشكلة، أو لن نفعل، وعلى كلا الحالتين يحسن بنا استغلال ما يُعرض".
رد جوناثان بفظاظة: "آمل ألا أكون هنا طويلاً"، لكنه لم يعارض.
طالما لم تؤخر نزوات إليانور أو تعرقلهم، فلم تكن من شأنه.
قال أنطوماين لجوناثان وهو يتأمل البلدة في الأسفل: "الأفضل أن نستغل ما بوسعنا، بالنظر إلى المسافة الطويلة التي تنتظرنا. كل ما يمكننا الحصول عليه هنا يحافظ على مؤننا".
قال جوناثان: "حقاً"، رغم أن طبيعة ميناء ودود إلى هذا الحد بعيداً عن الديار كانت تقوض تحذيراته واستعداداته، وتؤكل سلطته.
كان أصعب بكثير إقناع الرجال بالمضي قدماً رغم المخاطر حين كان الأمان يقع تماماً خلفهم، بدلاً من مئات الأميال. حقيقة أن كل كائن وكل مكان كان موضع شك، بينما كانت العائلات تتجول بسعادة.
قالت إليانور وهي تلتفت وتلوح بوداع فاتر: "على سيرة ذلك، سأذهب للاستمتاع بأחד تلك المقاهي التي رأيتها. يمكنك تناول الحصص الغذائية إن أردت".
وهو أمر لم يكن منصفاً البتة، إذ كانوا يتناولون طعاماً أفضل من أغلب المقيمين في بيكون بفضل وفرة الامتداد الخضري، غير أن خيارات السفينة كانت محدودة حقاً. راقبها جوناثان وهي تبتعد بشيء من الريبة. لم تكن سلامتها معرضة للخطر، نظراً لمواهبها، لكنه كان بعيداً عن اليقين بشأن حكمها في مكان مثل تيرمينوس. إن محاولة كبح سلوكها فعلياً دون تهديد وشيك كانت محكومة بالفشل، لذا اضطر لتركها لشؤونها الخاصة.
غادر أنطوماين بعد ذلك بوقت قصير، وأمضى جوناثان وقتاً مريحاً بلا شك مركزاً على كتبه، كما كان يفعل حين كان أصغر سناً. لقد صرفت الألفة في دراسة وترجمة لغة مفقودة، لغة تحدث بها الناس منذ زمن بعيد حتى تحولت المدن إلى تراب، الانتباه عن عدم يقين مينائهم. غير أن يوماً امتد إلى يومين، ثم ثلاثة، بينما جرت الإصلاحات وجلبت المشتريات إلى متن السفينة. أمضى رجال الطيران والركاب على حد سواء وقتاً في شوارع تيرمينوس، ولكن في كل مرة كان جوناثان يغادر السفينة كان يجد نفسه أكثر إحباطاً.
لم يكن هناك سر مظلم واحد أو ظل مهدد يمكنه الكشف عنه، وكأن البلدة بأسرها شُيدت حصرياً لتثبت خطأه بشأن طبيعة العالم. ولم يلحظ حتى أي حياة برية قريبة، رغم أن العمالقة الذين حكموا الإقليم كانوا أكبر وأقوى من أن يهتموا بتجنب مستوطنة بشرية. لو كان قادراً على رؤية الأمور في الظلال، لكان جوناثان واثقاً من أنه سيفعل. كان السلام والود المفروض يثيران أعصابه، وكان نداء ضوء الشمس يدفعه لمغادرة السفينة بخطى قلقة.
تآكل صبره لمجرد ترقب شيء يرفض الحدوث. ورغم الوقت الذي أمضاه في التجوال في البلدة، فشلت القوة الكامنة وراءها في الكشف عن نفسها.
عندما وجد جوناثان نفسه بالداخل مرة أخرى، قال صاحب المتجر الودود في المكتبة: "سعيد برؤية وجهك مجدداً! ليس الكثير من الناس مهتمين بالأمور الباطنية حقاً، لذا من الجيد أن يكون لدي زبون كذلك".
وقبل أن يسأل جوناثان حتى، هبّ من خلف المنضدة ليفتح الخزائن المقفلة في مؤخرة المتجر.
"أتظن أنك ستستمر في البقاء؟".
جعل السؤال جوناثان يتوقف في مساره، مشدداً يده على عصاه. ثم استدار وادرج مغادراً المتجر، تاركاً صاحب المتجر المذهول خلفه وهو يسير بخطى حثيثة عائداً نحو الميناء وبدن الإنديفور الراسي عند الصواري. كان ينتظر بنصفه أن يُعترض طريقه، وشعر بقوة قناعته كأنها شيء مادي يفرقع خلفه، لكن سكان تيرمينوس لم يبدوا أي إدراك للخوارق يتجاوز ما لدى أغلب مواطني بيكون. انتظر على المصعد، ضارباً بعصاه بإيقاع منتظم على الأرض بالتزامن مع تتابع أفكاره، ثم اقتحم الإنديفور متجاوزاً طيراني المناوبة اللامبالي.
صعد جوناثان إلى السطح الأوسط وإلى مقصورة مونتغمري، مكتفياً بالنقر على الباب بمقبض عصاه. جاء صوت القائد، فدفع جوناثان الباب واضعاً يده عليه، ليجد الرجل في غضون تحديث سجل السفينة.
سأل جوناثان مباغتاً الرجل: "لماذا لم نغادر بعد؟".
سأل مونتغمري مشوشاً ومنزعجاً بنصفه من نبرة جوناثان: "أعذرني؟".
غرس جوناثان عصاه في الأرض، ميلاً بجذعه فوق مكتب مونتغمري: "لم نكن بحاجة حقاً للمؤن، باستثناء الزينت وغاز الرفع وتلك كانت لتستغرق يوماً واحداً فقط".
"لم تكن الإصلاحات بحاجة إلى حوض جاف، وينبغي أن تكتمل على أي حال".
لقد رأى الرقع بنفسه، أقساماً صغيرة من الغلاف بلون مختلف قليلاً عن البقية.
"إذن لماذا لم نغادر؟".
"حسناً..."
أغلق مونتغمري سجل السفينة، ماداً يده نحو غليونه وبادئاً في مسح الوعاء. انتظر جوناثان بصبر ريثما يجمع القائد أفكاره.
"لقد حصلنا على كل ما نحتاجه على متن السفينة، بالتأكيد، باستثناء الطاقم. بكل المقاييس، القليل من الوقت في ميناء آمن سيفيدهم".
"أحقاً؟ إنه ليس ميناء الوطن".
قطّب جوناثان جبينه ناظراً عبر المكتب نحو مونتغمري.
"قد يكون أحد أكثر الموانئ خطورة التي زرناها. إنهم سعداء تماماً بتركنا نبقى هنا — وكم هو مغر ذلك، لأشخاص وجدوا أنفسهم بعيدين هكذا؟".
قال مونتغمري وهو يفتح علبة التبغ وينقل بعض محتوياتها إلى غليونه: "لا أتصور أن معظم طاقمي سيكونون حريصين جداً على الاستقرار بعد مجرد يومين".
"لقد زرنا موانئ أجنبية من قبل".
"يومان، ربما لا. لكن ذلك يتحول إلى أيام أخرى، وتتزايد الإغراءات. يغادر المزيد من الناس. ثم نحتاج إلى البدء في محاولة تجنيد آخرين، وأضمن لك أن ذلك لن ينجح هنا. حتى فرد طاقم واحد يعد خسارة لا يمكننا التعافي منها، والمحاولة لن تزيد الأمر إلا سوءاً".
استقام جوناثان في قده.
"استدعِ الطاقم. استعد للرحيل. قبل ألا نتمكن من الرحيل".
قال مونتغمري: "إن مقاطعة الإجازة الشاطئية لن تجعلك محبوباً للغاية".
لكن التجاعيد على جبينه أظهرت أنه كان يدرس وجهة نظر جوناثان.
"ولا أنا أيضاً. لكني أرى وجهة نظرك، سيد هايتس. سأستدعي الجميع للعودة".
"جيد".
أومأ جوناثان برأسه حاداً لمونتغمري وغادر المقصورة، لكنه لم يعد إلى مقصورته الخاصة. سيستغرق الأمر وقتاً لجمع كل رجال الطيران في المدينة، وقد يتطلب الأمر أكثر من رسالة لإغراء إليانور للعودة إلى الإنديفور. لقد كانت أكثر إغواء من سواها بما تقدمه تيرمينوس، وقضت القليل من وقتهم في الميناء على متن السفينة. ركب المصعد هبوطاً مرة أخرى، نازلاً إلى شوارع تيرمينوس بخطوة سريعة.
على الأقل، وجد جوناثان أنه من حسن الحظ أن البلدة لم تكن كبيرة بشكل خاص، وإلا لكان العثور على مخابئ شخص مثل إليانور مستحيلاً. وكما كان الحال، وجب عليه الانتباه جيداً لأسماء الشوارع للعثور على زاوية الحي الغامضة التي احتضنت إليانور نفسها فيها — ثم استخدام تقديره الخاص لتحديد المكان الذي قد تتواجد فيه بالتحديد. ولحسن الحظ، لم تكن رذائلها تمتد إلى الفجور مما استبعد بعض الخيارات الأكثر كرهاً، لكنه لم يكن يعرف المرأة بذات العمق الذي عرفها به سابقاً.
لقد كانت شابة وغاضبة حين التقاها للمرة الأولى، ولم يتغير الكثير من ذلك، لكنه لم يكن يتوقع من إليانور من الماضي البعيد أن تحتسي الشاي في حديقة صغيرة. كما لم يكن يعرف من كانت تحادثه، لكن بدا أنها لم تستغرق وقتاً طويلاً لتكوين أصدقاء داخل تيرمينوس. وهو أمر مريب الخطورة.
قالت إليانور، لمحته وهو يجتاز بوابة الحديقة: "جوناثان".
كانت السيدة المسنة الجالسة على الطاولة مع إليانور تشبه الحديقة؛ زرقاء وبيضاء وأنيقة. خصت جوناثان بقطبة حاجب مستعلية، لكنه تجاهل استياءها.
قال جوناثان دون مقدمات: "حان وقت الرحيل يا إليانور".
أجابت إليانور وهي ترتشف شايها: "أنت تقاطعني. علاوة على ذلك، أترحل بالفعل؟ أليس ذلك متسرعاً بعض الشيء؟ لسنا مرتبطين بجدول زمني، أليس كذلك؟".
قال جوناثان باختصار: "لقد مضت أربعة أيام. كل لحظة نقضيها هنا تتسرب الفرص من أيدينا. تيرمينوس ليست لنا".
أجابت إليانور وهي تلتفت لتواجه بشكل كامل نافضة خصلة شاردة من شعرها الأحمر عن وجهها: "أحقاً؟ كيف عرفت؟ الأمر رائع هنا! لا داعي لأن أقلق بشأن العائلة، ولا داعي لأن أقلق بشأن المجلس. يمكنني فعل ما أريد".
سأل جوناثان مضاهياً الازدراء بالازدراء: "إذن، ماذا، ستبقين هنا؟".
استند على عصاه ونظر مطولاً إلى إليانور التي ضيقت عينيها نحوه.
تحدته قائلة: "تعلم، قد أيفعل حقاً".
كبح دافعه الأولي والمتفجر ببساطة للإمساك بها وجرها جسدياً إلى الإنديفور. إن فرض الأمر سيجعل من الصعب الاعتماد على مواهبها حين يكون بحاجة إليها حقاً. ولم تغب عنه نظرات العجوز الحادة، التي وعدت بجعل أي عملية استخراج أصعب مما ينبغي بخلاف ذلك.
قال لها جوناثان بعد هنيهة من التأمل: "وحينئذ ستعود الإنديفور، ولن تكوني هناك. سيكتبك المجلس كخسارة ولن يعرف أحد أنك غادرتِ وفق شروطك الخاصة. ولن يعرفوا أنكِ انتصرتِ".
انتفضت إليانور عند ذلك، وعلم أنه قرأ أفكارها بالشكل الصحيح.
"قد تبقين هنا، لكن هذا المكان ليس سوى نهاية. إنه استسلام. إنه قعود".
حافظ على وجهه قناعاً محايداً ونبرته باردة، دافعاً بالكلمات لتجرح من تلقاء نفسها.
"إذا كان كل ما يعينك هو القعود، فأظن أن تيرمينوس كافية. وإن كنت ترغبين في المزيد، فسوف نغادر قريباً".
بدأت العجوز تقول: "والآن انتظر دقيقة واحدة—"، فالتفت إليها جوناثان بغضب وضوء شمس يتقد في عينيه.
تراجعت إلى الوراء هرباً من الحافة الخطرة في وقفتها، وقبضتها المبيضة على العصا. تنهدت إليانور ونهضت، ممسحة فمها بمنديل.
"شكراً لك على الشاي يا آنسة إرنست. كان رائعاً. لكني مضطرة للذهاب الآن".
اكتفت السيدة المسنة بالإيماء بشدة، وما زالت منقبضة بغضب جوناثان الكامن، فتقدمت إليانور جوناثان عائدة عبر بوابة الحديقة. لم تتحدث في طريق العودة إلى السفينة، ولم يفعل جوناثان كذلك، بعد أن حقق غايته ولم ير داعياً للإسهاب فيها. كاد يتوقع مواجهة من تيرمينوس بينما شق الاثنان طريقهما نحو الميناء، لكن شيئاً لم يتحقق. كان ذلك أسهل من اللازم، حسب جوناثان. أي تلميح للمعارضة كان سيبلور فوراً أي بقايا شكوك حول طبيعة الفخ.
بات جوناثان يعلم ما هو خطره الآن، وما هو إغراؤه. سواء أكان طبيعياً أم مصطنعاً، أصيلاً أم اصطناعياً، فقد تيقن من أن غرضه برمته كان خبيثاً. كانت الإنديفور في حالة من الاضطراب حين خرجا من المصعد، وسط موجة من النشاط استعداداً للرحيل وجدال قائم بين أنطوماين ومونتغمري وهما يقفان عند الممر العائم. توقف جوناثان، وبينما تسللت إليانور متجاوزة الاثنان دون أن يدركا، لاحظ الرجلان الآخران جوناثان وصمتا.
أبلغ مونتغمري: "بعض رجالنا يرفضون العودة. مارتن وأوسكار".
أوضح أنطوماين: "الرجل الذي فقد يده، والذي فقد صوته. لقد اختار كلاهما قبول ضيافة تيرمينوس، ورأيت أنه من سوء الرأي محاولة إزالتهم بالقوة".
قال مونتغمري ووجهه يرتسم بقطبة جلدية: "كان أوسكار معي منذ الأيام الأولى. مارتن جديد، ولكن إن كان هذا فخاً فلا أرغب في ترك رجالي خلفي. علاوة على ذلك، نحن بحاجة لكل أفراد طاقمنا".
قال جوناثان باختصار، ناظراً من رجل إلى الآخر: "إنهم يريدون منا البقاء. كلما أبطأنا، رغب المزيد من الناس في البقاء. تذكر أين نحن، القائد مونتغمري. لا أود إثارة طوق أي شيطان يكمن تحت هذا المكان. وحتى بغض النظر عن ذلك، لا أود التفكير في الأذى الذي قد يرتكبه رجال جندوا كرهاً على متن سفينتك".
قال مونتغمري بعناد: "أنا لا أتخلى عن رجالي".
"أنت لا تتخلى عنهم. إنهم يتخلون عنك".
قال أنطوماين ماداً يده لملامسة شارة التحقيق التي كان يعلقها حول رقبته: "أخشى أنني يجب أن أوافقك الرأي يا قائد. ربما أخفقت معهم، وإلا لما شعروا بالحاجة إلى مغادرة صحبتنا، لكني لا أؤمن بأي سيطرة خفية تعبث بعقولهم. الأمر لطيف هنا فحسب، ومرعب هناك".
قال جوناثان متجاوزاً إياهم للصعود إلى السفينة: "فلنرحل، بينما لا زال بإمكاننا".
دون أي رد ممكن، تبعهما أنطوماين ومونتغمري بعد قليل. صعد إلى الطابق الثالث، ليجد نفسه وحيداً في غرفة المراقبة بينما استعدت الإنديفور للإبحار. حتى الآن كان يترقب ظهور قوة رهيبة لمنع طريقهم، لكن شيئاً لم يتحقق. وليس لأنها بحاجة لذلك؛ فقد وقع الضرر بالفعل. في النهاية، بدأت السفينة تتحرك، وترنح السطح تحت القدمين، وبدأت أضواء تيرمينوس تنحسر. عاد جوناثان إلى مقصورته وأزال كومة الكتب التي اشتراها هناك؛
كتب تحمل أسراراً ومعارف تساءل عنها طوال حياته. ثم صعد عبر الفتحة، بينما توزعت الكتب في ذراع واحدة، وخرج إلى السطح العلوي. وواحداً تلو الآخر، قذف الكتب بعيداً في الظلام أدناه. كانت تنتمي إلى الماضي، لا إلى المستقبل. سيحرق كل شي ليرى ضوء الشمس مجدداً.