أخذ بن لحظة للتفكير، فجمّد العالم حوله، واستعرض الموقف الذي وجد نفسه فيه، مستكشفاً خياراته. كان سبب مجيئهم واضحاً؛ أراد بعضهم وضع حدّ له الآن بعد أن صار حامل خطيئة من الدرجة الثالثة ذات الاسم المؤسف للغاية، بينما حضر آخرون للدفاع عنه. لكنّ الفريقين لم يكونا مهمين قدر أهمية الفرص التي أتاحاها، إذ منحا بنا فرصة لرؤية مئات من ملوك ذلك العالم عبر عدسة قوته الجديدة.
حين أيقظها للمرة الأولى في الدرجة الثانية، تمثل التغيير الأكثر فورية في قدرته المفاجئة على قياس نقاط الضعف لدى الملوك حوله. لم يكن قادراً على فعل أي شيء بهذه المعلومة بطبيعة الحال، لكن توفرها بحد ذاته وتلك القدرة لم يزداد إلا قوة مع إيقاظه الجديد، وأخبرته الغريزة المرافقة بشيء آخر. لو احتاج إلى ذلك، وبناءً على القدرات التي عرف أنه يمتلكها، كان ليرجح أن بإمكانه إيذائهم.
شكّل ذلك بحد ذاته تغييراً كبيراً. في حالته الراهنة، وبدون أي تمرس، لم يعلم إن كان بمكانه الفوز، لكن في مواجهة فردية أو ثنائية، استطاع قطعاً خوض معركة، إذ بدا أن بعض الملوك الضعفاء حقاً لن يكونوا من بين المنتصرين. وإن آلت الأمور إلى نهايتها وأراد الغزاة حقاً محاولة القضاء عليه بأي شكل، استطاع على الأقل مباغتتهم بما يكفي لقتل أحدهم ليدفعهم ثمن ذلك الخيار. لكن على النحو الذي بدت عليه الأمور، كان هذا كل ما استطاعه.
ما احتاج إليه حقاً هو الوقت لاستكشاف قدراته الجديدة لفهم قوتها وحدودها إن كان ينوي حقاً مجابهة الملوك بها، وعلم أنه لا يملك ذلك الوقت. فحتى مع درجات السرعة القصوى الجديدة التي يمكن لعقله التحرك بها، أدرك أن الملوك حوله يستطيعون تغيير إطار مرجعيتهم عند التفاعل مع العالم أيضاً. ليس بالمدى الذي يستطيعونه، لكن غياب تلك المعرفة عن أفق تعامله عناه أنه لا يستطيع البدء باختبار حدوده الجديدة أمامهم مباشرة، خشية أن يعدوا ذلك تهديداً.
لذا، بدا جلياً في النهاية وجوب تسوية الأمر بطريقة سلمية نوعاً ما. تقبل الأمر، سامحاً لجزء من كيانه بالهبوط مجدداً إلى السرعات التي كان الملوك حوله يتحركون بها حالياً، ليستمع إلى بعض الصرخات والهتافات التي ارتفعت، وكان بعضها أعلى صوتاً من غيرها.
صاح إينيث: "لقد قبلنا هذا لوقت أطول من اللازم! لقد منحناه الفرصة تلو الأخرى مهما كانت المهارات الملتوية التي اكتسبها طالما أظهر بعض الفائدة، لكن لا يمكن لأحدكم إنكار الأمر الآن! لقد أسماه النظام نفسه ملكاً شريراً، فماذا تحتاجون أكثر من ذلك قبل أن نتكاتف أخيراً لضرب هذه الآفة من عالمنا؟"
قال أنيليا دفاعاً عنه: "معنى تسميات النظام لا يعني شيئاً فيما يتعلق بشخصية المرء، ومع أني أعلم أن الكثيرين منكم أغبياء لدرجة عدم معرفة أن الشر قد يكون موضوعاً نسبياً، إلا أن هناك الكثير من التفسيرات الأخرى التي يمكن طرحها أيضاً. انظروا إلينا جميعاً هنا! وأنت بالذات يا إينيث، لا تتصرف وكأنني وإياك ما كنا لنقاتل حتى النهاية لو ولدنا في العالم نفسه ليخرج المنتصر معلناً أن الآخر شرير؛ فلسفتاه تختلفان كثيراً لدرجة يستحيل معها وجود أي نوع من السلام كالحالي لولا المجتمع الذي بنيناه هنا! يمتلك بن طريقته الخاصّة في إنجاز الأمور، لكن الكثير من ذلك تضمن مساعدة العالم مباشرة، وها إنكم تريدونه أن يموت لقاء إنجازه؟"
قال ميرايد دفاعاً عنه: "إنجاز لم يكن حتى يسعى إليه! لم تكن أي من المهارات التي أيقظها هي ما حاول رفعه، لكن حقيقة نجاحه في ذلك رغم ذلك تعد دليلاً على موهبته! علاوة على ذلك، وبما أنها مهارة قد تتركه في نزاع مع الملوك، فصحيح ما قاله أنيليا. مهما كان اسمها، لكنتم نظرتم إليه جميعا ًعلى هذا النحو على أي حال، لتكونوا بذلك السلطة التي تجعل العالم ينظر إليه بهذه الطريقة! وإذا سماه النظام هكذا، فمن المحتمل جداً أن يكون السبب هو تخطيطكم جميعا ًلتصنيفه كملك شرير منذ البداية!"
سخرت أولينسيا قائلة: "كلمات جميلة لكنها لا تغير جوهر الأمر. وسواء قصد إيقاظها الآن أم لا، فهذا لا يغيّر حقيقة أنه كان يسعى بنشاط لفعل ذلك على أي حال وما سيفعله الآن بعد أن حازها. انظروا إليه وإلى مطالبه المستمرة، أترون حقاً أنه لن يسعى للمزيد الآن بعد أن بات يشكل تهديداً لنا؟ لابد من فعل شيء!"
سأل بن، متحدثاً للمرة الأولى ومجبراً جميع النقاشات الجانبية على التوقف بينما أمال رأسه: "ولكن ماذا؟ أخبروني، أيها الملوك المتعجلون لرؤيتي ميتاً، ماذا ستفعلون بالضبط؟ أتقتلونني وتصعدون بي إلى مرتبة الملوكية فوراً؟ أخبركم الآن، وقبل أن تجدوا طريقة للتعامل معي هنا، سأحدث من الفوضى ما يكفي لاستنزافكم جميعاً من الإيمان بقدر ما استطيع. أفتسجنونني إذن؟ مع المهارات التي أمتلكها، سيكون من المثير للاهتمام معرفة إن كنتم قادرين على إيجاد سجن يستطيع إمساكي، فمحاولة الهرب قد تشكل تحدياً صغيراً ممتعاً. أيكون الخيار الأساسي إذن هو نفي روحي إلى الجحيم؟ من يدري، ربما ينفع ذلك، وربما لا، فليس هناك سوى طريق واحد لتكتشفوا جميعاً، فمن سيكون منكم المبادئ الذي يقدم على التجربة؟ فقط تذكروا، إن فشلتم، فسأعرف تماماً أيكم فعلها".
بسط ذراعيه أثناء قوله ذلك، داعياً إياهم عملياً بينما كان في الوقت ذاته يقيس كل ملك في مدى رؤيته، باحثاً عن أي علامات حركة أو رد فعل بينما تكلم ملك لم يعره معرفة.
"لا تكن واثقاً جداً من استحالة احتوائك ريثما يتم العثور على حل حقيقي، فأنت..."
قاطعه بن، سامعاً سخريات تجاهلها: "انظروا كيف اكتسبت كل مستويات خطيئتي. جاء غالبها من قتل الملوك المحرمين وحصلت على موافقة الجميع لفعل ذلك أولاً، وتلك التي لم تنتج عن ذلك، حصلت على بعضها من تدمير برج ملك متهور لم يعد حياً حتى، ومن إيذاء نصف ملك هددني وهاجم المرأة التي أحبها، إلى جانب ضمان دفع كنيستهم الثمن. بحق الجحيم، بالنظر للأمر من هذا المنظور، فإن الوحيد بينكم الذي آذيته حقاً هو إينيث. حتى أولينسيا ودونا، وهما اثنتان إما وقفتا في طريقي، أو كان لديهما مؤمنون حاولوا إيضائي، أو هددنني صراحة، فلم أطلب منهما سوى تعويض يكفي لمحاولة ضمان عدم تكرار الأمر، لذا، حقاً، الملك الوحيد بينكم الذي يهم وقمت بفعل شيء له لأكسب مستويات خطيئتي هو ملكي الخاص، إذ أدت أفعالي ضد ميرايد لمنحي أول مستوياتي الاثنين وأخرياتها. يا ميرايد، أتأخذ أياً من ذلك عليّ؟"
سخر ملكه: "بالطبع لا".
"إذن يبدو أن الوحيد الذي تعرض لظلم مجحف مني لا يكترث. الآن، لست أدري ما جدوى حضوركم جميعا ًعلى هذا النحو، ألا وهو محاولة وضعي في حجمي أو مجرد التباهي، لكن الأمر لا يهم. إكرهوني لمطالبتي بالمساواة والأجر العادل منكم جميعا، وأنكروا ذلك كيفما شئتم لكن من الواضح أن الحافز الأكبر خلف كل هذا هو كبرياؤكم المجروح لعدم طاعة بشري لكم بذهن شارد، ولكن مهما حاولتم أن تنالوا من مجيئكم إلى هنا لتهديد وجودي، فلن أسكت عن هذا. أنا رسول ميرايد والعالم أغنى لعملي. حاولوا قتلي إن رغبتم لكن في اللحظة التي تفشلون فيها، سأحرص على أن يعرف الكوكب أيّ ملوك قرروا قتل الرجل الذي يصنع العتاد الذي ينقذ الأرواح كل يوم".
بدأ إينيث يقول: "أنت..."
ليقاطعه فوراً صوت أعلى.
صاح بن، كاشفاً عن جزء ضئيل من عقله ليصرخ بالمقدار نفسه بأفكاره أيضاً وليشاهد الملوك أمامه ينكمشون: "هذا صحيح، دعونا لا نلعب الألعاب! في المرة الأخيرة التي استقلت فيها قيل لي إنكم جميعا على علم تام بمدى أهمية عملي للكوكب لذا دعونا نبسط الأمر. إن كنتم هنا لتهديدي لأتصرف بطريقة معينة أو أسلك وفق ما ترونه مناسباً فأنا أرفض. وإن كنتم هنا لانتزاع وعود مني بشأن ما سأفعله في المستقبل أو كيف سأستخدم مهاراتي أو ملوكيتي القادمة فلن أعطيكم شيئاً، وإن كنتم هنا لمجرد إثبات نقطة فهذه هي نقطتي. شئتم ذلك أم أبيتم، حتى تنتهي هذه الحرب أنتم بحاجة إليّ ولم أرتكب خطيئة جسيمة تبرر هذا التردد لذا دعوني أضح الأمر جلياً. عودوا إلى عوالمكم الآن، أو أقسم أمام ملكي، سأصبح الشرير الذي تبدون خائفين منه إلى هذا الحد".
بصقت أولينسيا قائلة: "أتظن أننا نخافك؟"
ليتوقف رد كان على شفاه بن إثر تحدث ملك مختلف.
قال فيكث بحزم: "حسب! أيها جميعا، حسب! لقد تحدثنا عن أفعال من شأنها تقسيم العالم من قبل، ولن نبدأ حرباً بيننا لنقتل صبياً واحداً! مهما كان شعوركم تجاهه فهو ليس المشكلة الآن، أم أنكم نسيتم جميعاً حال منزلنا؟ ارحلوا، ارحلوا كلكم عن هذا الحيز ودعوا هذا الأمر! أنتم تعلمون جميعا أنه ليس بينكم من العدد ما يكفي ليقف أحدهم دفاعاً عن جريمة قتله لذا عودوا إلى حيث كنتم وركزوا في عملكم! الجميع، اهدأوا قبل اجتماعنا القادم وإلا فإن التوتر الذي تسببون فيه جميعا سيتركني أستقيل أنا أيضاً!"
صدر هذا الانفجار غير المتوقع ممن كان عادة من أهدأ الملوك، فارتفعت تمتمات، لكن مع اتضاح أن أولئك الذين طالبوا بموت بن أقل عدداً في الواقع، غادروا جميعاً، واحداً تلو الآخر. ورغم شعور البعض هناك حيال الأمر، كان فيكث محقاً. فمهما كانت المطالب من وراء ذلك، لم تستطع أقلية من الأصوات الإصرار على موت مؤمن ملك آخر، فما بالك بمن ينضم إلى رتبهم؛ وحين افترق المعارضون لبن، غادر المؤيدون له ببطء بدورهم، متبادلين كلمات التهنئة أو رامشين له بالإيماءات إلى أن لم يتبق في المكان سوى أربعة، وكل الأعين معلقة على ذلك الشخص غير المتوقع الذي بقي.
أخذ فيكث، الذي غطا وجهه بيديه الحجريتين، نفساً طويلاً وعميقاً، محتظناً إياه للحظات قبل أن يدعه يتسلل منه في أنين ثقيل وأسفل ذراعيه لجنبيه، متصرفاً كأن شيئاً من ذلك أو من الانفجار السابق لم يحدث ليتكلم.
"أيها الرسول بن، اسمح لي أن أهنيك على إنجازك المتمثل في كونك ثالث بشري يوقظ مهارتين إلى الدرجة الثالثة في حياته، بغض النظر عن الجدليات التي قد تحملها إحداهما. وبينما من المؤكد وجود أكثر من تعقيدات قليلة تحيط بهذا... حسناً، أود أن أؤمن بأن العقول الأهدأ ستنتصر لذا إن استطعت محاولة عدم ترك ردود الفعل المتهورة لعدد قليل من ملوكنا... دعنا نقول، العاطفيين تؤثر على أفعالك فسأقدر جهودك في الحفاظ على الأمور هادئة قليلاً بالنسبة لي شخصياً".
"آه، بالتأكيد يا فيكث، طالما لم يحاول أحد قتلي فلن أذهب بعيداً لاختبار حدود مهارتي الجديدة".
"شكراً لك. إذن أنا..."
بادر بن بالقول مستعجلاً قبل أن يستطيع الآخر المغادرة، عازماً على رؤية طاقة الملك تهبط فوراً قبل أن يفسر نفسه: "الأمر ليس سيئاً، لقد أتممت عملي في هذا لذا أنا مستعد للمجموعة التالية لكني كنت أمل أن ترتب المجموعة التي تليها لتكون في وضع الاستعداد ريثما نرى إن كانت التغييرات في إضافتي ستسمح لي باجتيازهم بشكل أسرع. إن فعلوا فيمكننا العمل على إنجاز ما تبقى من الدرجات الثالثة وأستطيع المضي قدماً بحياتي".
"آه، إن كان هذا كل شيء فبالتأكيد، سأقوم بالترتيبات وأعلم ميرايد".
مع عقله الأكثر قوة مما كان عليه، كان ينبغي نظرياً أن يصبح إنجاز أي عمل أبسط حتى طالما كان في فريق يضم مستخدماً للعقْل، لكنه حمل شيئاً مختلفاً في ذهنه لاختباره طالما نجحت بعض التجارب الصغيرة الأخرى، إلا أن كل ذلك كان للمستقبل. وبحالته العقلية الجديدة استطاع استشعار أفكار تتشكل لم يكن ليعتبرها قط في الماضي واختبارها جميعاً، لكن حين غادر ذلك الملك أخيراً كان هناك ثلاثة آخرون في الحيز، ينظرون إليه جميعاً بقلق حيال ما سيأتي.